لماذا نحتقر المال الذي يصنعه الجسد؟

الجسد الذي نراه ولا نفهمه.

كثيرًا ما تُطرح أسئلة الاستغراب والاستهجان حين يُعلن عن الأرقام المالية التي يحصل عليها اللاعبون والفنانون، خاصة حين تُقارن بأوضاع الكتاب والمؤلفين، حتى إنه يصل إلى البكائيات والنواح، هذا الاستياء المتكرر ليس دليلًا على الصحة أو المعرفة، بل أحد أعراض غيابها، فالمعرفة عندنا كثيرًا ما تدور في دوائرها القديمة، تعيد الأسئلة والإجابات نفسها، وتستبدل البحث في أسباب الظاهرة بالشتم ولعن الزمن، بدل أن يصبح الاستياء بداية للسؤال عن تغير الاقتصاد ومفهوم العمل والصناعة الثقافية. الأعمال التي تنطوي على متعة، سواء تم الاعتراف فيها كمتع تحظى بمتابعة الملايين أو تم تغليفها بعبارات أخرى، حتى وإن كان فيها انتقاص، هي في جوهرها أعمال تلامس حاجة بشرية للذة والانفعال والحضور والانغماس والتأمل، فالرياضة والفنون، بما فيهما من حركة وإيقاع وصوت وجسد حيوي، تحظى بمتابعة ملايين البشر في كل بقاع الأرض، وهذا الاهتمام الجماعي الهائل هو ما يحولها إلى مصدر ثراء لأصحابها، فالناس يدفعون ويستثمرون ويتابعون ما يمنحهم شعورًا بالإثارة والانبهار، فيصبح الجسد المتحرك والصوت الحي سلعة مطلوبة، تجلب لمن يتقنها مالًا وشهرة، قد لا تصل إليها أعمال أخرى مهما بلغت أهميتها. بسبب الحديث عن هذه الأعمال سأتحدث عن دور الجسد في حياتنا؛ فهو ليس عنصرًا ثانويًا أو جانبيًا، بل يلعب الدور الأبرز، ومن أكثر أسباب ضيق فهمنا أنه ما زال خارج نقاشاتنا، جزء كبير من المعرفة العربية الإسلامية عنه انحصر حول الحلال والحرام، ما يجوز أن يظهر وما يجب ستره، وحين اتسعت المعرفة الحديثة انتقل الاهتمام إلى الجانب الصحي، الأعضاء والأمراض والوزن والطعام والرياضة، وهكذا بقي الجسد موضوعًا للضبط أو الإصلاح، لا تجربة حية تُعاش وتُفهم من داخلها. يُعرف الجسد بأنه ذاكرة حية ومخزن للانقباضات المزمنة وطريقة في الوجود تسبق الوعي، الجسد لا ينسى، يسجّل ما لم يُسمح له بالظهور، الخجل المسيطر على العضلات، الخوف الذي لم يفرغ، الغضب الذي حُوّل إلى صمت، والرغبة التي كتمها العيب، كل هذا تحول إلى فك مشدود وحوض متصلب وتنفس سطحي وحركة مقيدة كأن رقيبًا داخليًا يمنع الانطلاق. الجسد المشدود جسد قلق، طارد لسعادات الحياة، لا يستطيع أن يستقبل أشكالًا متنوعة من الوفرة، كالمال والشهرة والحب والنجاح، اللاعب الذي يمارس الرياضة وجسده يتحرك استطاع أن يفكك معظم عقده وذكرياته الصعبة التي يحفظها الجسد لا الذاكرة الواعية، هذه الذاكرة الجسدية تعيقنا عن أمور جيدة نتمناها في حياتنا ونسعى إليها جاهدين، ولا نعرف أن ذاكرة أجسادنا هي من منعت عنا تحقيق أمنياتنا وطموحاتنا، فالركض والتمارين والاسترخاء والمساج تساعد في تفكيك هذا المخزون السيئ. ركزت هنا على اللاعب لوضوحه، لكن المغني كذلك، فالصوت والحنجرة والآهات تقوم بما تقوم به التمارين، تفكك ما تراكم من ذكريات، والممثلون الذين تتبدل أجسادهم حسب الشخصيات كلما ازدادت مهارتهم تفككت عضلاتهم وعقدهم الجسدية. وحتى قراءة القرآن الكريم عبر الحنجرة والنَّفَس تقوم بدور مشابه، وأعرف أن هناك من سيقول إن الحاجة مسّت كثيرين من