عندما تفقد بعض المسرحيات بريقها ..

ماذا يحدث للنص المسرحي السعودي بين الصفحة والخشبة؟

تابعتُ خلال الفترة الماضية مجموعة من العروض المسرحية السعودية التي قُدّمت تحت مظلة مناسبات مختلفة من باب نقد تلك العروض والكتابة عنها في هذه الزاوية، وكانت التجارب متفاوتة في مستوياتها، كما هو متوقع في أي مشهد مسرحي يشهد حراكًا متناميًا، لكن ما استوقفني لم يكن تفاوت جودة النصوص بقدر ما كان ذلك الفارق الذي يظهر بين النص حين يُقرأ، والعرض حين يُشاهد على خشبة المسرح! وجدت أن ثمة نصوص عند قراءتها أجدها متماسكة، من حيث إنها تمتلك قضية واضحة، وشخصيات قابلة للبناء، وحوارًا يحمل إمكانات درامية، لكنها تفقد جزءًا من بريقها عندما تنتقل إلى الخشبة. عندها تظهر مشكلة لا تتعلق بالكتابة وحدها، وإنما بالطريقة التي جرى بها تفكيك النص وتحليله وتحويله إلى أفعال درامية وأداء حي على الخشبة. فالنص لا ينتقل إلى الخشبة بمجرد أن ينطق الممثل بالكلمات المكتوبة، النص المسرحي ليس مجموعة جمل تنتظر من يؤديها فقط، وإنما منظومة من العلاقات والدوافع والصراعات والإيقاعات والأفعال الكامنة داخل اللغة، وما يحدث في البروفات والعرض هو عملية اكتشاف لهذه العناصر وترجمتها إلى فعل مسرحي مرئي ومسموع على الخشبة. المسرح في جوهره فن الفعل، وما يكتبه المؤلف عن الشخصية ينبغي أن يجد طريقه إلى الخشبة من خلال سلوكها، وعلاقاتها، وحركتها، وصمتها، وطريقة قولها للكلمات، لا من خلال الحوار الذي يلقى من خلال خطاب الوعظ. الشخصية الغاضبة مثلًا ليست بالضرورة شخصية تصرخ، والشخصية الخائفة ليست بالضرورة شخصية ترتجف أو ترفع صوتها، والشخصية المتوترة لا تحتاج في كل مرة إلى حركة زائدة حتى نعرف أنها متوترة، الان الافعال المسرحية الأكثر إقناعًا هي تلك التي لها سلوكًا دراميًا نابعًا من دوافع الشخصية وظروفها وعلاقتها بمن حولها لذلك ينبغي أن يرى المتلقي حالة الشخصية في حركاته وتصاعد الخوف أو التوتر لدية على الخشبة. لكننا يا للأسف ما نزال نشاهد اختزالًا لهذه الحالات الدرامية في علامات أدائية مباشرة مثل: ارتفاع الصوت بدل بناء الانفعال الدرامي تبعاً للحدث، والحركة العشوائية بدل الفعل الدرامي المدروس، والإلقاء بدل التفاعل الدرامي مع القضية وتجسيدها كأن الممثل عاش هذه القضية، والشرح الممل الخطابي بدل من الصراع الدرامي الذي يشد المتلقي ويحدث لديه أثراً عند التلقي. قد يتضمن نص مسرحي مشهدًا تتلقى فيه أم خبرًا يهدد مستقبل ابنها، ويكتب المؤلف رد فعلها في صورة صمت طويل، ثم تبدأ في جمع أشياء الابن من الغرفة ووضعها في حقيبة، قبل أن تتوقف عند صورة قديمة وتتأملها أو تمسك بها وتقلبها!، هذه الأفعال تحمل طبقات من الإنكار والخوف ومحاولة السيطرة على الموقف الذي تجسده الممثلة، ويمنحها مسارًا داخليًا يمكن أن يتطور أمام الجمهور. لكن إذا عولج المشهد إخراجيًا باعتباره لحظة انفعال مباشرة، فقد تقف الممثلة في منتصف الخشبة وتشرح للجمهور أنها خائفة، ثم ترفع صوتها وتبكي، بينما تُترك الحقيبة والصورة والدرج بوصفها إكسسوارات لا وظيفة لها. عندها يفقد المشهد توتره؛ لأن العرض استبدل الفعل بالشرح، وحوّل التحول الداخلي إلى انفعال معلن على خشبة المسرح، هذا النوع من سوء المعالجة يضعف العرض، حتى لو كان النص يحمل إمكانات حقيقية؛ لأنه يلغي التفاصيل التي تمنح الشخصية وجودها المسرحي، ويجعل الأداء أقرب إلى الإلقاء منه إلى الفعل. تزداد أهمية هذه المسألة في العروض التي تتناول قضايا اجتماعية؛ إذ يبدو أحيانًا أن ثقل القضية يدفع بعض الأعمال إلى التعامل معها باعتبارها رسالة ينبغي إيصالها مباشرة إلى الجمهور، فتبدأ الشخصيات في شرح القضية بدل أن تعيشها درامياً، ويصبح الحوار وسيلة لتقديم الموقف بدل أن يكون جزءًا من الصراع الدرامي، ويتحول الانفعال إلى رفع للصوت، وكأن قوة