صُدَف الأسفار وعَثَرات الكتابة

لم تكن غير صدفة من صدف الأسفار، بلا سابق تخطيط ولا رغبة وطموح، أن أدخل البيت من نافذته. ولم يدر في البال أن ترميني خطواتي إلى أبعد من مشيتها. وقتها كنت منتسباً لجامعة بيروت العربية، ولأن الحرب الأهلية أغلقت منافذ بيروت، اختيرت جامعة الأردن، لتكون عمّان محط رِكاب الطلبة. عمّان أيامها مُغلقة على بيوتها، ولم تكن سياحية كما الآن. الفنادق لم تكن بتلك الكثرة، ولا سهر الليل كباقي العواصم. لم يبقَ غير سقف السيل، ملاذنا وطيب الأكل والناس. أخذني أحد جلاّسي إلى فندقٍ برغبة منه، وميولاتٍ صحافية يمتهنها، إلى حيث يجتمع شعراء وأدباء مهرجان جرش. وقتها لم أقرأ من الكتب غير المتاحة بين يدي، ولم أولد في بيتٍ تتوسطه مكتبة وأوراق مخطوطات. ولدتُ في بيت بسيط لأبٍ يمتهن الغوص وصيد الأسماك. لذا تتناثر أثمانه وأدواته البحرية للصيد والغوص لجدي وأبي في كل ناحية لبيتنا البسيط. ولم يملك أبي غير مُسجلة قديمة تدار ببكرةٍ على جانبين، كي يصيخ السمع لتلك البكرات التي يأتون بها له من العراق، لاختيار شيخ مُعمم لقارئ يحط في بيتنا كل عام من عاشوراء، ويقيم معنا كي أحظى منه ببعض المفردات والأسفار المُنتقاة بلسانه العذب. من بوابة الفندق العمّوني ومهرجان جرش، كُشف لي الستار، وانهالت الأصوات والمفردات المُبجلة والمُفخّمة، والأسماء والوجوه. أجلسوني على طاولتهم، كغريبٍ انقطعت به الأسباب والأسفار. تصفحّت في الوجوه والسّحنات، تثاقلت بي خطاي، وشلّ لساني في فمي، وضاق بي قميصي. مُدّت لي يدٌ مُصافحة، فمددت يدي في الفراغ؛ أخذها مُصافحاً بتوددٍ، والصوت من صاحبي وفاتح بوابة مُشرّعة: هؤلاء الشعراء من بلادك، فاقترب؛ محمد جبر الحربي وزوجته خديجة العمري، وعبدالله الصيخان. هبّت نسمات الترحيب صافية بين صخب ولغو وكلمات؛ لم ينته اللّقاء أو صدفته، إلا بتعارفٍ حسبته من سنين بعيدة. أكتب الحروف مُستذكراً قبل النسيان، عثراتي في التعارف وبداياته، حتى وصَمته بي مُتأخراً ومتلازمة لصبغةٍ ثقافية، يتجنب البعض كتابتها. دعاني محمد لزيارة الرياض في أول أيام وصولي، ولم أزر الرياض إلا في مسابقة رياضية لفريقي قبل ثمانينات القرن، يومها كنت لاعباً في كرة القدم وشاباً طائراً بقدميه وشارب لم يخطّ، ولم يبلغ عشرينه بعد. تقبلت الدعوة بفرح غامر، وبمذاكرة سريعة لبعض الكتب التي قرأتها، ومدن الملح الرواية التي حسبتها كنزي الثمين، ومفتاحي للقفول المغلقة والبوابات التي سأدخل منها، وسفرتي الأولى ولقاء لشاعر سأرميه بأوراقٍ لخربشات مُبتذلة حسبتها مهراً أمهر به اسمي قبل رسمي. خبّ بي الطريق مُستأنساً، وطائراً خلف مقود سيارتي، وأصوات غناء شجي وحزين من مسجلتها، يؤنس بي وحشة الطريق ووعثائه. لم أجد في الغربة والطريق الطويل برماله غير صورة متبدلة لبصري، الذي اعتاد الماء والبحر. كنتُ يقظاً بفرحٍ يلبسني كثوب عيد جديد. لم تكن خطوتي الأولى لبوابة الثقافة التي دخلتها برجلي اليمنى مغسولة بي، غير بناية مجلة اليمامة. ذاك هو العنوان الذي شددت به سفري. دخلت إلى غرفةٍ تتوسطها طاولة، تتناثر عليها الأوراق مصفوفة وأقلام، ودخان سجائر، إلى حيث يجلس الشاعر الذي رحب بي مُستأنساً، وداعياً لي بسلامة الوصول. في المبنى الذي اعتدت على زيارته كلما شددت رحالي، وتلك الغرفة التي فتحت لي نوافذ الثقافة والأسماء، أتذكر الأسماء التي علقت بذاكرتي ناصعة، أذكر المرحوم صالح العزاز بدماثته ورقته، وإنسانيته الطافحة. في الغرفة أيضاً سنحت لي الفرص أن أقتني المجلة حال صدورها، وأن أقرأ الأوراق والنصوص، وحتى صور ولوحات النصوص، ربما أتذكر لوحة الفنان خالد الرحال وطائره، عالقة في الذاكرة، قبل أن ترحل إلى النسيان. يومها رميت بما أحمله من خربشات، حسبتها نصوصاً مشحونة بمفردة الوطن، والجوع، والفقراء، والمطر، على طاولة الشاعر محمد الحربي؛ فرحاً بعلاقتي المتنامية بصفاء سريرة، أنها ستعلّق بين صفحات ملحق أصوات. محمد الذي اعتاد المجاملة بكلمات النصوص، والمُرحب بتنوعها وجغرافيتها، أسرّ لي مُتأخراً أنه رماها في سلة الأوراق، فور خروجي من مكتبه. ضاحكاً على تلك العفوية الصارخة في بدايات الكتابة وتأثرها. هكذا أسرّني، وهو يفتح لي باب مكتبته الضخمة، مُنتقياً لي هدايا الكتب، وما طالته يدي للإعارة والقراءة. ربما تغيب أسماء لم تعلق إلا برهة واختفت، لكنّ الأسماء الأولى عالقة لم تغب.