القراء، وهنا ملاحظة مهمة، وهي أن الجسد قد يرخي عضلاته، لكن العقل خاصة الديني يقاوم الرخاء الدنيوي ويفضل الفقر والحاجة، وهذه المقاومة ليست حكرًا على المتدينين، فالخطاب الثقافي في أوساط المثقفين يميل إلى الريبة من الثراء، فالكاتب الذي ينجح ماليًا يُتهم بسرعة بأنه باع قلمه، بينما يُنظر إلى من وضعه المالي عادي بأنه صادق وعفيف وفيّ لمبادئه، ودليل على نزاهته، هذا يعكس جسدًا ثقافيًا مشدودًا يرى في الرخاء تهديدًا وفي الضيق ضمانة للشرف. وبالنسبة لأجساد من يكسبون من الحركة، فالعدّاء والمغني والراقص لا يقدمون أجسادًا موهوبة فحسب، بل أجسادًا تعلّمت كيف تفكك ما يختزنه معظمنا، فالجسد الذي يركض أو يغني أو يرقص بانتظام يصبح أقل تصلبًا، التكتلات المزمنة تتراجع لأن الحركة تعلّم الجهاز العصبي أن يرخي بدل أن يمسك، هذا التفكك يفتح الباب لما كان محبوسًا من صدمات وذكريات ومشاعر، فيسمح لها بالخروج عبر الحركة بدل أن تبقى أسيرة في الجسد. والمنطق وحده لا يكفي، فالذاكرة الجسدية لا تُحلّ بالحجج العقلية، هذه الممارسات تغيّر علاقة الإنسان بجسده من رقابة إلى رفقة وصحبة، فالجسد لم يعد شيئًا ثقيلًا يجب كبحه أو إصلاحه، بل أصبح شريكًا حيويًا، هذا النوع من المعرفة شبه معدوم في العالم العربي، لذا تُواجه أحيانًا بكلمات تقليل: (وش يسوي يركض وراء كورة مدورة؟)، فالمثقف أو الشخص المتمسك بالمعرفة التقليدية يرى هذه الأجساد تكسب المال والشهرة ولا يستطيع تفسيرها بالمنطق الذي تعلمه ويعرفه. الجسد الذي يعيش سنوات وهو مشدود ومضبوط ومخجل يتعلم أن يختزن الخبرات في عضلاته ومفاصله وتنفسه، يصبح الانقباض عادة والتصلب طريقة وجود، أما الجسد الذي يُسمح له بالحركة الحرة والمتكررة فيفكّ انقباضه، ويتنفس بعمق، وينتقل دون تجمد، ولهذا لا يكون مجرد جسد موهوب، إنه جسد تعلّم شيئًا من الحرية، حريةٌ تتشكل في اللحم والعصب والإيقاع قبل أن تصل إلى الوعي. هؤلاء يكسبون من أجسادهم، لكنهم لا يبيعونها بالمعنى الأخلاقي، إنهم يستخدمونها في الحركة والتعبير والأداء، حتى تصبح أقل توترًا ودفاعًا وأكثر حرية واستجابة. الجسد المرتخي، أو الذي يعرف كيف ينتقل من القبض إلى الرخاء، يصبح أكثر قدرة على استقبال الفرص وتحمل الأنظار والبقاء في دائرة الضوء دون أن ينهار. الأبحاث في نظرية الأعصاب المتعددة لستيفن بورغيس توضح أن حالة الأمان الفسيولوجي تسمح بالتواصل والإبداع والتدفق، الجسد الذي يعيش معظم وقته في تعبئة أو انسحاب يصعب عليه دخول هذه الحالة، أما الجسد الذي تدرب على الحركة الحرة والإيقاع فيقترب منها أكثر، النجاح هنا نتيجة قدرة عصبية على البقاء مفتوحًا أمام العالم. ويمكن ملاحظة الفرق في مثال ميسي ورونالدو؛ كلاهما بلغ القمة؛ رونالدو جسده مرن ومدرّب، لكنه مدفوع بصلابة داخلية عالية وقلق من التراجع وانضباط يقارب الآلية، جسده مرن وشعوره متوتر، أما ميسي فيبدو أكثر هدوءًا واسترخاءً حتى في أعلى مستويات المنافسة، ويُروى أنه يأكل ما يشتهي، هذا الفرق يوضح أن الجسد المدرّب وحده لا يضمن التدفق العميق، قدرة الجهاز العصبي على البقاء مفتوحًا وغير دفاعي هي المفتاح. وروت فتاة في الثلاثينيات أنها تعرضت لصدمة