الموضوع يمكن أن تعوض عن قوة المعالجة الدرامية. لذلك القضية الاجتماعية تحتاج إلى شخصية تحملها، وصراع يكشفها، وفعل يجسدها، وتفاصيل تجعل المتلقي يراها بدل أن يسمع تفسيرًا لها، فالمسرح لا يطلب من الشخصية أن تخبرنا بأنها تعاني بقدر ما يطلب منها أن تفعل ما يكشف معاناتها، وهنا تظهر قيمة المخرج والممثل في علاقتهما بالنص المسرحي. فالمخرج مطالب بأن يقرأ ما وراء الحوار، والممثل مطالب بأن يبحث عن الخطوط الداخلية للشخصية، وعن دوافعها وتحولاتها، لا أن يكتفي بإلقاء الحوارات دون إحساس واحترافية. فمن المسؤول عندما يفقد النص بريقه على الخشبة؟ لا أظن أن الإجابة يمكن أن تُختزل في طرف واحد، فقد يكون الخلل في النص نفسه، حين لا يحمل بناءً دراميًا قادرًا على الصمود أمام التجسيد، وقد يكون في القراءة الإخراجية حين لا تنجح في اكتشاف هذا البناء، وقد يكون في أداء الممثل حين لا يحول دوافع الشخصية إلى أفعال مقنعة على خشبة المسرح، وقد يكون الخلل في البروفات التي لم تمنح النص والممثل الوقت الكافي لاكتشاف التفاصيل والعلاقات والتحولات، وقد يكون الخلل في غياب المراجعة الدراماتورجية التي تقف في المنطقة الفاصلة بين الكتابة والإخراج، وتختبر النص لا على الورق وحده، وإنما في أثناء تشكله على الخشبة، والتي تتطلب وعياً وليس مجرد نقل للنص من الورق إلى خشبة المسرح هذا الحديث قادني إلى السؤال عن هل نحن ما زلنا في مرحلة التأسيس والتجريب في المسرح السعودي؟ الان كثيرًا ما تُفسر الملاحظات النقدية على التجارب المسرحية السعودية بحجة أننا ما زلنا نؤسس للمشروع المسرحي، وأن من الطبيعي أن تتفاوت التجارب في هذه المرحلة! نعم، التأسيس يحتاج إلى التجريب، والتجريب ينتج النجاح والإخفاق معًا، لكن استمرار استخدام «مرحلة التأسيس والتجريب» لتفسير كل خلل قد يتحول من تفسير مؤقت إلى حصانة دائمة ضد النقد. لماذا؟ الان المشهد المسرحي السعودي اليوم ليس كما كان قبل سنوات، هناك إنتاج متزايد، ومهرجانات داخلية وخارجية، وفرق مسرحية، وكتاب بمختلف التجارب والخبرات، ومخرجون، وممثلون في مراحل مختلفة من المهارات، وتجارب تتراكم، وجمهور يرغب بهذه الثقافة المسرحية. ومع ذلك هل نملك الأدوات المهنية التي تجعل النص الجيد عرضًا جيدًا؟ وهل نملك القدرة على نقد العرض بعيدًا عن أهمية المناسبة أو قيمة الجهد المبذول في هذه المناسبة؟ وهل نستطيع أن نقول إن هناك خللًا في الأداء أو الإخراج أو المعالجة عندما يكون الخلل موجودًا، من دون أن يُفهم ذلك بوصفه تقليلًا من التجربة المسرحية السعودية؟ ينبغي أن نكون جميعاً واعيين لمسألة أن النقد ليس ضد المشروع المسرحي وأن المشهد المسرحي لا ينمو بالتصفيق فقط والقول إننا في مرحلة التأسيس والتجريب. النقد الجاد لا يعني التقليل من المنجز أبداً وأن وجد ذلك فهذا ليس نقد أبداً، وإنما يعني أن نتعامل مع المسرح السعودي بوصفه مشروعًا يستحق أن يتطور. وإذا كنا نريد للمسرح السعودي أن ينتقل من مرحلة زيادة الإنتاج إلى مرحلة بناء الجودة، فإن علينا أن مساءلة التجربة ونكون واعيين إلى أن الاحتفاء بالمسرح السعودي لا يتعارض مع مساءلته، بل ربما تكون المساءلة واحدة من صور الاحتفاء الحقيقي به؛ لأنها تفترض أن التجربة بلغت من النضج ما يجعلها قادرة على تلقي النقد ومراجعته والاستفادة منه. المطلوب إذن ليس أن نتوقف عن الاحتفاء بالبدايات، وإنما أن نعرف متى ينبغي أن نتجاوز منطق هذه البدايات، فبعد أن قطع المسرح السعودي مسافة مهمة في إنتاج العروض، يصبح التحدي التالي هو إتقان صناعة العرض المسرحي، صناعة تبدأ من النص، لكنها لا تنتهي عنده فهي تأخذ مساراً أخر يجب فيه أن تتحول كلمات إلى أفعال، وشخصيات إلى كائنات حية تصنع أثراً، والصراعات إلى علاقات مرئية، والانفعالات إلى سلوك، وثيماته إلى تجربة يعيشها المتلقي. *ماجستير في الأدب المسرحي.