لمـــاذا نكتـــب ؟

في كل مرة أقرأ عبارة الأديب عباس محمود العقاد عن الكتابة: “أكتب لأن حياة واحدة لاتكفيني”، أتساءل هل قدمت هذه الإجابة - التي تتردد كثيرًا حين يطرح هذا السؤال - خلاصة مثالية؟، وهل أصبحت قاعدة لمن لم يعثر على إجابته الخاصة بعد. إنها لاتقدم إجابة عن سؤال الكتابة الأدبية بقدر ما تفتح أمامه نوافذ أخرى، فماذا يعني أن حياة واحدة لا تكفينا؟ وهل نكتب لأننا نريد أن نعيش حيوات أخرى، أم لأن الحياة التي نعيشها لاتمنحنا دائماً مساحة كافية لما نفكر فيه ونشعر به؟  ربما لهذا يصعب العثور على إجابة واحدة لسؤال: ماذا نكتب؟  تختلف الإجابات دائمًا، حتى في رحلة الكاتب الواحد أثناء مسيرته، هناك من يكتب لأنه يريد أن يقول شيئاً ظل حبيسا في داخله لفترة طويلة ، وعادة ما يكون ذلك مشتركا بين الكُتاب وبين آخرين يكتبون وقت حاجتهم للكتابة ، وهناك من يكتب لأن علاقته مع اللغة هي الأعمق والأقرب من أي تعبيرات أخرى ، وعادة ما يصبح هؤلاء كُتابًا ، ويستمرون في الكتابة كحالة إبداعية، وبين الأمرين مسافة واسعة، فالكتابة ليست مجرد بوح فقط، وإلا لكان كل من لديه ما يقول كاتباً، هناك علاقة وصداقة أخرى تنشأ بين الإنسان والكلمة: علاقة وطيدة تجعله يتوقف أمام مفردة، أو يبحث عن صياغة، لاتبدو ضرورية لغيره، لكنها بالنسبة إليه هي الفرق بين أن يقول الشيء، وأن يقوله كما ينبغي. لذلك ربما لاتكون الكتابة مجرد امتلاك للأفكار، وإنما طريقة مختلفة في النظر إليها  تقول الكاتبة جوان ديديون: “أكتب لأعرف ما أفكر به “  وفي هذه العبارة ما يضيء جانبا آخر ومهماً من الكتابة. فنحن لانكتب دائمأ لأننا نعرف مانريد أن نقوله، لكننا قد نكتب لنكتشفه، نبدأ الجملة أحيانًا  قبل أن تكتمل الفكرة ، ثم تقودنا الكلمات إلى فكرة أو مساحة لم تكن نعرف أننا نفكر فيها ، تصبح الكتابة هنا نوع من التفكير.. إننا أمام آراء عديدة ليس منها ماهو خطأ، فكلها تنعكس من رؤية الكاتب لنصه، أو كتابته، وكل منهم لديه فلسفته وفكرته الخاصة عن الكتابة. فنكتب لأننا نريد فهم أنفسنا، واختبار ذاكرتنا، وعلاقتنا بالحياة من حولنا، والأشياء التي حدثت ولم نستطع أن نفهمها في لحظتها، لهذا يعود الكاتب إلى تجربة قديمة كتبها قبل سنوات، ليس ليعيد نشرها، ولكن ليكتشف ويعرف كم بقي منها في داخله.. ويستمر الكتاب في الكتابة، لأنهم عرفوا بقدر أوسع علاقة مختلفة مع اللغة والكلمات، ووجدوا فيها طريقتهم المثلى لقول أفكارهم.. ولعل إجابة الكاتبة جوان ديديون تلخص كثيرا من المقولات حول سؤال لماذا نكتب، فهي مثالية لأن كل شيء متصل بما نفكر به سواء في الوعي أو اللاوعي.. فهاهو الروائي الكبير ماركيز الذي يقول: “ أكتب كي لا أموت “ وكافكا حين يقول: أكتب لأحطم البحر المتجمد في داخلي “ وأرويل عندما قال (بتصرف): أكتب لأكتشف الكذب والحقائق”  يتشابهون ويتفقون مع فكرة جوان، في أن الكتابة اكتشاف، وأننا لا نكتب دائما لأننا نعرف، بل لأننا لا نعرف.. وليس لأن المعنى مكتمل داخلنا ، وإنما لأننا نبحث عنه بين الكلمات . لماذا نكتب؟ ينبغي أن يكون لكل كاتب إجابته الخاصة، بعيدًا عن كل هذه المقولات الشائعة فهو سؤال تكمن أهميته في إنه شخصي جداً، ومتصل بتجربة الكاتب، ويبنى عليه غالبا ما يكتب.. * كاتب صدر له : في كل مكان ، من كل شيء وهناك من يكمل شيئا فيك