في بعض ليالي طفولتي، كنت أنزل من بيتنا في الجبل إلى بيت جدي، رحمه الله، في الوادي لأشاهد التلفزيون. جملة كهذه تبدو اليوم غريبة بعض الشيء. فالتلفزيون لم يعد مكانًا نذهب إليه، ولا موعدًا نستعد له. صار في كل مكان، بل إن الشاشة نفسها أصبحت تمشي معنا في جيوبنا. لكن الأمر كان مختلفًا تمامًا في تلك الأيام. لم يكن لدينا تلفزيون، ولم تكن الكهرباء قد وصلت إلى بيوت حينا في الخالدية بالطائف. وكان بيت جدي، رحمه الله، لأمي أول بيت من بيوت أقاربنا يقتني ذلك الجهاز العجيب؛ تلفزيون يعمل بالبطارية، وتكتظ الغرفة التي يوجد فيها بالأقارب القادمين من البيوت المجاورة. في البداية كان أخي عالي، رحمه الله، يصطحبني معه. ننزل ليلًا من بيتنا في الجبل إلى الوادي، حيث بيت جدي، رحمه الله. وحين ذهب عالي، رحمه الله، إلى مكة المكرمة للدراسة في الجامعة، ظهرت المشكلة: من سيأخذني إلى التلفزيون؟ بدأت أترجى أمي، رحمها الله، أن تسمح لي بالذهاب وحدي. كانت تخاف علي. والطريق ليس مأمونًا لطفل يسير ليلًا بين الجبل والوادي؛ عقارب وثعابين وظلام، وفوق ذلك كله عالم من الحكايات التي زرعها الكبار في خيالنا. كان للجبل «ساكن». هكذا قيل لنا. جني يحرس كنزًا مدفونًا، ويخرج ليلًا في هيئة ثعبان ضخم يحمل جوهرة مضيئة. ولأن خيال الطفل لا يعرف المسافة التي تفصل بين الحكاية والحقيقة، فقد كان أي شيء يلمع في الجبل قادرًا على أن يصبح تلك الجوهرة. كانت أمي، رحمها الله، ترفض أحيانًا أن أذهب وحدي، فألح وأترجى، وربما بكيت، حتى تأذن لي. أغادر البيت وأسمعها من ورائي تدعو الله أن يحفظني ويسلمني. كل هذا من أجل التلفزيون. ومن أجل الحكاية. وفي بيت جدي، رحمه الله، شاهدت أعمالًا ما زالت أسماؤها عالقة في الذاكرة: «من كل بحر قطرة»، ومسرحية «ضيعة تشرين»، ومسلسل «فارس ونجود» بطولة سميرة توفيق. ثم جاء: «وضحا وابن عجلان». يوسف شعبان وسلوى سعيد. وكان للمسلسل شأن آخر. أخذ الناس، وأخذني معهم. قصة حب وفروسية وقبيلة وشعر وصحراء؛ عالم قريب من الحكايات والبيئة والذاكرة الشعبية التي نعرفها. ولم أكن أشاهده وحدي. الغرفة مكتظة بالأقارب. الجميع أمام شاشة واحدة. وإذا عرضت الحلقة شاهدتها، وإذا فاتتك فقد فاتتك. وحين تنتهي المشاهدة تبدأ رحلتي الأخرى: الصعود إلى بيتنا في الجبل. وحيدًا أحيانًا. في الظلام. وهنا كان مسلسل التلفزيون ينتهي، ويبدأ المسلسل الذي يصنعه خيالي. كل لمعان بين الصخور قد يكون جوهرة «ساكن الجبل»، وكل صوت قد يكون حركة ثعبان. وحدث ذات ليلة أن رأيت جسمًا مضيئًا، خيل إلي أنه يتحرك من أعلى الجبل نحو الطريق الذي سأسلكه. تملكني خوف شديد، لكنني واصلت طريقي. وتبين لي فيما بعد أن بعض تلك «الجواهر» المرعبة لم تكن إلا أغطية معدنية لعلب صلصة أو جبنة أو حليب أطفال ألقيت في الجبل، فيصيبها ضوء القمر فتلمع! لكن الطفل لم يكن يعرف ذلك. كان يعرف أن للجبل ساكنًا. وكنت أصل إلى البيت أحيانًا لاهثًا، وأنفاسي متقطعة، وأحاول أن أخفي خوفي عن أمي، رحمها الله. ليس شجاعة مني. بل حتى لا تمنعني من الذهاب في الليلة التالية! وكان احتمال لقاء «ساكن الجبل» أهون عندي من احتمال أن تفوتني الحلقة القادمة. مرت السنوات. بل مر نحو نصف قرن. ثم وجدت «وضحا وابن عجلان» على يوتيوب. يا للمفارقة! المسلسل الذي كنت أنزل من أجله من الجبل إلى الوادي، وأترجى أمي، رحمها الله، كي تسمح لي بمشاهدته، أصبح الآن على بعد لمسة من إصبعي. ضغطت زر التشغيل. ظهرت وضحا. وظهر ابن عجلان. وانتظرت أن يعود إلي ذلك السحر القديم. لكنه لم يعد. رأيت أشياء لم أكن أراها وأنا طفل. بعض المشاهد شديدة البساطة، والأداء في مواضع كثيرة متكلف ومدرسي، والإيقاع بطيء، والإمكانات الفنية محدودة. ثم ظهرت وضحا متنكرة في هيئة فارس. ابتسمت. كيف لم يعرفوها؟ التنكر الذي قبلته عين الطفل دون سؤال، لم تستطع عين الرجل بعد نصف قرن أن تتواطأ معه بسهولة. وجدت المسلسل الذي كنت أبحث عنه. لكنني لم أجد المسلسل الذي أتذكره. فبقي السؤال: هل كان «وضحا وابن عجلان» ضعيفًا ولم نكن نعرف؟ أم أن المسلسل لم يتغير... وإنما تغير المشاهد؟ هذا ما سأحاول الاقتراب منه في الحلقة الثانية؛ حين نغادر قليلًا طريق الجبل وبيت جدي، رحمه الله، لنسأل عن الطريق الأطول الذي قطعته أعيننا خلال نصف قرن: كيف تغيرت طريقة مشاهدتنا؟ ولماذا استطاع عمل يبدو لنا اليوم بسيطًا فنيًا أن يأسر جمهورًا واسعًا، وأن يصبح حديث الناس وذاكرة جيل؟