رجل يُدعى زيغلر..

قصة قصيرة: هرمان هيسه كان هناك ذات مرة شابٌ يُدعى زيغلر، كان يقطن في شارع “براور”. زيغلر يُعتبر من أولئك الفتيان الذين نصادفُهم في كل حين وآن، في غدوّنا ورواحنا، غير أنّنا لا نكادُ نتبيَّن ملامح وجهِه، إذ هو يُشبه سائر الوجوه، شبهًا يكاد يذيبه في ملامح جماعية واحدة لا يتميز فيه أحد عن سواه. كان زيغلر يفعل كلَّ ما يفعله أمثاله، ويعيش عيشتهم. لم يكن بلا موهبة يُشار إليها، لكنه لم يكن كذلك ذا موهبة تُذكر. أحبّ المال حبًّا جمًّا، وكان مولعًا باللهو وطيب العيش، محبًّا لارتداء فاخر الثياب الأنيقة، وكان مع ذلك جباناً بمقدار ما يكون عليه أكثرُ النَّاس. كانت مسيرة حياته وسائر أفعاله في الأغلب محكومةً بالنواهي والمحاذير، بل كانت تخضعُ في المقام الأوّل للمحظورات والممنوعات، وتُساق بمخافة العقاب من الجزاء. وفي الوقت ذاته كان يتحلّى بجملة وافرة من الخصال الكريمة والمزايا المحمودة؛ وكان، في المحصّلة النهائية، وعلى الرغم من كل ما تقدّم، رجلاً سويّ الطبع، يأنس إلى ذاته، ويرى فيها من الحُسن ورفعة الشأن ما يبعث على الرضا والاعتداد. كان يعتقد، شأنه في ذلك شأن سائر الناس، أنّه كائنٌ متفرّد، بينما كان في واقعِ الأمر نموذجاً نمطياً شائعاً لا يتميّز عمن سواه. زيغلر يؤمنُ بأنّ حياته ومصيره محطُّ أنظار الكون بأسره، ومدار اهتمام الوجود قاطبةً، كما يتوهّم كل امرئ، ولم تكن الشكوك لتطرق عليه أبواب يقينه إلا قليلًا، ؛ فإذا ما ناهضت الوقائعُ تصوّراته عن الحياة، أو جاءت شهادة الواقع مناقضةً لما استقرّ في ذهنه من آراء، أغمض عينيه عنها إغماضَ المعرض المستنكر. زيغلر، بوصفه ابن هذا العصر الحديث ووليد روحه، يكنّ في أعماق فؤاده إِجلالاً لا حد له، لا لسُلطان المال فحسب، بل لتلك القوة الفاعلة الأخرى المتمثلة في شأْن العلم وسطوته. بيد أنه، على الرغم من هذا التبجيل المفرط، ما كان بمقدوره أن يُفصح عن كنه العلم وحقيقته الجوهرية. فإذا ما جال بخاطره ذكر العلم، أو خطر بباله أمره، تصوّر شيئاً شبيهاً بالإحصاء المعقّد وقليلاً من علم الجراثيم والبكتيريا. لقد كان على دراية تامَّة بما تُغدقه الحكومات من جزيل الأَموال، وما تُسبِغه من تكريم وتشريف وألقاب فخر على صروح العلم ومباحثه الشريفة، وعلى وجه الخصوص، كان يوقر أبحاث السرطان ويُجلّها إجلالاً عظيماً، إذ إن والده قد قضى نحبه ضحية لهذا الداء العضال الخبيث، وكان زيغلر يفترض، بل يوقن، أن هذا العلم، الذي قطع في هذه الأثناء شوطاً بعيداً من التقدم والارتقاء، وأحرز منجزات هائلة في ميدانه، لن يأذن بأن يتكرر المصير ذاته في شخصه، ولن يسمح بأن يحلّ به ما حلّ بأبيه من بلاء وفناء. وأما هيئتُه ومظهرُه الخارجي، فقد سعى زيغلر جاهداً إلى أن يتميز ويبرُز بين أقرانه، فيرتدي من الثياب ما يجاوزحدود طاقته