أليس لم تعد تعيش هنا ..

فيلم لسكورسيزي لا يشبه أفلامه الأخرى.

قد لا يكون فيلم مارتن سكورسيزي الكوميدي الدرامي Alice Doesn’t Live Here Anymore، الصادر عام 1974، من الأفلام التي تتبادر فورًا إلى الذهن عند ذكر اسم المخرج. فهو بعيد إلى حد كبير عن أفلام العصابات والاقتباسات الأدبية التي سيشتهر بها سكورسيزي لاحقًا. يروي الفيلم حكاية أليس، التي تؤدي دورها إلين برستين، وابنها تومي، الذي يجسده ألفريد لوتر، وهما ينطلقان في رحلة طويلة بالسيارة نحو آخر مكان شعرت فيه أليس بالسعادة الحقيقية: مونتيري في كاليفورنيا، المدينة التي نشأت فيها. يبدأ الفيلم بإلقاء نظرة على حياة أليس المنزلية، راسمًا صورة قاتمة إلى حد ما عن زواجها. ومع ذلك، حين يموت زوجها دونالد، الذي يؤدي دوره بيلي «غرين» بوش، تنهار أليس حزنًا لفقده. ولا يتوقف الأمر عند ذلك؛ فموته يتركها معدمة تقريبًا، فتضطر إلى بيع كل ما تملك، باستثناء السيارة التي تصطحب فيها ابنها تومي في الرحلة التي تشكّل محور الفيلم. فالرحلة، وما يتخللها من محطات وتوقفات، هي الإطار الذي تتحرك داخله الحكاية. لكن الفيلم، في جوهره، هو قصة عن الرابطة بين أم وابنها، وعن الطريقة التي يحاولان بها التكيف مع حياة اقتُلعت فجأة من جذورها. أما تومي، فهو فتى على أعتاب المراهقة، سليط اللسان، ساخر، ولا يتردد في استخدام ألفاظ جريئة؛ وهي صفات يحرص الفيلم على الإيحاء بأنه ورثها عن أمه. وتشكل محاولات أليس المستمرة لتأمين احتياجاتهما مصدرًا دائمًا للتوتر، إذ لا يكف تومي عن التساؤل: هل سيتمكن من الذهاب إلى المدرسة؟ هل وجدت أمه عملًا؟ وكيف سيواصلان حياتهما؟ ومع ذلك، وبرغم كل هذه الضغوط، تظل العلاقة بينهما مفعمة بالمحبة، ولا يترك الفيلم مجالًا للشك في عمق الرابطة التي تجمع الأم بابنها، وفي مقدار ما يعنيه كل منهما للآخر. ورغم أن أليس هي محور الحكاية، يمنح الفيلم تومي عددًا من المشاهد الخاصة به، لنرى كيف يحاول التأقلم مع واقعه الجديد حين لا تكون أمه إلى جواره. وما يلفت النظر في شخصيته أنه، رغم كثرة تذمره، لا يطلب منها العودة إلى حياتهما السابقة، ولا يعترض منذ البداية على فكرة الرحلة. إنه لا يلتفت إلى الوراء، ولا يبدو أسيرًا للحياة التي فقدها. وهنا يظهر التباين بينه وبين أليس، التي تقضي جزءًا كبيرًا من الفيلم وهي تتحسر على ما ضاع منها، وعلى حلمها القديم بأن تصنع لنفسها مسيرة كمغنية أو فنانة. وبينما يتطلع الابن، بطريقته الخاصة، إلى الأمام، تظل الأم مشدودة إلى صورة حياة كان يمكن أن تعيشها ولم تفعل. ينتهي الفيلم وقد نجح الاثنان في تأسيس حياة جديدة أكثر استقرارًا، وإن جاءت على نحو مختلف تمامًا عما كانا يتوقعانه في بداية الرحلة. وقد لامس الفيلم قلوب الجمهور إلى درجة أن نجاحه ألهم إنتاج مسلسل كوميدي تلفزيوني حمل ببساطة اسم Alice، وبدأ عرضه عام 1976، بعد عامين من صدور الفيلم، ليستمر تسعة مواسم. لم يكن المسلسل تتمة مباشرة للفيلم، بل يمكن النظر إليه بوصفه تصورًا بديلًا للفصل الثالث من الحكاية؛ وهو خيار يستحق المشاهدة لمن أنهى الفيلم ولم يكتفِ بعد من شخصياته، وأراد أن يرى كيف يمكن أن تستمر حياتهم بعد إسدال الستار.