فتنة التقنية والشراكة مع الذكاء الاصطناعي.

يمكن النظر إلى العلاقة بين الإنسان والتقنية الفاتنة بوصفها علاقة شراكةٍ يُعتمد عليها؛ إذ تُعدّ واحدةً من أهم التحولات التي يشهدها عصرنا؛ لأن التقنية لم تعد مجرد أدواتٍ نستخدمها ثم نتركها، بل أصبحت تتغلغل في التفكير، والعمل، والإبداع، واتخاذ القرارات، وحل المشكلات. في الماضي، كان جهاز الحاسب يقوم بما يُطلب منه؛ كالكتابة، والحساب، والطباعة، أو حفظ البيانات والمعلومات، أما اليوم، وخصوصاً مع حضور سيد التقنية الجديد: الذكاء الاصطناعي (AI)، فقد أصبحت التقنية قادرةً على الحوار، والتحليل، والاقتراح، وتوليد الأفكار، والنصوص، والصور؛ وهذا في رأيي يغير طبيعة العلاقة، ويطرح السؤال المهم: هل يمكن أن يكون الذكاء الاصطناعي شريكاً يُوثق به؟ في تقديري، أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون شريكاً يُعتمد عليه، وهذا لا يعني أن الإنسان يتنازل عن دوره وقراره؛ فالإنسان -سيد هذا الكون- هو صاحب الغاية والقيمة والقرار، والتقنية هي مصدر المعرفة، والتحليل، والاقتراح، كما أن الإنسان هو المسؤول عن التحقق وإصدار الحكم النهائي، والتقنية قابلة للمراجعة والتصحيح، وبالتأكيد ليست معصومةً من الخطأ. وعلينا أن نتأكد من أن الثقة بالذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن تكون ثقةً عمياءَ، بل ثقةً مبنيةً على الفهم، والتحقق، والشفافية. أتوقع أن المستقبل سوف يمنحنا فرصةً أو فرصاً تقنيةً ممتازةً، وأهمها أن يصبح بين الإنسان والذكاء الاصطناعي نوعٌ من التعاون والشراكة؛ فالإنسان يطرح السؤال، والذكاء الاصطناعي يمنح احتمالات الإجابة، كما أن الإنسان يشعل الخيال، والذكاء الاصطناعي يوفر أدواتٍ جديدةً لتحقيقه. وربما يتطور السؤال: هل سيكون الذكاء الاصطناعي وفياً للإنسان؟ يمكن أن تكون التقنية شريكاً موثوقاً وظيفياً عندما تُصمَّم بشكلٍ جيد، وتُستخدَم ضمن حدودٍ واضحة، وتخضع للمراقبة البشرية، لكنها لا تملك بالضرورة الثقة التامة أو الوفاء بالمعنى الإنساني للكلمة؛ لأن الوفاء سمةٌ إنسانيةٌ، والثقة قيمةٌ وتجربةٌ إنسانيةٌ، بينما التقنية تنفذ أنظمةً وأهدافاً صُمّمت أو درّبت عليها؛ وهي باختصار: «مدخلاتٌ ومخرجاتٌ». ومن أبرز مجالات الشراكة المتوقعة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي المتوقعة: شراكةٌ في التفكير وصناعة الأفكار (العصف الذهني، واقتراح الاحتمالات، واكتشاف العلاقات)، شراكةٌ في التعلم (يتحول الذكاء الاصطناعي إلى معلمٍ ومساعدٍ شخصي لشرح المفاهيم بطرقٍ مختلفة)، شراكةٌ في الإبداع (الكاتب أو الفنان يستعين بالذكاء الاصطناعي لتوليد أفكارٍ، وصورٍ، واحتمالاتٍ متعددة)، شراكةٌ في اتخاذ القرارات (يحدد الإنسان المشكلة وأهدافها، ويقدم له الذكاء الاصطناعي السيناريوهات والبيانات، ثم يقرر الإنسان بنفسه)، شراكةٌ في العمل المؤسسي ( الإنسان يضع الاستراتيجية ويدير العلاقات والقيم، بينما ينفذ الذكاء الاصطناعي جزءاً من التحليل والأعمال المتكررة والمعلوماتية)، شراكةٌ في البحث العلمي (يحدد الإنسان هدف البحث، والمنهجية، والتحقق، وأخلاقيات البحث، ويساعده الذكاء الاصطناعي في تحليل كمياتٍ ضخمةٍ من البيانات، وعمل المقارنات، واقتراح أسئلةٍ بحثية). ولا شك في أن القضية الجوهرية ليست في أن يحل الإنسان محل التقنية أو تحل التقنية محل الإنسان، وإنما في أن يتعلم الاثنان -بمعنى الإنسان والنظام التقني- العمل داخل منظومةٍ واحدةٍ يحتفظ فيها الإنسان بالمعنى والمسؤولية، وتوفر التقنية للإنسان قدرةً أوسعَ على التفكير، والعمل، والإبداع. ولعل أجمل صورةٍ للمستقبل هي أن يصبح الذكاء الاصطناعي شريكاً فكرياً للإنسان؛ لا يفكر بالنيابة عنه، بل يساعده على أن يدرك، ويرى أكبر، ويسأل أفضل، ويبدع أكثر، ويصل إلى أفكارٍ جديدةٍ لم يكن ليتمكن من الوصول إليها بمفرده؛ وبهذا يستطيع الإنسان أن يصنع مع الذكاء الاصطناعي شكلاً جديداً من الذكاء، والإبداع، والعمل، والحياة. وبإمكان الإنسان العاقل، والطموح، والقلق على حياته ومستقبله أن ينجح في تكوين علاقةٍ إيجابيةٍ تكاملية وبنائها وتطويرها، تجعل الذكاء الاصطناعي وفياً للإنسان وقيمه، وحريته، وإبداعه، وابتكاراته. وأتمنى ألا يكون مستقبلنا الإنساني صراعاً ومعاناةً مع التقنية الفاتنة، بل شراكةً إيجابيةً ومفيدةً تعيد تعريف الذكاء، والإبداع، والعمل، والثقة.