المالية وإمكاناته الاقتصادية، ويحرص أشدّ الحرص على أن يواكب دائماً الموضة الخاصة في كل عام، تلك التي تُعدّ عنوان الرقيّ في دائرة تلك السنة. أما التقليعات العابرة الَّتي تظهر شهريّاً أو موسميّاً، فقد كان يزدريها ازدراءً شديداً، وينظر إليها بعين الاحتقار والاستخفاف؛ إذ إن مجاراتها كانت سترهق جيبه، وتستنزف موارده، ولذلك كان يراها مجرد تصنّعٍ أحمق وتكلّف سخيف لا يليق بذوي العقول الراجحة. كان فوق ذلك، يُكن تقديراً عظيماً للنزاهة والاستقامة، ولا يجد في نفسه حرجًا من صبّ اللعنات والشتائم على رؤسائه في العمل أو حكومات بلاده، غير أنّ جرأته تلك لم تكن لتتجلّى إلا في مجالس الأصدقاء، وفي المواطن التي يشعر فيها بالأمان والاطمئنان. ولعلّي في الحقيقة قد أطلتُ الوقوف عند هذا الوصف أكثر مما تقتضيه الحاجة، غير أنَّ زيغلر كان، في حقيقة الأمر، فتى بهي الطلعة، عذب المعشر، وكانت خسارته خسارةً لنا جميعاً. ولقد جاء أجله مبكراً، على نحو غريبٍ، قوّض كلّ خططه التي رسمها، وأجهض كلّ آماله المشروعة التي كان يعلّقها على مستقبلٍ زاهرٍ مشرق. وفي وقتٍ ما، بعد أن حلّ بمدينتنا بزمنٍ يسير، عزم على أن يُمتّع نفسه بنزهة كاملة تستغرق يوم الأحد بأسره، فيخرج في نزهةٍ أو يطوف بالمعالم طلباً للمتعة والترويح عن النفس. غير أنه لم يكن قد وجد بعد الرفاق المُناسبين الذين يأنس بصحبتهم ويُؤانسونهُ في رحلته؛ ولا كان قد انتمى إلى نادٍ من الأندية، إذ اعتراه التردد في اختيار أيِّها أوفق بمزاجه، وألصق بطباعه، ولعلّ في ذلك مكمن شقائه ومصدر نكبته. فليس من الخير للمرء أن يكون وحيداً، ولا أن يظلّ منفرداً بمعزلٍ عن الأقران. وهكذا لم يبقَ أمامه من سبيلٍ إلا أن ينطلق وحده في جولة سياحية استكشافية، فأخذ يسأل بعناية ودأب عما يستحقّ المشاهدة في المدينة، ويستقصي المعالم الجديرة بالزيارة والاعتبار. وبعد تأمل وتدبّر متأنّيين، استقرَّ رأيه على أن يزور متحف الآثار والتاريخ، ثم حديقةَ الحيوان. كان الدخول إلى المتحفُ مفتوحًا للزائرين مجَّانًا في صباحات يوم الأحد، بينما كانت حديقة الحيوان تفرض على روادها أجراً مخفّضاً في أوقات ما بعدَ الظهيرة. انطلق زيغلر، وقد اكتسى بحلَّته الجديدة التي يخرج بها إلى الطريق، ولفَّ حول عنقه وشاحًا عزيز على قلبه، قاصدًا متحف التاريخ في صبيحة يوم الأحد، وقد اصطحب معه عصاه الرقيقة الأنيقة التي اتّخذها زينةً لهيئته وعنوانًا على ذوقه؛ عصًا مربّعة المقطع، مصقولةً بلون أحمر لامع، كانت تضفي على مشيته مسحةً من الوقار، وتكسو مظهره شيئًا من التميّز والاعتداد، حتى ليخيّل للناظر أنّه رجلٌ ذو شأن، رفيع المكانة. غير أنّه ما لبث أن اعترضه ما كدّر صفوَ ذلك الاستعداد وأفسد عليه بعض بهجته؛ إذ حال الحارس بينه وبين إدخال العصا إلى قاعات المتحف، وألزمه أن