تسعى هذه المقالة إلى محاولة الكشف عن علاقة الألم بالإبداع. وبداية أشير إلى أن المرض جزء من حياة الإنسان، وهو ابتلاء من الله تعالى، والمرض أنواع: نفسي وعضوي. والمرض بنوعيه: النفسي والعضوي يمكن أن يكون باعثًا من بواعث الإبداع، أو مجالاً من مجالاته، عندما يتخذه بعض المبدعين موضوعًا من موضوعات أدبهم. وسأتناول الموضوع من ثلاثة محاور، هي: التشافي بالأدب، وتجارب تمثل المرض النفسي، وتجارب تمثل المرض العضوي. 1-التشافي بالأدب: قراءة الأدب وكتابته من العوامل المساعدة على التخفف من الهموم، ومنح الإنسان الصفاء النفسي والفكري، إذ يسهما في تخفيف الحزن والهم، ويمكن أن يكونا من أدوات تطهير الذات، فالكتابة تخرج ما في أنفسنا من هموم، وتفرغ شحنات الحزن المسيطرة على مشاعرنا. وقراءة تجارب الآخرين المريرة تشعرنا بأننا لسنا الوحيدين في حمل الهموم، فهناك من يحمل همومًا أكبر من همومنا. وأشير هنا إلى (قصة يوسف) (عليه السلام) التي جاءت في سورة يوسف التي نزلت في عام الحزن تسلية للرسول (صلى الله عليه وسلم). فقراءة هذه السورة تخفف من هموم الإنسان، من خلال إسقاط ما مر به يوسف (عليه السلام) على أنفسنا، وتمنحنا الأمل في تغير الواقع. والكتابة والقراءة توصفان بأنهما عمليتا تطهير للنفس البشرية. 2-المرض النفسي: بداية أشير إلى علاقة الأدب بعلم النفس، فبعد ازدهار علم النفس، استفاد النقد منه في تفسير عملية الإبداع، وفي ربط الإبداع بشخصية المبدع، فظهر المنهج النفسي النقدي، وهو ثمرة من ثمار الدراسات البينية. وفي هذا المقام يمكن الإشارة إلى أن علم النفس عمِل على تفسير عملية الإبداع، فربط الأمراض بالعقد، (ففرويد) ذهب إلى أن الأدب تعبير مقنع عن رغبات مكبوتة. أما إدلر فذهب إلى أن الأدب تعبير عن مركب نقص. فنظرة علم النفس للإبداع تتمثل في أنه نتيجة عقد نفسية تصيب المبدع. وهناك مجموعة من العقد النفسية، منها: النرجسية (المتنبي)، وهي تندرج ضمن الأمراض النفسية (الاضطرابات النفسية)، قال المتنبي: أجزني إذا أُنشدتَ شعرًا فإنما بشعري أتاك المادحون مرددا ودع كل صوت غير صوتي فإنني أنا الطائر المحكي والآخر الصدى الأنا عند المتنبي صنعت لنا المتنبي الشاعر الذي قال: أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي وأسمعت كلماتي من به صممُ والانطوائية ظهرت عند (أبي العلاء)، وهي تندرج ضمن أمراض الاضطرابات النفسية، وعاش عزلة، وطغى التشاؤم على شعره، ومما قاله في هذا المعنى: هذا جناه أبي عليّ وما جنيت على أحد ولُقّب برهين المحبسين: فقدان البصر واعتزال الناس، وجعل نفسه في ثلاثة محابس، وذلك في قوله: أراني في الثلاثة من سجوني فلا تسأل عن الخبر النبيث لفقدي ناظري ولزوم بيتي وكون النفس في الجسم الخبيث العزلة والانطوائية أنتجت لنا أبا العلاء الشاعر الفيلسوف صاحب الخيال الواسع، والتضييق على النفس ظهر في ديوانه اللزوميات. والنموذجان السابقان (المتنبي وأبو العلاء) نظر إليهما النقد الحديث ضمن النماذج التي يمكن أن نطبق عليها المنهج النفسي، وما ظهر لديهما من نرجسية وانطوائية يندرج ضمن العقد التي غالبًا لا يخلو منها إنسان، ولا تندرج ضمن الأمراض النفسية الواضحة. ومن النماذج التي ثبت مرضها النفسي بما لا يدع مجالا للشك: -الشاعر حمد الحجي، وهو شاعر سعودي (رحمه الله) (1358ه- 1409ه)، درس في كلية اللغة العربية في الرياض، وقبل تخرجه أصيب عام (1380ه) في قواه العقلية، وأفاد