اشتبـاكٌ لـم يقـع بعـدُ
كيف يمكنك فضّ اشتباكٍ لم يقع بعدُ؟ وهو ليس سؤالا صريحا بقدر ما يبدو، بل شبه تساؤل قد يفتح الباب لتدخل منه ذكرياتٌ نصبت نفسها مُعلِّمًا ثانيا للحكمة؛ حيث ظلَّت التجربةُ في المرتبة الأولى، مدينةً لآخرين حفظنا معهم النصائح والتوصيات، فكانت خبز الطريق. أحفظُ عن أبي مثلا بضع نصائح ذهبية غيرت حياتي، يعبرني صوته في عزّ الأزمة وما قبلها بمسافات ويرشدني بكُليمات وحسب، لافتة للطريق الأقصر والأسلم، وتحذيرات عامة للكيفية التي تكون عليها منجرفات الهاوية والأفخاخ. حفظتُ بعض الأنماط، وما زلت أستكشف الأخرى وأقيس عليها، وأدعو الله أن ينير بصيرتي لألتقط الحكمة والحماية، ويطويني الجوع كثيرا قبل أن تصادفني حكمتي الخاصة… ما زلتُ على بعض جهلي الخام، تغريني التجربة الجديدة، وأضع أملي كاملاً في الإنسان. المخاوف الأولى للملائكة منه لم تثنني، أحماقة هي أم انتصارٌ للإرادة الإلهية؟! لم يعد همُّ الإجابة يعنيني، فقد وقع ما وقع مما أعطاني حكمتي الخاصة أنا أيضا. أغلق عيني أحيانا لئلا تضلل عقلي. هذه أنا، أكفر بالحكمة بعض المرات؛ فالإنسان الذي ما زال يظلم نفسه ليس واحدا… وربما كان تعميم الملائكة يلائمني… لكنني أنسى. أما أمي فقد ركزت في وجداني سلوك الصمت كثيرا، ألا تقول شيئا في بعض الأحيان، ثم نعبر الشدة ونخرج منها وهي هي، لم تخسر ولم تُدَن في محاكم المجتمع التي لا يتولاها قاضٍ واحد. تلك الاشتباكات يتخيَّلها المرء ويرسم خرائطها ويرى مآلاتها، ثم يؤثر طريقا آخر يجعلها لا تكون فيه شيئا. إنه لأمر مبهر تلك الحكمة التي تغلق الباب وهو في صريره المستمر! حتى يشكّ في نفسه كأنه في يد الأشباح. هذا الاشتباك الشبحي كان في يدي مرارا، لكنني أغمضتُ عيني وعبرته، وهكذا انفضَّ الباب بالأصوات داخل رأسي… فالأصوات الخارجية ضوضاء لا تأوي أحدا. وقد حذرني منها أبي كثيرا، وأعادني صوته إلى الحياة مرارًا. الاشتباكات تحدث أيضا في قمة الصمت كما دربتني أمي، وبلا أدنى همز ولمز وذنب. يشعر بها قلبك، يراها كما تُرى الألغام. لا ينفجر اللغم برؤيته، لكنه يظلُّ في حقل متفجرات حتى وإن كان هادئا. هكذا أزرع الفكرة في رأسك وأنت تذهب إلى أكثر أمكنتك هدوءا، كعملك مثلا، فهو مما يشبه البيت أيضا، حين تغلق عليك باب مكتبك، وتملأ حيّزك الذي تملك مفتاحه وحدك. هل يملك أحد نسخة من مفتاح مكتبك؟ أو هل هو مكتبك وحدك؟ تعرف أنه حتى لو ضاعت نسخته، أو اختفت، أو نسيتها في المنزل؛ فلن يكون هادئا أبدا إلا كذلك الحقل الذي يرى قلبُك ألغامه… تحرث في جهة ثانية ما قد يطفئ اللغم بالحكمة لأنك قررت ألا تطأه بقدميك أو تنزعه. لا تتعجَّلُ النتيجة لأن البناء ليس كالهدم. قد يرشدك صوتٌ أبويٌّ يحبك وإن لم يكن لأبيك. وقد تعمي أخطاءك أمومية قلب لا يثرثر لكنه ليس قلب أمك… هكذا الحياة حين تأخذ وتعطي وتستبدل الأفعال بالأفعال… قد يكون داعمك وجهًا أو صوتًا أو حروفًا… نفتقد أبدًا لمحبٍّ يضحي بنفسه ووقته ليلقي بالحياة في وجوهنا قبل أن يفجِّر ألغامها على طريقته. أبطال هذا الزمن لا يموتون لأنهم أبطال (عمَّا بُعد)… في تلك المرحلة التي جعلت للشيء وجهٌ آخر بعيد وفي مكان آخر. هؤلاء نهرع إليهم ثقةً بالإنسان الذي ينبغي أن يكون أمام الإنسان الذي ما زال يظلم نفسه. هبة الحياة هؤلاء قد لا يلتقوننا في المدينة نفسها، لكنَّ المحبَّ حكيم دائما، وموجودٌ أيا كانت طريقة وجوده، ونصيحته مفتاحنا الذهبي الذي لا يملك نسخته أحدٌ مهما تشاركنا الممرات والمكاتب والأعمال. نعبر المكتب حينها ونخرج متأكدين من صلاحية الحكمة ونجاحها، ومن وديعة حقولٍ من الألغام للسيئين، أيضا هي وديعةٌ عن بُعد، ستمرِّرها تلك الأيام التي يداولها الله بين الناس، حينها سيكونون في حقل الألغام نفسه، أو سيجلسون على اللغم نفسه الذي صار في كراسيهم، لا صداقة مع الألغام، ولا قلوب ترى، ولن نسمع بانفجارتهم التي لا يعلم بها أحد. لأنهم لا أحد. هم فتات خبرات للطريق، دروس تدرِّبني وإياك على القوة لئلا نركن للأيام التي لم يحدث فيها شيء؛ وتمارين للاشتباكات التي لم تقع بعد…