يودعها في خزانة الأمانات. في تلك القاعات الفسيحة ذات الأسقف الشاهقة، والفضاء الرحب الكثيرُ ممَّا يستحقُّ المشاهدة، كان ثمة فيض هائل مما يستوقف البصر ويأسر اللب، هناك وقف الزائر التقيُّ الوقور، يُسبِّح بحمد القوة القاهرة التي تتمتع بها البحوث العلمية الجبّارة، تلك القوة التي كانت مآثرُها بادية للعيان، وهذا ما أدركه زيغلر من خلال البيانات المطبوعة المثبتة على واجهات خزائنِ العرض الزُّجاجيَّة. بل إن تلك الأوصاف الرنانة قد حوّلت الأنقاض البالية والأشياء التافهة — من مفاتيح صدئة مهترئة، وعقود نحاسية مكسورة متداعية، وما شاكلها من حطام الأيام الغابرة — إلى تحفٍ مدهشة تثير الإعجاب، وتستحق التأمل والإجلال. يا لها من روعة أن ترى كيف يعتني العلم بكل تلك الأشياء! وكيف يُحكم سيطرته على كل شيء، وكيف يُتقن تدبير الأمور كلها ويُمسك بزمامها بإحكام لا يُضاهى! أجل، لَا ريب أَنَّه سيجدُ عمَّا قريبٍ دواءً ناجعًا لداء السَّرطان العُضال، بل لعلَّه سيقضي على الموت ذاته قضاءً مُبرمًا لَا رجعَة فيه. وفي القاعة الثانية وقع نظره على واجهة زجاجية كان صقيل زجاجها يعكس صورته عكسا باهرا إلى الحد الذي تمكنه من أن يتفقد هندامه وقصة شعره وياقته وكسرات بدلته وربطة عنقه، بعناية فائقة ورضا غامر، استغرق وقوفه أمامها دقيقة كاملة من الزمن. عندئذ أمكنه أن يتنفَّس الصعداء ويستريح باله، ثم مضى ليؤدي ضربًا من التحية والإجلال لبعض ما خلفته أنامل أولئك النجارين القدامى وصناع الخشب في سالف العصور. وكان يرى، بعين ملؤها حسن الظن والشفقة الرقيقة، أنهم كانوا رجالا غزيري الإنتاج، شديدي الهمة في صناعتهم، وإن لم تسلم عقولهم من سذاجة بدائية وطيبة ساذجة. ثم وقف يتأمَّل ساعة عتيقة ذات قوائم من العاج، تنبعث منها عند طليعة كل ساعة تماثيل صغيرة كأنها ترقص رقصة “ المينويت” في بهاء وتناسق، فأثنى عليها وأسبغ عليها استحسانه. إلا أنه ما لبث أن دب في نفسه ضرب من الملل والسأم، فإذا به يتثاءب مرارا، وأخذ يُخرج ساعته الجيبية تباعا من غير حاجة ماسة إلى ذلك، تلك الساعة التي كان يحق له أن يظهرها ويباهي بها بلا تردد أو تحفظ، إذ كانت مصوغة من الذهب الثقيل الخالص، وقد ورثها عن أبيه إرثا كريما. ولما لاحظ — ويا للأسف — أن وقت الغداء لا يزال بعيدا، وأن أمامه فسحة واسعة من الزمن، فآثر أن يلج قاعة أخرى شاء له حسن الطالع أن تبعث في نفسه من جديد جذوة الفضول وتسترد له اهتمامه المتبدد. وإذا بها قاعة حافلة بذخائر من خرافات العصور الوسطى، من كتب السحر والشعوذة، والتمائم والتعاويذ، وأزياء الساحرات وملابسهن الغريبة. وفي ركنٍ من أركان تلك القَاعَةِ امتدّت وِرْشَةٌ متكَامِلَةٌ مِنْ وِرَشِ الخميمياء القديمة، حافلةٌ بشتى الأدوات والمواد: من محلول الخلٍّ، وهاونٍ ثقيل، وأنابيبَ اختبارٍ شفافة، ومثاناتِ خنزيرٍ مجفّفةٍ منكمشة، ومنفاخٍ مزدوجٍ للنفخ، وسواها من الأدوات الغريبة التي لا تُحصى. وقد فُصل هذا الركن بحبلٍ صوفيٍّ غليظٍ يمتدّ حاجزاً منيعاً، وقد نُصِبت لافتةٌ تحذرُ من مسِّ ما فيها. غير أن الناس قلّما يُدقِّقون في قراءةِ مثل هذه اللافتاتِ بعنايةٍ وإمعان. زيغلر كان وحيداً في تلك الحجرة لا يشاركه أحد. مدّ ذراعه — دون رويّةٍ أو تفكير— فوق الحبل الصوفي، وأخذ يلامس بعض تلك الأشياء الغريبة العجيبة بأصابعه. لقد سمع وقرأَ الكثير عن العصورِ الوسطى وما ساد فيها من الخرافات الغريبة والعقائد الشاذة، ولم يكد يُدرك كيف تسنّى لأبناء تلك الحقبة الغابرة أن يشغلوا أنفسهم بمثل تلك الترهات الصبيانية، وتساءل، لِم لم تُحظر الساحرات وسائر تلك الضلالات المجنونة حظراً باتاً يقطع دابرها؟ رأى زيغلر أنَّ الخيمياء القديمةَ كان لها من الأعذار ما يُسوِغها ويُبرِّرها، لأنها أدت إلى ولادة علم الكيمياء الحديث الذي غدا من أنفع العلوم وأجلّها قدرًا. ويا إلهي! لو تأمّل المرء في الأمر ملياً، وأمعن النظر في مجاريه، فلعلّ بوتقة صانع الذهب، وكلّ تلك الخزعبلات السحرية السخيفة والتُّرّهات السحرية العابثة، لربَّما كانت ضرورةً لا بدّ منها، ومرحلةً لا غنى عنها في مسيرة المعرفة. وإلا لَما كان لنا اليوم — لا من الأسبرين — ولا من القنابل الغازية نصيب! ومن غير أن يُعير ما يفعلُه أدنى تفكير، تناول زيغلر بكفه حبَّة صغيرةً، كروية الشكل، متناهيةً في الصِّغَر، أشبهَ ما تكون بحبّةِ دواء، كانت يابسةً خفيفةً لا وزن لها. أخذ يُقلّبها بين أنامله متأمّلاً، وما إن همّ بأن يضعها من يده ويُعيدها إلى مكانها، إذ سمع وقع خطواتٍ من خلفه. التفت، فإذا بزائرٍ آخر قد ولَج القاعةَ للتوّ، عندئذٍ داهم زيغلر خجل وارتباك؛ فقد أدرك أنه لا يزال قابضاً على تلك الحَبَّةَ الصغيرة في يده، إذ كان قد قرأَ يقينًا اللافتةَ التحذيريةَ التي تحظُر مثلَ هذه الأفعال. فما كان منه إلا أن قبض على الحبَّة بيده، ودسّها خُلسةً في جيبه، ثمَّ انسحب مُغادرًا القاعة بخُطًى حثيثةٍ. لم يتذكّر أنه لا يزال يحتفظ بتلك الحبَّةَ في جيبه إلا بعد أن بلغ الشارع. أخرجها ونوى أن يطرحها ويُلقي بها بعيدًا، غير أنه، وقبل أن يُقدم على تلك الخطوة، رفعها إلى أنفه فشمَّها. فلمّا وجد لها عبقًا خفيفًا يُشبه رائحةَ القَطِران، رائحةً غمرت حواسَّه بشيءٍ من السرور الغامض واللذة المطمئنَّة، أعاد تلك الحَبَّةَ الصغيرةَ إلى جيبه. وما لبث بعد ذلك أن قصد مطعمًا، فطلب شيئًا يأكلُه، أخذ بعد ذلك يقلّب أوراق بعض الصحف في فتور، ثم سوّى رِبطةَ عنقه، وأخذ يُلقي النظر على سائر الروَّاد، تارةً بعينِ الإجلالِ والاحترام، وتارةً بعين التعالي والازدراء، بحسبِ ما كانوا عليه من حسن الهندام وبهاء الملبس. ولمَّا استَبطَأَ قُدوم