متى تصبح قراءة «هيجل» إضافة للوقت ؟

عبث القراءة.

هل هناك عبث في القراءة؟ ربما. ولقد استعاذ نبينا عليه الصلاة والسلام من علم لا ينفع. ولا شك أن القراءة باب من أبواب العلم، لكن العلم بالشيء ليس نافعًا دائمًا بالقدر نفسه؛ فقد ينفع قليله ولا ينفع كثيره، وقد ينفع في وقت ولا ينفع في آخر، وقد ينفع قارئًا ولا ينفع غيره. بل قد يكون الجهل ببعض الأشياء أقل ضررًا من معرفتها، فضلًا عن العمل بها، وهذا باب آخر. والقضية، بعد ذلك، نسبية بين قارئ وآخر، وبيئة وأخرى. والأمثلة على ذلك كثيرة: لا ينفعني أن أقرأ رواية لنجيب محفوظ في غرفة انتظار في مكان عام مثلًا، وقد تكون قراءة هيجل وفلسفته إضاعة للوقت إن كنت لا أفهم الفلسفة أو لا أبالي بها أصلًا، وقد تكون قراءة كتاب صغير في موضوع يشغلني أفضل من ذلك بكثير. والأمثلة بعد ذلك كثيرة، يجدها كل قارئ في نفسه، بين ما يشغله من عمل، وما يناسبه من قراءة، وما يستحوذ على اهتمامه من معارف وتجارب. ولعلي ممن يعانون من عبث القراءة، أو لنقل: قراءة الأقل فائدة، بالنسبة إليّ، مع وجود الأكثر فائدة. إنها غواية العناوين أحيانًا، والبحث عن الأسهل في أحايين أخرى، والرغبة الآنية في معرفة شيء ما: فكرة، أو شخصية، أو حادثة... دون تفكير في الأولويات المعرفية، أو تقدير للوقت الذي تستهلكه عملية القراءة وكتابة المراجعات على الهامش، وهذه هواية أخرى، أو التوقف قليلًا أو كثيرًا لمحاولات الفهم والاستدراك. في شهر أغسطس الماضي قرأت روايتين: «لا تقولي إنك خائفة» لجوزيه كاتوتسيلا، و«ليالي الوباء» لأورهان باموق. وأعدت قراءة «أولاد حارتنا» لنجيب محفوظ، بعد قراءة كتاب أ. محمد شعير عن تاريخ هذه الرواية المشكلة، أو سيرتها الذاتية كما جاء في غلاف الكتاب. وأعدت قراءة سيرة مصطفى صادق الرافعي التي كتبها محمد سعيد العريان، ومذكرات نجيب الريحاني ومحاولاتي فهم بدايات المسرح الكوميدي في مصر عبر رائد من رواده الأوائل، و«أطياف من حياة مي زيادة» لطاهر الطناحي، مع كتابه الآخر عن الساعات الأخيرة من حيوات بعض العظماء في الشرق والغرب، بمقدمة كتبها عباس العقاد. وفي الهامش مررت على «ويكيبيديا» بحثًا عن موضوعات مختلفة، وتساءلت رفقة الذكاء الاصطناعي عن أشياء أخرى. ولا يظنن أحد أنني قارئ متبحر أو حصيف، أو «دودة كتب» كما يقال. فقد تمر الأيام دون أن أفتح كتابًا أو أطالع شاشة، لكن هكذا جرت المقادير في شهر أغسطس، ولعل لحرارة الأجواء ليلًا ونهارًا نصيبًا من توفر مزيد من الأوقات أمكن شغلها بالقراءة المتنوعة. ما الذي استفدته، وما الذي خسرته؟ استفدت معلومات كثيرة؛ بعضها صحيح، وبعضها أمكنني التحقق من عدم صحته، وبعضها مما يفيد العلم به، وبعضها الآخر مما لن أحزن على نسيانه. وبعضها، فيما لو تأكد، لغيّر بعض القناعات في نفسي وغيّرني. وأنا أحب أن أتغير بعد أن أقرأ؛ فالقارئ المتغير في قناعاته أفضل من القارئ الثابت على فكرة واحدة دون مبالاة بجديد المعلومات والتجارب. واستفدت ابتعادًا نسبيًا عن مخالطة الناس أكثر مما ينبغي، ومصاحبةً للكتاب أقل مما ينبغي. ثم تبقى قضية الوقت الذي صرفته على الكتب التي قرأتها. وبحسبة بسيطة بين القراءة وبقية الأنشطة التي مارستها في شهر أغسطس، فإن نصيبي من القراءة لم يتجاوز خمسة في المئة من مجموع ممارساتي الإنسانية خلال شهر كامل. ولأذكر هنا بمعلومة جميلة، وهي أن مصطفى صادق الرافعي كان يقرأ ثماني ساعات يوميًا، ولعل عباس العقاد كان قريبًا من ذلك في شغفه بالقراءة. ومؤخرًا أصبحت أتساءل حينما أقرأ رواية: هل مبدعها يقرأ كثيرًا قبل أن يكتب أم لا يفعل؟ وأعرف أن نجيب محفوظ وأورهان باموق، وهما من حملة نوبل في الأدب، كانا قارئين واسعي الاطلاع قبل أن يسطرا روايات تجلب إلى حس القارئ المتعة والمعرفة معًا. عبث؟ ربما. لكن عليّ الاعتراف بأنه عبث جميل، وأحب أن أمارسه بقية شهور السنة، مع اعتماد فقه الأولويات: ما يجب قراءته الآن، وما يمكن الانتظار لقراءته لاحقًا، وما لا يجب قراءته على الإطلاق؛ أي ما يناسبني كقارئ، وما لا يناسبني كقارئ أيضًا. لنقرأ، ولنمارس عبثنا الجميل بحواسنا كلها، ولنقرأ في قادم الأيام أكثر، مفكرين وباحثين ومستمتعين بوقت صرفناه في علم ينفع، وغذاء قلب وعقل يفرح ويُشبِع.