دعـوة إلى الحيـــاة..
في بداياتي مع القراءة الحرة، دخلت بطريق قراءات متعددة، كان لشعر للشاعرة العراقية الراحلة نازك الملائكة مسافة من الرحلة والصحبة، أسوة بشعر الجواهري وبدر شاكر السياب وبلند الحيدري ولميعة عباس وغيرهم من مبدعي ومبدعات ذلك العصر شعرا عراقيا عاليا، ذلك ما أخذني للعراق أدبيا كما أُخذت لمصر ولسوريا ولبنان، وإن وجد الإبداع هنا وهناك من قاماته العربية فإن للشعر العراقي خصوصيته الشجنية الفارقة. صحبتي لشعر نازك الملائكة بدأ بذلك العنوان، “ دعوة إلى الحياة”، وهو عنوان مغري لباحث عن حياة فكرية، وكان عنوان قصيدة شهيرة مفاجئة في مضمونها، فهي لا تدعو إلى أي حياة رومانسية تناسب شعوري بذلك العمر، وإنما إلى حياة ثائرة رافضة غاضبة، تبدأها بالتحريض عبر الحب والبغض على الغضب: (اغضب، أحبك غاضباً متمردا في ثورة مشبوبةٍ وتمزقِ أبغضت نوم النار فيك فكن لظى كن عرق شوقٍ صارخٍ متحرقِ) ثم كما لو تمسك بمتنيه تهزه بقوة شعورية يأتي المقطع الثاني من القصيدة لمحاولة البدء من تحريك الروح لتصاعد إلى حالة يقظة فغضب: (اغضب، تكاد تموت روحك، لا تكن صمتاً، أضيعُ عندهُ إعصاري حسبي رماد الناس، كن أنت اللظى كن حرقة الإبداع في أشعاري) وإذ استعيد ذكرى قراءة تلك القصيدة لأول مرة أتذكر أني كنت أفكر كما لو أني المقصود بذلك التحريض على الغضب عبر دعوة لحياة مختلفة، وحيث تكررت الدعوة تحريضا على الغضب في بقية أجزاء القصيدة فقد توقفت عند هذا الجزء منها طويلا: (أنا لا أحبك واعظاً بل شاعراً قلق النشيد تشدو ولو عطشان دامي الحلق محترق الوريد إني أحبك صرخة الإعصار في الأفق المديد وفماً تصباه اللهيب فبات يحتقر الجليد) ووجدت في ذهني فكرة أن هناك فرقا بين الواعظ والشاعر أوصلتني عبرها نازك الملائكة إلى رؤية الفرق بين الشعر والوعظ وإن كان منظوما، وهو فرق بقي على مدار السنين يتضح في كثير من المنظومات الواعظة لأسماء وجدت واشتهرت ورسخت في عالم الشعر بالنظم وصارت لها جماهيرية لكنها جماهيرية وعظ ومنبرية ضاجة غربّت الشعر والشعراء في زمن غير زمن مبدعيه. وتقول نازك في جزء من تلك القصيدة: (قطِّب، سئمتك ضاحكاً، إن الرُّبى بردٌ ودفء لا ربيعٌ خالدُ العبقرية، يا فتاي، كئيبةُ والضاحكون رواسبٌ وزوائدُ) هذا أمر لا تطلبه أي امرأة من رجلها، ولا أظن بأن هناك امرأة تريد رجلا عابسا غاضبا، بينما تضع نازك ذلك ضمن دعوتها للحياة، لكنها بالتأكيد لا تريد أي تقطيب مقابل أي ضحك، هي تريد الغضب المفكر، غضب غير مجاني ولا هامشي سطحي، كما لا تريد ضحك بليد يأخذ صاحبه بعيدا عن مسؤولية إحساس بالحياة والإنسان. في منشور لها عن الشاعرة لميعة عباس عمارة قالت الشاعرة السعودية نادية السالمي (الفرق بينها وبين نازك الملائكة: أن نازك شاعرة بشاعريتها، ولميعة شاعرة بأنوثتها) وقد اتفقت معها بذلك، فشعر نازك لا يضع مكياجا لغويا ليبدو رقيقا بتعمد، هي كما في هذه القصيدة قد تثور ثورة تبدو ذكورية لكنها لشاعرية متفجرة، بينما لميعة تتقصد لغة أنثوية حتى وإن ثارت تبقى تحافظ على أناقة وهدوء فني، بينما تختتم نازك في آخر دعوتها لحياة لا تستكين وفي تلك القصيدة المتفجرة: (فاغضب على الموت اللعين إني مللت الميتين..) إذن هي قصيدة الدعوة لأن يغضب الإنسان من أن يموت حيا، حتى وإن برفاهية مفرغة من عزة ووعي وشعور صحي. وهي أيضا قصيدة الدعوة إلى حب لا يأخذ لبلادة إنسانية وخمود وخمول شعوري: (إني أحبك نابضاً، متحركاً كالطفل، كالريح العنيفةِ كالقدر) هي دعوة لحياة شعور، لكني أفكر أنها أيضا دعوة لحياة شعر..