« ظـلّ العابــــر ».

كل ما في الأمر أنك مررت بهم.. كنت مجرد عابر فحسب، تبحث عن شيء لا تعرفه، تحمّل قلبك بأسئلة لا تنتهي، وتتظاهر بأنك لا تشتاق لأحد.. لم تكره الرحيل يوما، كنت دوما تظنه يفتح لقلبك مساحات أخرى، ويتيح لك مغامرة أخرى، وربما حزنا آخر.. أحيانا نحتاج حزنا جديدا لننسى حزننا القديم.. كنت تعلم أن التقارب هو فخ مؤقت، لذلك كنت تعبر الأمكنة وأنت تحصن قلبك من أن يدخله أحد.. كنت تسيّجه دوما بـ”لا تتعلق، لا تحب، فلا شيء يبقى..” تحاول هذه المرة أيضا أن تعبر دون أن تكسر شيئا آخر في داخلك.. جئتَ إليهم، محملا بخيبات لا يُقال منها شيء.. خيبات تكفيك عمرا كاملا.. دخلتَ المكان مستعجلا آتيا قبل موعدك.. كنتَ محملا بتوق هش، وكانوا هم هناك، اخترقوا عبورك، أوقفوك، اتسعت دائرة وجودهم حتى احتلت قلبك كاملا.. لم يسألك أحد “من أين أتيت؟” لم يسألك أحد “ إلى أين ستمضي؟” شاركوك أحلامهم وخوفهم وضحكاتهم.. قال أحدهم: “خذ مكانك، كأنك كنت هنا دائما”. بدأت ضحكاتهم تعنيك، تتسلل إلى قلبك، فتنسيك كل الخيبات السابقة.. صارت أحاديثهم تؤنسك، وملامحهم تتسلل إلى ذاكرتك لتسكنها.. كانوا أسماء فقط، لم تعني لك شيئا.. أصبحوا جزءا من قلبك، جزءا منك.. لم تعرفهم، لم تعرف ما الذي يحبونه، من منهم يشرب قهوته باردة، ومن لا يحب النكت، ومن منهم بلا حلم.. أصبحت تعرف قلوبهم، تعرف من كان منهم يخفي يده في جيبه لئلا يضرب بها صدره، لأنه لا يظن أن العالم سينصفه.. ومن كان منهم يُرحب بالألم ضيفا، ومن كان منهم يظن أنه يعيش حياة لم يختر تفاصيلها.. سكنوا قلبك كأنهم كانوا هنا دائما.. كونوا دفئا لا يمكن أن يملأه سواهم.. كانوا شيئا يشبه الخلاص المؤقت من قسوة العالم.. أتيتهم وسط مساحة ربما كانت منسية، لكنها لم تكن فارغة، ربما أضاؤوا في قلبك شيئا لم تكن تعلم بوجوده.. كمساحة فارغة خلف محطة وقود رمي بها أثاث قديم، وسجادة شوهت ملامحها بعد أن انسكب عليها كل ما انسكب من السنين.. لم تعد تقاوم، صرت تترك قلبك على الطاولة وتعود دونه مطمئنا أنك ستجده غدا في مكانه، بين الأوراق المبعثرة وكوب القهوة الفارغ.. بدأت تسترق النظرات لتتبين منهم لمحة رضا.. اعتدت الاسم الذي ينادونك به، أصبح نغمة تُقال بمحبة، بدراية تامة أنه سيؤلمك لاحقا.. تتعلم منهم أن السعادة لا تحتاج إلى سبب واضح. وأن حديثا واحدا يمكن أن يفتح بابا إلى قلبك لن تنساه.. وأن كلمة واحدة يمكن أن تغير في داخلك شيئا كنت ظننته عصيا على التغيير.. تعلمت منهم أن مشاركة المكان في صمت قد يكون أعظم من أي حوار.. أن نظرة منك لأحدهم قد تكشف عن قصة لم ترو بعد.. كنت عابرا بينهم، ربما شكّلت لهم ذكرى جميلة، وربما كنت مجرد رفيق رحلة ستغادر ذاكرتهم قريبا.. ربما ستسقط من ذاكرتهم كشجرة احتفلت بأوراقها، حتى اصفرت وسقطت دون أن تنتبه.. لم يكن الوقت يمضي، كان يتسلل من بين يديك، كانت كل لحظة تمر تصنع في قلبك خدشا صغيرا. ظننت أنك ستتجاوز.. ظننت أن الرحيل سيمر بصمت كما مر اللقاء الأول.. سترحل عنهم، وسيبقى جزء منك هنا دائما، في هذا المكان الذي يعبره الآلاف بحزنهم وصمتهم ولا مبالاتهم.. الآلاف الذين لن يدركوا أنك تركت جزءا منك هنا.. سيبقى جزء منك كما يبقى المصلي بعد انتهاء الصلاة، لا لسبب، فقط لأن فراغه لم يمتلأ بعد.. ستظل تبحث عنهم في الوجوه، ستتوهم أنك سمعت ضحكة أحدهم، سيخيل إليك أحيانا أن أحدهم ما زال ينتظرك، ستنظر إلى الأسماء لترى ما يشبه أسمائهم، علك تجد طريقا يعود بك إليهم.. ستختنق حين تتيقن أنهم رحلوا.. تشعر بأن قلبك يغادرك ليجلس في الزاوية نفسها التي ظن بأنه سيتركها عابرا.. اليوم كان آخر لقاء، آخر ضحكة، آخر تهكم، آخر ما ستقوله لهم.. تنظر حولك، تحاول أن تختزن كل التفاصيل الصغيرة في ذاكرتك.. تحدق في الجدار، تتذكر نسخة قديمة لك قبل أن تلتقيهم، لا تجدها، تتمنى أن تكسر الجدار لتنفذ منه إلى ألمك القديم، على الأقل كنت قد ألفته.. تتمنّى أن يحدث شيء، أن يستأذن الزمن قبل أن يتوقف.. أن يعترض أحدهم على فكرة الوداع فيتحول اللقاء إلى نقاش لا ينتهي.. لكن لا شيء سيحدث.. ستفتقد نفسك، سيُخلق فراغ في قلبك لن يسدّه أحد.. سيبقى جزء من ملامحك يحمل أثرهم، سيكسر غيابهم شيئا من قوتك التي ادعيتها، سيكسر غيابهم شيئا من ضجيج كان يسليك.. تدير وجهك للزاوية التي اعتاد أحدهم أن يجلس فيها، الكرسي فارغ، تمامًا كقلبك.. أحدهم سيضحك، وأحدهم سيبكي، أحدهم سيصافحك كما يصافح الراحل عتبة الباب الأخيرة بعينيه، أحدهم لن يقول شيئا، سيكتفي بالصمت لغة.. ستفترق عنهم بلا وداع يليق بهذه الرحلة من الانتماء، سيعود كل منهم إلى انتمائه وستبقى وحيدا.. ستتحول البقعة الخالية خلف المحطة لتكون المساحة التي لا يمكن أن تعيش في غيرها، أو على الأقل تظن ذلك.. ستبقى تأمل أن أحدهم ما زال ينتظرك في الزاوية نفسها وقد ترك مقعدك خاليا ينتظرك.. ستستيقظ على وهمك، وستبقى تحمل ظل الحنين على كتفك.. شيء في قلبك لم يعد لك.. تحاول أن تلملم شتات قلبك، تحمل ما بقي منه.. لكن سيبقى قلبك يقف على أعتاب الوجع، لا يدخل ولا يرحل.. ستبقى المساحة في قلبك فارغة دائما، لن يملأها شيء..