المقعد الغائب.
على مدى الأعداد الثلاثين الماضية من « »، اقتربنا من ملفات ثقافية عديدة، ناقشناها مع القائمين عليها: بيوت الثقافة، الشريك الأدبي، معارض الكتاب، القناة الثقافية، والجمعيات الأدبية الجديدة... وغيرها من القضايا التي تشكل المشهد الثقافي الجديد. ومع كل ملف، كان ثمة سؤال يتردد في الخلفية: أين موقع الخبير الثقافي في صناعة هذه المشاريع؟ كان هناك مقعد غائب عن مكاتب وزارة الثقافة والهيئات التابعة لها، ولو أنه كان حاضرا على نحو أوسع، فربما لم يتأخر بث المرحلة الجديدة من القناة الثقافية، على سبيل المثال، ولم يطل تعثر مشاريع هيئة الأدب في إحياء المجلات الثقافية. إنه مقعد «الخبير»، ابن التجربة الثقافية الذي يدرك ساحته من الداخل، وعاش تحولاتها، وخبر تفاصيل العمل الثقافي فيها. هو الذي كان، قبل نصف قرن، يطالب بإنشاء البيوت الثقافية حين لم تكن الفكرة قد وجدت طريقها إلى المؤسسات، وهو الذي كان يفاوض مدير القناة الأولى لانتزاع مساحة لبرنامج ثقافي في فترة السهرة، وهو الذي كان يدير المؤسسة الثقافية بميزانية متواضعة، ويصنع منها برنامجا يمتد طوال العام. وقد بدا ملتقى «نالا» الأخير مثالا على ما تصنعه الخبرة حين تحضر، فقد استقطب المشهد الثقافي وفاق حضوره تظاهرات كبرى، وربما لم يكن ذلك بسبب برنامج الملتقى فحسب، وإنما أيضا بفضل وجود خبرات تعرف المشهد وتقرأ جمهوره. مقعد الخبير لا ينبغي أن يظل غائبا عن مؤسساتنا الثقافية الجديدة.