الطَّعام، أخرج زيغلر حبَّة الخيميائي التي سرقها دون قصدٍ ولا تعمُّد منه، فاستنشق رائحتها مجدّدًا، ثم راح يحكَّها بظُفرِ سبَّابته. وأخيراً، غلبته رغبةٌ طفولية عابرة فدفعها إلى فمه، ولم تمضِ سوى ثوانٍ معدودات حتى بدأت تذوب وتتلاشى، ولمَّا كان طعمها غير كريه، ابتلعها مع رشفةٍ من الجعة. وفي أعقاب ذلك مباشرةً، أقبل النادل حاملاً إليه طعامه. في تمام الساعةِ الثانية من ظهيرة ذلك اليوم، وثبَ زيغلر من مقعده في عربة الترام الكهربائية، وقصد مدخلِ حديقة الحيوان، ودفع ثمن تذكرة يوم الأحد، ثمَّ ولج بيت القِردة وعلى محيَّاه ابتسامة ودودة آسرة. وقف أمام القفص الكبير للشمبانزي، فما كان من ذلك القرد الضخمُ إلا أن أطرق بطرفه وغمزه بعينِه، وأومأَ إليه برأسه في دماثةٍ ودعابة، ثم نطق بصوتٍ جهوريٍّ عميق: “كيف حالُك يا أخي العزيز؟” انتفض الزائرُ من مكانه هلعًا، وقد استولى عليه الفزع، وما إن ولّى مُدبرًا حتى سمع القرد يُرسِل خلفه سبابًا وشتائم. “أما يزال هذا الفتى يرفل في جلابيب الكبرياء؟ يا ذا القدم المسطَّحة! يا أحمق!” عندئذٍ اندفع زِيغلر مهرولًا نحو القردة ذات الذيل الطويل، وقد كانَت ترقص بلا قيدٍ ولا حياء وتصرخ في صيحاتٍ مُتقاربةً: “أنعم علينا بقليلٍ من السُّكّر، أيّها الرفيق.” غير أنَّه لمَّا لم يكن في حيازتِه شيءٌ من السُّكَّر، استشاطت تلك القِرَدةُ غضبًا، وأخذت تحاكي هيئتَه في سخريةٍ لاذعة، وينعتونه بالمسكين البائس، وكشّرواُ عن أنيابِهم في وجهِه. لم يستطع زيغلر أن يتحمَّل ذلك، ففرَّ من بيتِ القِرَدة مذهولًا مُضطرب الفكر، واتَّجهَ صوب حظيرة الأيائل والغزلان، وقد كان يُحدِّثُ نفسَه بأنَّ سُلوكها سيكون ألطف وأجمل. وكان ثمَّةَ أيِّل ضخم، عظيم الْهَيبة، بديع الطلعة، واقفًا قرب السياجِ يُحدّقُ في الزائر، في تلك اللحظة بلغ الرعب من زِيغلر غايته القصوى، إذ إنَّه منذ ابتلع تلك الحبَّةَ السحريةَ غدا يفقهُ لغةَ الحيوانات. وكذا كان شأنُ الأيِّل الذي خاطبه بعينيه— تلك العينينِ الواسعتين البنيتين— فكانت نَظرتُهُ الصَّامتَةُ تَشخصُ بجلَالٍ عظيمٍ، ممزوجةً بحُزنٍ كامنٍ، وأفصحت عمّا يُكنّه من احتقارٍ بالغٍ لهذا الزائر، وكم هو أسمى منه وأعلى. بالفعل قَرأ زيغلر في تلك النَّظْرَة الْجليلة الصَّامتة لذلك الأيّل أَنَّهُ ليس في نهاية المطاف سوى هباءً من تراب، ومخلوقٍ هزليٍّ مقزّز مثير للاشمئزاز، حتى وهو متزيّن بقبّعته وعصاه وساعة جيبه وبدلته الأنيقة التي ارتداها ليوم الأحد. فرَّ زيغلر من أمام ذَلِكَ الأَيَّل وتوجه نحو الماعزِ الجبلي، ومنها انتقل إلى حظيرة حيوان الشمواة، ثم إلى اللاما والظبي الأفريقي والخنازيرِ البرية، وانتهى به المطاف إلى الدببة. لم يُوجّه إليه أحد من تلك الحيواناتِ إهانةً صريحة، غير أنها جميعًا أظهرتْ له ازدراءً لا يخفى على