الأطباء أن لديه انفصاماً حادًا في الشخصية. واستمر معه المرض حتى وفاته. والفصام فقد الصلة بالواقع، ويصنف أنه مرض عقلي(ذهان). وأشار الدكتور خالد الدخيل رحمه الله في كتابه (حمد الحجي شاعر الآلام) إلى أن أثر المرض النفسي ظهر في شعره من جانبين: -الأول: ظهور إرهاصات المرض في شعره قبل أن يتمكن منه المرض، وأبرز صور ذلك رفضه للمجتمع نتيجة مواقفهم منه، ومن ذلك سخرية أصدقائه من شعره، وبطبيعة الحال هو حساس جدًا، فكان يفسر المواقف بحسب رؤيته في تلك المرحلة. -الثاني: توقفه عن الإبداع، بعد تمكن المرض منه، ورفضه تدوينه، وعندما كان في دار الرعاية لاحظ أن المعالج يكتب بعض أبياته الشعرية التي أنشأها فتوقف عن الإنشاد. وعندما طلب منه إنشاد بعض شعره القديم أو الحديث نصح من طلب منه عدم الاستماع إلى الشعر، واستشهد بقوله تعالى: (والشعراء يتّبعهم الغاوون). وعندما يكون في حالة جيدة يسمح لهم بتدوين شعره، وهذا قليل. وبعد تأزم حالته كان يرجع إلى شعره القديم فيتلفه، ويبدو أنه كان يرغب في مسح الذكريات القديمة غير الجيدة. وأشار الدكتور خالد الدخيل إلى الأثر الكبير الذي أحدثه المرض النفسي في شعره. ومن شعره الذي يعبر عن عزلته وغربته قوله: أنا لم أشكُ عنكَ غربة جسمي إنما قد شكوت غربة روحي وللتوسع في معرفة تجربته مع المرض يمكن الاطلاع على ديوانه الشعري، وكتاب الدكتور خالد الدخيل (رحمهما الله). -تجربة إدريس جماّع (الشاعر السوداني) (1922-1980م)، انتهى به المطاف في آخر حياته في مستشفى الأمراض النفسية، له ديوان شعري مطبوع (لحظات باقية)، ولُقب بالعبقري المجنون، وتنسب إليه أبيات رائعة وسائرة: إن حظي كدقيق فوق شوك نثروه ثم قالوا لحفاة يوم ريح اجمعوه صعب الأمر عليهم قلت يا قومِ اتركوه إن من أشقاه ربي كيف أنتم تسعدوه؟ ومن شعره: أعلى الجمال تغار منا ماذا علينا إذا نظرنا هي نظرة تُنسي الوقار وتسعد الروح المعنى دنياي أنت وفرحتي ومنى الفؤاد إذا تمنى أنت السماء بدت لنا واستعصمت بالبعد عنا ويقال: إن الأديب عباس العقاد عندما سأل عن قائلها، قالوا له إنه الشاعر السوداني إدريس جمّاع، وهو الآن في مستشفى المجانين، فقال: هذا مكانه؛ لأن هذا الكلام لايستطيعه ذوو الفكر!! ونسجت حول هذه القصيدة أخبار عدة تفتقد الدقة. 3-المرض العضوي: الأمراض العضوية متنوعة، ولا يمكن الفصل بينها وبين الحالة النفسية للإنسان، إذ يؤثر الألم الجسدي في نفس الإنسان، ومن هنا يكون للمرض العضوي أثر في الإبداع، وسأتحدث هنا عن ثلاثة نماذج لأدباء من العصر الحديث، هم: أبو القاسم الشابي، وأمل دنقل، وعبد العزيز مشري: - تجربة أبي القاسم الشابي (1909م-1934م)، وهو شاعر تونسي، وكان يشكو من مرض القلب، في العشرين من عمره ازدادت حالته سوءًا، ومات في سن الخامسة والعشرين. كان قلبه المريض مصدر إبداعه. وفي شعره ظهرت مفارقة الجمع بين الحزن والتفاؤل، وحسبي الإشارة إلى قصيدته (صلوات في هيكل الحب) التي غلب عليها التفاؤل، ومنها: •عذبة أنت كالطفولة كالأحلام كاللحن كالصباح الجديد •كالسماء الضحوك كالليلة القمراء كالورد كابتسام الوليد الشابي عاش خمساً وعشرين سنة، وظهر في شعره ثنائية: التفاؤل كقصيدة (صلوات في هيكل الحب، وإذا الشعب أراد الحياة) والحزن والألم، كما في بعض شعره، الذي تحضر فيه الغربان والليل. -تجربة أمل دنقل الشاعر المصري مع السرطان (1940- 1989م)، عاش صراعًا مع السرطان امتدّ لثلاث سنوات، كان معظمها في الغرفة (رقم 8) في المعهد القومي للأمراض، حوّل تجربته مع المرض إلى إبداع، وأصدر ديوانه الشهير (أوراق الغرفة 8) عن تجربته المرضية. وجاء الديوان توثيقًا لحالته المرضية، وفي شعره واجه المرض بالإبداع، وجعل من الغرفة (رقم 8) ساحة إبداع، وله نصوص نثرية تعبر عن مرضه. نموذج من شعره: “ ضد من؟ في غرفة العمليات كان نقاب الأطباء أبيض لون المعاطف أبيض تاج الحكيمات أبيض، أردية الراهبات الملاءات لون الأسرة، أربطة الشاش والقطن قرص المنوم، أنبوبة المصلِ كوب اللبن كل هذا يُشيع بقلبي الوهن كل هذا البياض يذكرني بالكفن فلماذا إذا متُّ يأتي المعزون متشحين بشارات لون الحداد؟ هل لأن السواد هو لون النجاة من الموت لون التميمة ضد الزمن...”. النص السابق يعبر عن الأثر الذي أحدثه المرض في شعر أمل دنقل، المفارقة بين الأبيض والأسود، ومن لديه ذائقة إيقاعية شعرية سيجد أثر المرض في موسيقى النص. والديوان يعبر عن تجربته بعمق، ويمكن الوقوف على ذلك من خلال الموازنة بين شعره قبل المرض وبعده. -تجربة عبد العزيز مشري مع الكُلى (1374 - 1421هـ)، وهو من رواد القصة القصيرة والرواية السعودية، أصيب بمرض السكري، ومع الوقت أصيب باختلال توازن الحركة، ثم الفشل الكلوي، واضطر إلى غسيل الدم (الديلزة)، وأجريت له عملية زراعة كُلى (1993م)، وغزت (الغرغرينا) أطرافه، فبترت أصبعه، ثم قدمه اليمنى ثم ساقه، ثم اليسرى. كان لتجربته المرضية أثر في إبداعه، وسأقف هنا على مجموعته القصصية (الزهور تبحث عن آنية)؛ لأنها مثّلت تجربة فريدة، وفيها ابتكر موضوعًا جديدًا لم يُعالج كثيرًا في القصة الحديثة، يتمثل في تجربة غسيل الكلى. تكونت المجموعة من تسع قصص قصيرة، جمعها إطار المرض، وجرت معظم أحداثها في عالم المستشفيات. وكان هو بطل المجموعة وراوي أحداثها وكاتبها. وجسّد فيها معاناته ومعاناة من عاش تجربته. وقال في نهاية المجموعة: “ آثرت بعد طول مفاوضات بين الإقدام والتراجع على أن تكون القصص التي وردت تجاربها هنا في مجموعة واحدة يؤطرها العالم الصحي أو المرضي... ما جاء في هذه القصص ما هو إلا محاولة شبه تسجيلية”. ومن نماذج ذلك قوله: “ عندما خرجت من الديلزة وجدت الشاب الذي كان يبكي يجلس على مقعد عريض في الممر، ورأسه على صدره، ربما من أثر البكاء أو الديلزة”. وقوله: “ تقدمت مني ممرضة شقراء الشعر، طويلة شدت ذراعي، ثم ألقت بها كما ترمي بجورب على صدري”. وانتشرت في المجموعة مفردات شائعة في عالم المرض: (البنج إبرة أنبوب عملية جراحية شريان وريد ممرضة مقياس الضغط). ومن اللافت شيوع أسلوب السخرية في المجموعة، وهي ظاهرة في أدبه كله؛ ويبدو لي أن السبب في ذلك يرجع إلى مرضه، إذ سعى إلى مواجهة المرض بالكتابة والسخرية؛ سعياً للتخفيف عن ذاته، وهذا أشبه بالتطهير. ويمكن القول: إنّ المشري وظّف تجربته مع المرض في اقتحام موضوع قلّ الخوض فيه، خاصة تخصيص مجموعة مستقلة لعالم المرض، فكان المرض ابتلاء وظفه المشري في إبداعه. وبعد، فالمرض جزء من حياة الإنسان، والمبدع إنسان قبل أي شيء، ودرجة الحساسية عنده غالباً أعلى من غيره، ووجد الأدباء في المرض مجالاً للإبداع، فعبّروا عن تجاربهم مع المرض، كما عبّروا عن تجاربهم الأخرى. وعندما نلتفت إلى تجاربهم مع المرض، نترحم عليهم، ونسأل المولى أن يجعل ما أصابهم تكفيرًا لذنوبهم، ومن جانب آخر نمنح أنفسنا مزيداً من الأمل، نواجه به الألم. *أستاذ النقد الأدبي