عندما يتوقّف الزمن لحظة.

أدرك الإنسان منذ القِدم أهميّة الصورة وتأثيرها، تلك اللحظة التي يتوقّف فيها الزمن، فتبقى شاهدةَ على الأحداث الجِسام، على مرّ الأزمنة وتعاقُب السنين. فتاريخ الصورة يعود إلى الماضي السحيق، إذ تُمثّل رسوم الكهوف التي رسمها الإنسان القديم، أجمل ما وصل إلينا من فنون العصر الحجري قبل أكثر من 35 ألف سنة، ومع توالي اكتشاف المغارات والكهوف، ذات الجُدران والممرّات المُزخرفة في أنحاء كثيرة من العالَم، ازداد شغف العُلماء بهذا النوع من الفنون، الذي اهتمّ بشكلٍ أساسي بتصوير مشاهد الصّيد والحيوان. يُروى أن أحد أباطرة “الصين” القُدماء طلب من كبير الرسّامين في القصر، محو الشلّال الذي رسمه في لوحةٍ جدارية، لأن خرير المياه كان يمنعه من النوم! لكن الصورة أبداً لم يكُن لها في عصرٍ من العصور ذلك الحضور المُتدفّق كما هو في عصرنا اليوم، حيث تُطلّ علينا الصّور من الصّحف والتلفزيون وأجهزة الحاسب والهواتف المحمولة وإعلانات الشوارع. إن للصورة قُدرات وإمكانات هائلة، لا تصلها الكلمة مهما أوتيَتْ من سِحرٍ وبلاغة، ولذلك قيل في الأمثال: “الصورة تُساوي ألف كلمة”.. فالصورة لُغة يفهمها كلّ البشر، وهي معانٍ لا تحتاج إلى إيضاحٍ أو ترجمة، وهي التفاصيل القادرة على صناعة السّحر والدهشة، وأخيراً فالصورة قادرة على التسلّل والإقامة في الذاكرة، تستحضرها بلحظاتٍ كلّما دعتْ الحاجة لذلك. يقول الدكتور “عبدالله الغذّامي”: “جاءت الصورة لتكسر ذلك الحاجز الثقافي والتمييز الطّبقي بين الفئات، فوسّعتْ من دوائر الاستقبال وشمل ذلك كلّ البشر، فتوسّعت القاعدة الشعبية للثقافة، وهذا دورٌ خطير تحقّق مع الصورة”. والصورة الصحافية بالتحديد، تُطلّ علينا لتفرض حضوراً مُختلفاً ومُميّزاً، فلم يعُد من المُمكن تصوّر الصّحف الورقية أو الرقمية بدون صوَر، فأحداث العالَم كُلّه تنتقل من مكانٍ إلى آخر عن طريق الصورة، ولم يعُد هناك قُربٌ أو بُعد، بل هناك دائماً الصورة التي تجعلُك في قلب الحدث. وقد أدركتْ الحكومات الغربية كما نظّر لها مُفكّروها الكبار، ووسائل الإعلام العالمية، تأثير الصورة في الشعوب وقسوتها الوحشية أثناء الحروب، فلجأوا إلى التعتيم. ولكن هناك أصواتاً انتقدت هذا الاتّجاه، فأشارت الكاتبة الأمريكية “سوزان سونتاج” Susan Sontag، في كتابها “الالتفات إلى ألم الآخرين” Regarding the Pain of Others، إلى أهمية عرض صوَر الحرب وعدم إخفائها بسبب بشاعتها، أو خوفاً من ردود الفعل احتراماً لمشاعرنا، فهذه الصور مهما بلغتْ قسوتها شهادة على الواقع بأن الحرب تجلب الدمار والخراب”. فالعالم لن ينسى صورة الطفلٍ الذي كان يحمل جثّة شقيقه على كتفيه، أثناء انتظار دوره أمام مراسم حرق الموتى، بعد فترة قصيرة من إسقاط القنبلة النووية على مدينة “ناجازاكي” اليابانية، في نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945 .. انتشرت تلك الصورة المُفزعة لتُذكّر العالم بويلات الحروب وضحاياها الأبرياء. أما صورة جثّة الطفل السوري “إيلان كردي” المُمدّدة على الرمال في عام 2015، بعد أن جرفتها المياه إلى الشاطيء التركي بعد غرق الطفل، حيث كان برفقة عائلته هاربين من جحيم الحرب في بلادهم، وغرق القارب الذي كانوا يستقلّونه أثناء محاولتهم الوصول إلى أوروبا.. فقد أثارت الصورة موجة غضب وتعاطف عالمي، بسبب ما اعتُبر تقاعساً من الدول المُتقدّمة عن السعي لوقف الحرب، ومُساعدة آلاف اللاجئين الذين يُخاطرون مُضطرّين بالفرار من ديارهم في قوارب متهالكة طلباً للنجاة. وأخيراً، يتذكّر العالم صورة الطفلة الفيتنامية التي كانت تركض عاريةٍ، وتصرخ من الرّعب والألم في الشارع، بعد أن خرجتْ من قريتها التي قُصفت بقنابل “النابالم” الحارقة.. لقد نُشرتْ تلك الصورة على صدر صحيفة “نيويورك تايمز”، وانتشرت في أهم الصّحف العالمية، وصدمتْ كلّ من شاهدها، واختيرت كأفضل صورة لعام 1972، فكان تأثيرها بالغاً في تحريض الرأي العام ضد الحرب في “فيتنام”. حصل مصوّر الطفلة الفيتنامية على جائزة بعد انتهاء الحرب، وشكّك الرئيس الأمريكي وقتها “ريتشارد نيكسون” في صحّة الصورة، لكن الطفلة “كيم فوك” ما زالت على قيد الحياة، وما زال جسدها يحمل الآثار البشعة لتلك الحرب.. وفي ذكرى حرب “فيتنام” عام 1996، دعتها الولايات المُتّحدة لإلقاء خِطابٍ قالت في بدايته: “إننا لا نستطيع أن نُغيّر الماضي، ولكننا نستطيع أن نعمل جميعاً من أجل مُستقبلٍ يعُمّه السلام”.