“ساكن، متحرك” دليل الإجابة..

الحارثي وسؤال المسرح: كيف يمكن أن يكون مسرحا؟

أن تقرأ فهد ردّة الحارثي يعني أنّك في تلك المنطقة من النصوص المسرحية التي لا توصي بقراءتها إبداعًا فحسب، إنما توصي بقراءتها نقدًا مسرحيًّا كامنًا “كمون النار في حجر الصوان” في متن المنجز الإبداعي، إذ هي تنتقل من “كتابة المغامرة” إلى “مغامرة الكتابة”، ومن ثمّ فهي تُقدّم الدراما مُفكَّرًا فيها. إنها تستعيض عن كلّ وضعية “ديونيزية” (نسبة إلى ديونيزوس) من شأنها محاكاة المأساوي مثلما هو السائد في رابع الفنون، لترتحل إلى وضعية “نرسيسية” (نسبة إلى نرسيس) حيث يتحوّل معها المسرح إلى موضوع للمسرح عينه: محاكاة الفنّ لذاته على نحو “مرآويّ” حيث يخترع خطابه النقدي من داخله دون حاجة إلى نقاد، وتتصادم الرؤى والشعريات والنظريات المسرحية على ألسنة الشخصيات في مقام هو مقام “مسرحة المسرح”. هذا ما تشير إليه بشكل مباشر مسرحية “ساكن، متحرك”. إنّ المأساوي الذي يفيض بقوّته في هذا النصّ هو ليس مصائر الشخصيات المسرحية، وهو ليس خرافته، وهو ليس حبكته، بل هو تلك المنطقة المريعة التي تفضحها الأسئلة التالية: كيف يحدث المسرح؟ ومن يصنعه؟ ومن يمتلك سلطة توجيهه؟ ومن يسيطر أكثر على لعبة صناعة العرض المسرحي؟ نحن الآن إزاء مسرح يُمسرح نفسه، مسرح يجعل ذاته موضوعًا للفرجة إذ لا يدخل الممثل إلى الخشبة كي يؤدي شخصية مكتملة، إنما ليحاكي وضعيته المتعلقة بمسار “البروفة” أو التمارين المسرحية، وينكشف ذلك منذ الوهلة الأولى من مخاطبته الإضاءة وإمكانات التحكم فيها: إن المسرح يفضح أجهزته منذ الأسطر الأولى للنصّ، ولم يكتف بذلك بل امتدّ إلى مساءلة الكتابة ذاتها حيث تمّ وضع العلاقة بين الشخصية المسرحية والكاتب/ المؤلف موضع صراع بتحوّل السلطة من قبضة القلم إلى قبضة المؤدّي لأنّ النصّ لم يعد نصًّا مقدَّسًا جاهزًا بل مشكوكًا فيه من قبل الممثل. على غرار لويجي بيرانديللو في رائعته “ستّ شخصيات تبحث عن مؤلف”، يتوغّل الحارثي في نصه ليمنح الشخصية المسرحية الحقّ في مناقشة بناء باقي الشخصيات مشيرًا إلى تفاوت حضور البطلة والبطل حيث تمتلك الأولى قدرة على السرد بينما يبدو الثاني بلا ملامح واضحة، أقرب إلى ظل لها. إنّ الشخصية هنا ليست مجرد كائن مكتوب، بل قارئة للنص الذي أنشأها. وهذا ما يجعلنا نقرّ بأننا أمام حركة انعكاسية: فالمؤلف يكتب الشخصية، والشخصية تقرأ المؤلف، والممثل يقرأ النص، والمسرح يقرأ آليات إنتاج المسرح. على النحو نفسه من هذا السكن الجمالي الذي ضرب بأوتاد خيمته فيما يطلق عليه بالمسرح الانعكاسي، سوف ينتقل الصراع ويمتد بين الشخصية/ الممثل والمخرج المسرحي، إذ وبشكل فارق لم نعد نقرأ عن مأساة تمّت محاكاتها وأنتجت تصادماً مريعًا ساهم في تنمية الأحداث المسرحية، بل نقرأ عن مأساة مغايرة هي مأساة المسرح عينه حيث يطرح نفسه مُمزقًا بين الرؤى والشعريات المسرحية من جوردن جريك إلى بيتر بروك ومنهما إلى جاك لوكوك. إنّ نصّ “ساكن، متحرك” بمسرحته للمسرح من خلال جعله المؤلف والممثل والمخرج والنص والصوت والضوء والفضاء عناصر ظاهرة داخل العملية المسرحية وتحوّل العلاقات بينها إلى مادة للصراع والتساؤل، هو نصّ لا يكتفي بتقديم الدراما، بل يُقدّمها مُفكَّرًا فيها أيضًا، ولذلك فهو يوصي بقراءته إبداعًا ونقدًا في الآن نفسه من شرط القراءة. لم يعد السؤال الذي ننتمي إليه: “ماذا يمكن للمسرح أن يقول؟”، بل تطور إلى سؤال آخر: كيف يستطيع المسرح أن يكون مسرحًا؟ نعم، إذا كان المسرح في شكله السائد عوّدنا على سؤال: ماذا نمثل؟، فإن “ساكن، متحرك” على غرار نصوص عالمية فارقة دفع بهذا السؤال إلى منطقة أخرى من الأسئلة: كيف نمثل؟ ومن الذي يملك حق التمثيل؟ وما الذي يحدث للنص عندما يصبح عرضًا؟ وأن يُمسرح المسرح نفسه يعني أنه يجعل من كينونته الخاصة موضوعًا للفرجة؛ أن يكشف عن اللامرئي: ما يخفيه العرض عادة، وأن يحوّل أدوات إنتاجه إلى عناصر درامية، وأن يسمح للممثل والنص والمخرج والمؤلف والفضاء والصوت والضوء بالدخول في علاقة مساءلة متبادلة. إنّه بالكاد نقد كامن في تخوم الكتابة الإبداعية. * كاتب وباحث في العلوم الثقافية وناقد مسرحي- تونس