طلاق مفاجئ، وكانت تعيش مع زوجها في أمان عاطفي، مما جعل صدمة الانفصال مضاعفة، تعافت بفضل الركض المنتظم لعدة أشهر، كانت تجبر نفسها على الركض، فيما كان جسدها مثقلًا بالحزن والألم، فالركض منع تدفق الأفكار المؤلمة، ولم يستطع المشي الذي كانت تمارسه قبل الركض إيقاف هذا التدفق، بل على العكس، كان جسدها أثناء الركض يفرّغ ما عجز العقل عن تفريغه بالكلمات، هذه التجربة تُظهر أن الذاكرة الجسدية تحتاج إلى حركة تسمح لها بالإطلاق. ليس المقصود أن يصبح الجميع لاعبين أو مغنين أو راقصين، المقصود إعادة النظر في علاقتنا بأجسادنا، فهناك نماذج أخرى للجسد تكشف المسألة من زاوية مختلفة، أجساد لا تتدرب بالضرورة على الأداء، لكنها تتعلم مع الزمن كيف تستقبل أو تصد، وكيف تهدأ أو تبقى في حالة تأهب. لكن ثمة نماذج أخرى للجسد تكشف المسألة من زاوية مختلفة، أجساد لا تتدرب بالضرورة على الأداء، لكنها تتعلم مع الزمن كيف تستقبل أو تصد، كيف تهدأ أو تبقى في حالة تأهب، فالجسد الذي يعيش في توتر وقلق لا يستطيع أن يهنأ، لا يتحمل العلاقات الهادئة فيبحث عن مشاكل منطقية ليعيد شدته، مواجهة المشاعر المخيفة تفكك الجسد، كثير منا يهرب، ومع التقنيات وشبكات التواصل زادت فرص الهروب بالتعاطي مع الأجهزة، فالأداء والمواجهة مع النفس تنقلان الإنسان إلى مرحلة أخرى مع جسده. ورغم التمارين التي ترخي الجسد، فإن التخلي أيضًا قد يجعله يهدأ، لأنه لم يعد ينتظر شيئًا، فالانتظار نفسه توتر مزمن، وحين يتوقف الإنسان عن الترقب، ينهار الانتظار ومعه جزء كبير من التوتر، فتخف قبضة الجسد. أنا أتحدث عن الجسد الهادئ المسترخي، سواء جاء ذلك من حركة واعية أو من تخلي أنهى الانتظار، فالاسترخاء يفتح، والشد يغلق، وخطابات التنمية البشرية التي تحث على الأمل والسعي المستمر قد تبقي الجسد في دائرة الدفاع إذا كانت محمولة بتوتر، والرخاء والعطايا كثيرًا ما تدخل من باب الجسد الهادئ. الأكل والسمنة والنحافة علاقة مع الجسد، والتوتر المزمن يفرز كورتيزولًا يضطرب معه تنظيم الشهية والهضم والأيض، فيتغير الوزن. ربما لهذا يبدو الاستياء من المال الآتي من الجسد مألوفًا ومريحًا، فهو يصرفنا عن حقيقة أعمق: أن جزءًا من ضعف معرفتنا ناتج عن خلل في علاقتنا بأجسادنا، وأن الحرية التي نبحث عنها في الأفكار تحتاج أولًا إلى جسد أقل تصلبًا وأكثر قدرة على الحركة والحرية، وربما يكون الاستياء شعورًا بالنقص تجاه حياة جسدية لم نسمح لأنفسنا بها. الجسد الذي يتحرك بحرية أكبر، ويتنفس بعمق، ويسمح لنفسه بالانفتاح، يصبح أكثر قدرة على استقبال خيرات الحياة، بما فيها المال والشهرة والفرص، هذا ليس قانونًا مطلقًا، ولا يعني أن كل من يركض سيثري، لكنه يفسر جزءًا مهمًا من الصورة التي نراها ولا نفهمها. المنطق وحده لا يكفي، فالذاكرة الجسدية تحتاج حركة وتنفسًا أعمق، وصوتًا يخرج بحرية، وإيقاعًا يسمح بالانسياب بدل الإمساك. المعرفة الحديثة لا تزال تتطور، وقليل الاهتمام بها في الأوساط العربية، لكن التجارب تشير إلى مسار لافت في هذا المجال. والجواب لا يأتي من الكتب وحدها؛ يأتي أيضًا من التجربة التي تمر عبر اللحم والعظم والعضلات والمشاعر قبل أن تصل إلى الوعي.