تمكينًا للهامش البيئي ليكون مركزًا حيويًا..

من النقد البيئي إلى النقد “البيوسيميائي”.

تضافرت جهود القراءات النقدية المعاصرة لزحزحة الرؤية التقليدية نحو الطبيعة؛ سعيًا لتمكين الهامش البيئي ليصبح مركزًا حيويًا فاعلًا. وإذا كان النقد البيئي (Ecocriticism) قد جذَّر التمثيل الأدبي للعلاقة بين الإنسان والطبيعة، وصولًا إلى (اللاوعي البيئي البشري) عند لورانس بويل، فإن النقد البيوسيميائي (Biosemiotic Criticism) يتجاوز هذا الأفق ليغدو حقلًا نقديًا مستقلًا بذاته، ؛ لأنه ينتقل من (وعي الإنسان بالبيئة) إلى التواصل الذاتي لكائنات الطبيعة (السيميوزيسsemiosis)؛ أي إلى قدرة عناصر الطبيعة نفسها على إنتاج العلامات والتواصل بعيدًا عن الهيمنة الذهنية الإنسانية. ويتقاطع النقد البيوسيميائي مع النقد البيئي في الاهتمام العام بالطبيعة والأسبقية الزمانية، ولكنه يفارقه في المنطلقات والأدوات والغايات، مزودًا النقد البيئي بأدوات سيمائية ودلالية تتجافى عن التمركز حول اللغة البشرية؛ إذ أفضى هذا التحول المفهومي إلى الانتقال من حدود قراءة “القلق البشري تجاه استغلال البيئة” إلى الإصغاء لعلامات الكائنات الحية بذاتها ولذاتها داخل النص الأدبي. ويشكّل النقد البيوسيميائي حقلًا بينيًا يتقاطع فيه التحليل الأدبي بعلم الأحياء؛ وذلك بتفعيل (سيميائيات الأحياء) لقراءة النص الأدبي والجمالي، بوصفه تمثيلًا لشبكات التواصل والمعنى في الطبيعة الحية، وليس مجرد انعكاس انطباعي للرؤية البشرية، مكونًا مدخلًا يربط بين سيميائيات الطبيعة (العمليات البيولوجية الحية) وسيميائيات الثقافة (التمثيلات الأدبية). فالطبيعة في هذا النقد نظام سيميائي حي متكامل تُنتج فيه العلامات وتُفسر بين مختلف الكائنات من خلال العلامات الكيميائية والصوتية والسلوكية، وينطلق هذا التصور من مبدأ “البيوسيميوزيس (Biosemiosis) الذي يرى أن إنتاج العلامات وتأويلها خاصية أصلية ونشاط جوهري لكل أشكال الحياة وليس امتيازًا لغويًا محصورًا بالإنسان فحسب. وبذلك يتحول النص من كونه نداء للقلق البشري إلى فضاءٍ للإصغاء لعلامات الطبيعة بذاتها ولذاتها. ويمتلك هذا الحقل أدوات إجرائية، من أبرزها: أداوت النمذجة: هذه الأدوات هي الأكثر مركزية، تكشف عن كيفية تبني الكائنات والعناصر نموذجها الإدراكي الخاص بعالمها ()، وتبيّن كيف يتصادم هذا النموذج الحيوي مع النموذج الإدراكي الإنساني، فالصحراء أو الغابة في النموذج الحيوي للحيوان أو النبات هي شبكة غنية بالإشارات والمسارات الحيوية، وغنية أيضًا بلغة التواصل (السيميوزيس)، وليست مجرد مساحة صامتة أو مجازية كما يراها النموذج البشري. ولهذه الأدوات (النمذجة) مستويات ثلاث، وفق نظرية أنظمة النمذجة لــ (توماس سبيوك ومارسيل دانيسي). النظام الأول، يعتني بالمستوى الحسي الحركي التفاعلي لعنصر الكائنات غير البشرية مع بيئتها. النظام الثانوي يتمثل في تداخل اللغة البشرية بالبيئة؛ حيث يتلقى السارد تلك العلامات والرسائل البيئية، ثم يعيد صياغتها ونمذجتها لغويًا عبر السرد. والنظام الثالثي، ويتجسد بقدرة النص على تجاوز الوسيط اللغوي ليعيد صياغة الرؤية المعرفية للعلاقة بين الإنسان والصحراء، فينتج عنه إسقاط التمايز الحاد بين الثقافتين البشرية وغير البشرية داخل الفضاء الجمالي للنص. وتقدم رواية (نار المرخ) لعواض العصيمي نموذجًا شارحًا لهذه الفاعلية، نأخذ مقتبسًا منها: “كل ما يلزم هو التجول في الصحراء، لتجد من أشجارها ما يشرح نفسه على النحو الذي تفهمه أنت... ستجد شجرة تمد لأختها القريبة منها غصنًا يمسها برفق، هذا هو التربيت على الكتف. ستجد شجرة تفضي ببعض أغصانها إلى أغصان شجرة أخرى في طولها، وهذا هو شكل القبلة أو طريقة الحكي. ستجد شجرتين تتلاصقان من الجذع حتى الأعلى، وهذا هو شكل