ناظر. أصغى زِيغلر إلى ما يتحاورون به فيما بينهم، فعلِم من فحوى أحاديثهم ما يُضمرونه من رأيٍ في جنس البشر، وكان ما استشفّه من رأي بدا أمراً مُروّعًا لا يُطاق سماعُه. غير أن أشدّ ما أثار دهشة تلك الحيوانات واستغرابها أن يُسمح لهذه المخلوقاتِ القبيحةِ، ذاتِ الرائحة النَّتنة، الحقيرة التي لا وزن لها، هذه الثنائيّةَ الأرجل، أن تجول حرّةً طليقةً في الأرض، متلفِّعةً بتلك الأزياءِ السخيفةِ الهزليّة. بعد ذلك سمع أسداً جبلياً “البوما” يُحاوِر شبلَهُ بحديثٍ يفيضُ وقاراً وحكمةً موضوعيةً، قلّما سمع بمثلها في مجالس البشر أو عرف لها في كلامهم نظيراً. كما سمع نمرًا جميل الطلعة يُعلِّقُ على حشد من زوَّار يوم الأحد، فجاءَ تعليقُهُ مُوجَزاً بليغاً، نافذ العبارة، وكأنما كان يتعامل مع اللغة تعاملاً أرستقراطياً لا يعرف الإسراف ولا الابتذال. بعد ذلك حدَّق مباشرةً في عينَي الأسد الأشقر المهيب، فأدرك عظمةَ العالم البرِّي وجلاله، حيثُ لا قفص يُقَيد ولا إنسان يُدنِّس الحريَّة. ثم أبصر صقرًا جاثمًا على غصنٍ يابسٍ ميت، يجمع في هيئته الغريبة بين حزنٍ نبيل وكبرياءٍ شامخ، وقد استولى عليه خمول كئيب، ورأى أيضًا طيور الزَّرزُور الأَزرق تصمد وتتحملُ أَسرهَا في مهابةٍ؛ فلا جزع ولا تذلّل، بل كرامة صامتة، وهزّة كتفين تنمّ عن استخفافٍ ساخر. وفي غمرة اليأْس، مذهولاً مُقتلعاً من جذور تفكيره المألوف، عاد زيغلر يبتغي الملاذ عند بني جلدته. بحث عن نظرةٍ تُفصح عن فهمٍ لحيرته وقلقه، وأنصت إلى أحاديثهم خلسةً، متلهفاً إلى أن يلتقط من بين ثنايا كلامهم كلمةً واحدةً فيها عزاء، أو عبارةً قابلة للفهم، أو قولاً يرمّم شيئاً مما تهدّم في نفسه، ويمنحه قبساً من الطمأنينة. أخذ يتأمل سلوك الزوَّارِ الكثيرينَ الذين غصّت بهم حديقة الحيوان، محاولاً أن يعثر في حركاتهم ومواقفهم على أمارات الوقار، ودلائل سموّ الخُلق، وشواهد النبل، فإِذا به يُصاب بخيبة الأَمل. سمع أصواتهم وكلماتهم، وشاهد حركاتِهم وإيماءاتهم ونظراتهم، غير أنه، وقد أصبح ينظر إلى كل شيء بعين الحيوان، لم يرَ في ذلك الحشد البشري إلا مجتمعاً متكلّفاً متصنّعاً، كاذباً قبيحاً، من مخلوقاتٍ غريبةٍ بدت له أشبه بمزيجٍ هزليّ شاذّ من ضروبٍ شتى من الوحوش والبهائم. راح زيغلر يهيمُ على وجهه في كلّ اتجاه، مُضطرب الخُطى، مُهتزَّ الأعصاب، وهو يحسُّ في أعماقه بخزيّ دفين يعتصر قلبه ويُثقل نفسه. وكان قد نبذ عُكازه ذا المقطع المربّع منذ حين بين الشجيرات، ثمَّ أَتبعهُ بقُفَّازيه، غير أنَّه حين نزع قُبَّعته عن رأْسه، وخلع حذاءهُ، ومزَّق رباط عُنقه، ارتمى باكيًا علَى سياجِ حظِيرة الأيائل، أَثَار نحيبه المرير ضجَّة عارمةً. تم القاء القبضُ عليه، ومن ثمَّ انتهى به المطافُ إلى مصحة للأمراض العقلية. *أديب الماني. **كاتب ومترجم سعودي.