تظل السينما، في أسمى تجلياتها الفنية، مرآة تعيد قراءة التاريخ لا من منصات الخطابة الرسمية أو أروقة القصور الملكية والرئاسية، بل من شُرفات البيوت البسيطة وحكايات الناس الذين يعيشون على هامش الأحداث الجسام. يبرهن فيلم «القصص للمخرج أبوبكر شوقي على أن الذاكرة الحقيقية للشعوب تُكتب بتفاصيل الحياة اليومية، بالشجن الممزوج بالضحكة العابرة، وبأحلام البسطاء وإحباطاتهم المتتالية. من هذا المنطلق، يأتي الفيلم كوثيقة سينمائية ووجدانية بالغة العمق، تؤصل لتحولات المجتمع المصري الحادة في حقبة زمنية فارقة وممتدة ما بين عامي 1967 و 1984، متخذًا من جدران منزل عائلة عادية مسرحًا لرصد زلازل سياسية واجتماعية كبرى كالنكسة، وحرب أكتوبر، والانفتاح الاقتصادي. صناع العمل والكتيبة الإبداعية يقدم فيلم «القصص توليفة فنية شديدة التناغم، حيث صاغ المخرج أبوبكر شوقي رؤية بصرية تعتمد على البساطة الآسرة وعمق الكادر، مستندًا إلى سيناريو وحوار يغزلان الخاص بالعام والدقيق بالشمولي. يقود البطولة الفنية طاقم تمثيلي استثنائي يجمع بين الخبرة الطاغية والطاقات التعبيرية المتجددة، تتقدمهم النجمة نيللي كريم، والفنان القدير أحمد كمال، والمبدع صبري فواز، إلى جانب النجم الشاب أمير المصري، وبمشاركة متميزة من باقة من أبطال الفيلم والوجوه الواعدة. وتكتمل هذه المنظومة الإبداعية بتصميم ديكورات وملابس نجحت بامتياز في بعث الروح في تفاصيل العقود الفائتة، ترافقها موسيقى تصويرية تفيض بالنوستالجيا وتحرك شجون الذاكرة. مكامن الإبداع والتميز الفني وتتجلى أبهى سمات العمل الفنية في قدرته الفائقة على «أنسنة التاريخ»، إذ لم تكن الأحداث السياسية محركًا خارجيًا جافًا، بل تفاعلات حية تظهر في ملامح الشخصيات، وفي تبدل عاداتهم الاستهلاكية، وحتى في الأغاني التي يستمعون إليها وصيحات تشجيع كرة القدم. وقد أدار المخرج المساحات الضيقة ببراعة مذهلة، مستغلًا جدران البيت وشرفته ليصنع فضاءً دراميًا رحبًا يختزل وطنًا بأكمله. قدمت النجمة نيللي كريم أداءً عبقريًا مدهشًا، أعاد إلى الأذهان فورًا حضورها الملحمي الخالد في مسلسل «ذات»؛ حيث نجحت باقتدار في تجسيد تضاريس الشجن والانكسار والصمود في وجه عواصف الزمن، مختزلةً ملامح المرأة المصرية الصابرة بصدق حسي فائق. وبجانبها، أطل الأستاذ القدير أحمد كمال بصوته الرصين وأدائه الداخلي المتقن ليمنح العمل هيبة ووقارًا خاصًا، بينما أثبت المبدع صبري فواز ك كالعادة ذكاءه النقدي الخالص وقدرته الفذة على إضفاء أبعاد واقعية غنية وممتعة على ملامح شخصيته، ليتكامل هذا الثلاثي مع طاقة أمير المصري وبقية الكتيبة التمثيلية في تقديم أداء جماعي يتسم بالعفوية والابتعاد الكامل عن المبالغات المسرحية. الهفوات الدرامية وثغرات الإيقاع بالرغم من التدفق الإنساني العذب، عاب الفيلم في بعض فتراته جنوحه نحو بطء الإيقاع والترهل الدرامي، وهي الضريبة التي تدفعها السينما التوثيقية أحيانًا عندما تغرق في استعراض تفاصيل النوستالجيا واليوميات على حساب تنامي الحبكة وتصاعد الصراع الدرامي التقليدي. سقط السيناريو في مواضع قليلة بفخ المباشرة والخطابية الزائدة، لا سيما عند محاولة إسقاط التحولات الاقتصادية والسياسية (كعصر الانفتاح) على مصائر الأفراد، مما جعل بعض الحوارات تبدو وكأنها تعليق تاريخي بصوت مسموع بدلاً من تفاعل إنساني عفوي يتسق مع طبيعة الشخوص البسيطة. آفاق الامتداد وصناعة الذاكرة البديلة يفتح الفيلم بابًا واسعًا للسينما العربية لتأسيس تيار «الذاكرة البديلة»، وهو نمط سينمائي يركز على كتابة التاريخ الشعبي والاجتماعي بعيدًا عن السرديات الرسمية الجاهزة، مما يمهد الطريق لإنتاجات قادمة تلتفت إلى قصص منسية في عمق المجتمعات العربية. يمثل تتويج الفيلم بجائزة التانيت الذهبي العريقة في مهرجان قرطاج، واختياره الرسمي لتمثيل مصر في منافسات جوائز الأوسكار، فرصة ذهبية للعبور نحو المنصات الدولية والمهرجانات العالمية، وتقديم الهوية الثقافية والاجتماعية المحلية لجمهور غربي يتوق للملامسة الإنسانية الصادقة. معضلة الشباك وعقبات العرض تجسد الحالة التي واجهها الفيلم أزمة مزمنة في المشهد السينمائي؛ إذ واجه العمل تحديًا قاسيًا في شباك التذاكر ودور العرض التجارية التي باتت تحكمها ثقافة استهلاكية تبحث عن الإثارة السريعة أو الكوميديا الخفيفة، مما حرم فيلمًا بهذه القيمة الفنية من تحقيق إيرادات جماهيرية تتناسب مع ثقله النقدي. وضع الفيلم نفسه في مواجهة مباشرة وقاسية مع مقارنات نقدية وجماهيرية حتمية مع كلاسيكيات الدراما والسينما المصرية التي تناولت نفس الحقبة الزمنية بحرفية ملحمية، وعلى رأسها مسلسل «ذات»، مما فرض ضغطًا إضافيًا على العمل لإثبات أصالة رؤيته واختلافها التام. أصداء وجدانية واستشراف سينمائي في نهاية المطاف، يبقى فيلم «القصص» شهادة فنية دافئة وشجاعة على عبقرية المواطن العادي، وتأكيدًا على أن الحكايات الصغيرة هي الصخور الحقيقية التي تتكسر عليها أمواج التاريخ العاتية. إنه عمل يغادر قاعات العرض ليقبع بأمان في ذاكرة المشاهد، مذكرًا إيانا بأن الهامش هو المتن الحقيقي للحياة، وبأن الفن الصادق هو الذي يخلد تفاصيلنا المنسية بجمال وشجن ونبل خالص.