العناق”. (ص 291). يكوّن هذا النص الروائي مادة خصبة لقراءة بيوسيميائي تستقرئ الحضور المادي والرمزي للطبيعة وعناصرها، وتُبرز كيف يتحول الهامش مركزاً حيويًا من خلال تتبع تفاعل حركة الشجر بوصفها ذواتًا وعناصر تمتلك فاعلية حيوية وسيميائية داخل السرد. وقبل رصد هذا التفاعل يجدر التنبيه إلى أن شخصية الشجر -وإن توسلت بصفات عاقلة عبر أسلوب مجازي استعاري- لا تندرج ضمن الإسقاط النفسي أو الاجتماعي أو الثقافي للإنسان؛ الذي يدور في فلك المركزية البشرية، وإنما تحضر في رؤية النقد البيوسيميائي بوصفها تجليًا لفاعليتها الذاتية، محققة محيطها الحيوي، حيث تتمحور علامتها حول ذاتها الطبيعية لا حول الإنسان، وبذلك ينجلي الالتباس بين فاعلية البيوسيميائية والتشخيص البلاغي (الأنسنة). وهذا الاستقلال السيميائي في النص المقتبس من الرواية يتجلى إجرائيًا من خلال الآتي: 1 -شاهد نظام النمذجة الأولى: “تمتد لأختها القريبة منها غصنا يمسها برفق... تفضي ببعض أغصانها إلى أغصان شجرة أخرى... شجرتين تتلاصقان من الجذع حتى الأعلى”. يمثل هذا الشاهد المستوى الحسي الحركي للأشجار، وهذه الحركة ينتج عنها علامتها التواصلية الخاصة بها في محيطها البيئي، في فعل علاماتي مستقل عن المركزية البشرية. ففعل التّماس (تمتد لأختها القريبة منها غصنا يمسها برفق) تَحوّل إلى علامة مليئة بمعاني التآزر داخل العالم المحيط الخاص بالشجر. ويتأكد هذا التواصل في الجملة التي بعدها حيث يتجاوز الشجر الفردية ليصوغ محيطًا شبيكيًا دالًا على المصير البيئي المشترك، وبذلك استطاعت الأشجار أن تثبت قدرتها على إنتاج علاماتها وتداولها بذاتها ولذاتها، متحررة من مركزية اللغة الإنسانية. 2 -شاهد النمذجة الثانوي: “هذا هو التربيت على الكتف... وهذا هو شكل القبلة أو طريقة الحكي... وهذا هو شكل العناق” هنا تتدخل اللغة البشرية (وعي السارد) لتعمل بوصفها وسيطًا لغويًا مترجمًا لحركات الشجر. فالسارد لم يبتكر المشهد من الفراغ، وإنما شاهد أولًا ثم استقبل العلامات من الشجر ثانيًا (التّماس والتلاصق) ثم قام بإعادة نمذجتها لغويًا، وإسقاط مفاهيم إدراكية بشرية عليها (التربيت، القبلة، الحكي، العناق). وبذلك تتحول اللغة هنا من أدوات هيمنة واستعلاء إلى قناة ترجمة وتجسيد، تنقل الفعل الحيوي المشاهَد للنبات إلى مساحة للفهم والاستيعاب البشري. 3 -شاهد نظام النمذجة الثالثي: “كل ما يلزم هو التجول في الصحراء، لتجد من أشجارها ما يشرح نفسه على النحو الذي تفهمه أنت” يجسد هذا المقتبس قدرة النص على تجاوز الوسيط اللغوي ليعيد صياغة الرؤية المعرفية للعلاقة بين الإنسان والصحراء؛ فعبارة(ما يشرح نفسه) تمنح الشجر امتياز المبادرة السيميائية بوصفها ذاتًا فاعلة تُنتج معناها بذاتها، بينما تتراجع سلطة الإنسان في جملة (على النحو الذي تفهمه أنت) وتتزحزح المركزية البشرية إلى الإصغاء من أجل الفهم، ويكشف هذا التحول الجمالي عن تجافي اللغة البشرية عن غرورها حين أسقطت التمايز الحاد بينها وغير البشرية، لينتقل (النبات) الشجر من موقع الهامش إلى مركز النمذجة الحيوي في الرواية، الذي يرشد القارئ إلى ملاحظة الوجود البيئي المشترك. يمثل هذا النص نموذجًا لقلب الهامش مركزًا حيويًا؛ إذ تتحول الشجر من مجرد خلفية سردية أو أدوات استعارية لخدمة الإنسان، إلى فواعل حيوية وسيميائية تمتلك استراتيجياتها ونمذجتها الخاصة، وهي بممارستها تلك تقيم مع الإنسان علاقة تنهض على مبدأ (سيميأخلاقية الطبيعة) فــــ”تُبنى العلاقة بين الإنسان والبيئة، وتُنسب القيمة إلى البيئة” في سلوك حيوي يرغب في التواصل معه. وهذا السلوك الحيوي يقابل بحساسية مفقودة لدى بعض البشر، وسلوك عدائي مدفوع باستغلال الموارد، يؤزّه غرور المركزية البشرية القائم على المنظور الديكارتي. *أكاديمي، جامعة المجمعة.