قليل من الغياب.

سفرك مع الأصدقاء، كما يمنحك فرصة لالتقاط الأنفاس وكسر الروتين الذي تعودت عليه، يعطي أبناءك وأسرتك الصغيرة فرصة لأن يعيشوا، ولو بضعة أيام، مع أنفسهم، ويترك لهم المجال للشعور بمسؤولياتهم والتزاماتهم. اليوم خففت وسائل التواصل حدة الشعور بالبعد؛ فأنت تراهم وتسمع أصواتهم، لو أردت، بشكل يومي عبر الأجهزة الذكية. لكننا نحتاج إلى أن نمنح أبناءنا الفرصة للقيام بأدوار أكبر تتجاوز مهامهم المدرسية، والمشاركة في تدبير بعض شؤون المنزل. وبذلك يقتربون من فهم الحياة، وأنها تتطلب وعيًا ومسؤولية كي تسير العجلة، ولا يمكن أن يكون الاعتماد دائمًا على الوالدين في كل صغيرة وكبيرة. تعلمت في مجال عملي، حين كنت أعمل مسؤول تحرير في إحدى الصحف، ألا أستأثر بالعمل والمتابعة وحدي، وأن أفوض الآخرين للقيام بعدد من المهام؛ فمن جانب، أخفف عبء العمل وأتفرغ لأعمال أخرى، ومن جانب آخر، أمنحهم الفرصة كي يتعلموا ويكتسبوا الخبرة. الحياة بطبيعتها تقوم على التعاون والمشاركة، وحين نمنح من حولنا الثقة والتشجيع سوف نجني ثمار ذلك في حياة أكثر توازنًا ونجاحًا. وربما نغفل جانبًا مهمًا يتعلق بشعور أبنائنا بالرضا عن حياتهم؛ فقد وجدت دراسة على تلاميذ في ناميبيا ارتباطًا بين مشاركتهم في أعمال البيت ورضاهم عن الحياة، فيما وجدت دراسة أخرى ارتباطًا بين مشاركة الأطفال في هذه الأعمال ومهارات مثل تذكّر التعليمات وضبط التصرفات. لا أحد يريد أن يبتعد عن أحبابه ومجتمعه ولو لساعات، لكن هذه طبيعة الحياة التي تقتضي أحيانًا أن نسافر للسياحة أو نذهب في مهمات عمل. وفي ذلك كسر للملل، وتجديد للعلاقات، ومنح الآخرين فرصة ليشتاقوا إليك، وليتعلموا، إن كنت رب أسرة، كيف يعتمدون على أنفسهم. سافرت مع العائلة أكثر من مرة، وكان لكل سفرة طابعها وحميميتها، لكنها سفرات لا تخلو من القلق عليهم، حتى وأنت معهم. لكنك حين تسافر وحدك تواجه حقيقة أن الحياة سفر دائم، وأنه لا يمكن أن تتوقف حياة أحد على أحد، مهما كانت مكانته. قيل في السفر والاشتياق الكثير؛ يقول الشاعر بندر بن خالد بن عبدالعزيز: سافر وترجع يا حبيبي على خير وأشوفكم عقب السفر بالسلامه عسى السفر لك يا عيوني مساهير يكفي عن التوديع منك ابتسامه