صائد الجوائز وحــاصــد الألقـــاب

لا تُقرأ رحلة فهد ردة الحارثي بعدد النصوص التي كتبها، ولا بعدد المنصات التي صعد إليها، بل بمقدار ما تركته كلماته من أثر في ذاكرة المسرح. فهو كاتب لم يتخذ الخشبة مكانًا للظهور، وإنما اتخذها مكانًا للرؤية؛ يطل منها على الإنسان، ويصغي إلى ارتباكه، ويصوغ من قلقه سؤالًا، ومن ضعفه موقفًا، ومن صمته كلامًا لا ينتهي بانطفاء الأنوار. منذ أن أضاء «الفنار» في وجه العتمة، أدرك أن كل نص هو «البروفة الأخيرة» لحقيقة قد لا تمنحنا الحياة فرصة أخرى لقولها. لذلك لم يتعامل مع المسرح بوصفه «لعبة كراسي» يتزاحم فيها العابرون على مقعد الشهرة، ولم يسمح لـ«المحتكر» أن يغلق أبواب المعنى أو يستأثر بالضوء. كانت الخشبة لديه «بازار» الإنسان؛ تتجاور فيها الأحلام والخيبات، ويهب عليها «عصف» الأسئلة، فيما يقف «الناس والحبال» في مواجهة أزلية بين إرادة التحرر وسطوة القيود. كتب فهد من قلب «حالة قلق» خلاقة؛ فالطمأنينة الطويلة لا تصنع فنًا، والكاتب الحقيقي لا يتوقف عن البحث والتجربة ويتجلى في الكتابة في كل ساعة ملهمة. لذلك وسّع أفق تجربته، ومنح الطفل مكانه المستحق في مشروعه؛ فركض خلف «كتكت والثعالب»، وأصغى إلى «حكايات السيد فهمان»، وردد مع الصغار «نحن هنا»، ثم بسط لهم «بساط الريح» ليعبروا حدود الممكن. وحتى في «صمت المكانس»، ظل قادرًا على استخراج الكلام من الأشياء التي نظن أنها بلا صوت. ومع «رحلة الكشاف ميمون» كان يكتشف، في كل مرة، أرضًا جديدة للدهشة. وحين كان الواقع «يوشك أن ينفجر»، لم يهرب منه إلى الزينة، بل اقترب من شظاياه وحوّلها إلى مشهد. كان يعرف أن «العرض الأخير» وهم؛ فالمسرح يولد كلما وقف ممثل أمام متفرج، وتولد الكلمة كلما وجد «أبناء الصمت» شجاعة الإفصاح عنها. ثم بدأت النصوص رحلتها الأوسع. لم يعد «سفر الهوامش» سفرًا من أطراف المشهد فحسب، بل أصبح عبورًا إلى قلب المسرح العربي. وحين حلّ «عندما يأتي المساء»، لم تنطفئ أعماله، بل شرعت في «رحلة بحث» عن جمهور جديد وقراءة جديدة وخشبة جديدة. وفي كل مدينة كانت النصوص تقول لمن استقبلوها: «كنا صديقين» قبل أن نلتقي؛ لأن الفن يسبق التعارف ويختصر المسافات. في عالمه «المحطة لا تغادر» مسافريها، بل تبقى فيهم أثرًا وحنينًا. و«الجثة صفر» ليست نهاية بقدر ما هي بداية للتحقيق في معنى الوجود، أما «مساحة بوح» فهي وطن صغير لكل صوت ضاق به الكتمان. وحتى عبارته الساخرة «زبن خليك رجال» لا تقف عند ظاهرها الشعبي، بل تفتح الباب لمساءلة صور القوة والبطولة والهشاشة التي يصنعها المجتمع. ولأن الكاتب يرى ما وراء الواجهة، فقد سأل الجمال: «يا ورد مين يشتريك»، ثم لاحق عالمًا بدا «بعيدًا عن السيطرة»، من دون أن يفقد قدرته على الإمساك بخيوطه. جعل المتلقي «صديقنا المحبوب»، وحين «شدّت القافلة» رحالها، مضت نصوصه معها إلى مسارح ومدن متعددة، تحمل اسمه من فضاء إلى آخر، وتعود إليه محملة بالجوائز والتقدير. لم تكن مسيرته خطا مستقيما، بل «تشابكًا» جميلًا بين التجربة والمغامرة، وبين المحلية والأفق الإنساني. وضع علامات «تنصيص» حول التفاصيل التي نعبرها عادة بلا انتباه، وفتش في «تفاصيل الغياب» عما يفضح حضورنا الناقص. فتح «ملف إنكليزي» من دون أن يتخلى عن لغته وهويته، وظل «ساكن متحرك»؛ ساكنًا في وفائه للمسرح، متحركًا في أدواته وأسئلته. وحين ظن البعض أن المسيرة بلغت «نقطة آخر السطر»، خرج النص ليقول: «أريد أن أتكلم». أطلّ «شروق مريم» من نافذة الحكاية، وانبعث «ضوء» جديد من قلب التجربة، ثم جاءت «شربكة» لتبرهن أن الفوضى الفنية لا تنجح إلا إذا قادها عقل يعرف كيف يرتب الخيوط. وأخيرًا حمل «الناعشون» نصه إلى منصة عربية كبرى، فعادوا به متوجًا؛ في مفارقة بديعة جعلت عنوان الموت شاهدًا على حياة الكاتب وتجدد حضوره. لهذا يستحق فهد ردة الحارثي وصف صائد الجوائز وحاصد الألقاب؛ لا لأنه يطارد التكريم، بل لأن نصوصه تعرف الطريق إليه. إنه لا يكتب ليملأ رفًا، وإنما ليملأ فراغًا في الوعي، ولا يضع كلمته على الخشبة لتصفق لها الأيدي لحظة، بل لتظل بعد التصفيق قادرة على إيقاظ السؤال. تلك هي جائزته الأهم: أن ينتهي العرض، ولا ينتهي أثره. * كاتب ومخرج مسرحي وسينارست