محمد عبده.. ذاكرةٌ تغنّي.

قيل إن الفن يبدأ حين تعجز الكلمات عن الوصف، وإن الفنان لا يرى الأشياء كما تبدو للعيان، بل كما عبرت في روحه واستقرت في وجدانه. ولعل الفن، قبل ذلك كله، ذاكرة الشعوب؛ فما يسقط سهوًا من دفاتر التاريخ، قد تنقذه لوحة، أو يحفظه لحن، أو تخلّده قصيدة. من هنا، بدأت الحكاية الأولى لفنانٍ لم يكن صوته عابرًا في ذاكرة الأغنية، بل ظلّ شاهدًا على تاريخ فن عريق، امتد من شمال الجزيرة إلى أقصى جنوبها، ومن غربها حتى شرقها؛ يلتقط من كل ناحية نغمة، ومن كل أرض إيقاعًا، ومن حكايات البدايات ذلك الشغف الذي صنع منه ملحنًا وفناناً تشبّع بفنون الجزيرة، حتى غدا صوته ملتقى لألوانها وذاكرتها. لن أخوض في امتداد التجربة ولا في غزارة نتاجها؛ فتلك حكاية يطول سردها. وسأكتفي بواحدة من أجمل محطاتها: «سلسلة شعبيات»، تلك التجربة التي قدّمها برفقة فرقته الخاصة، وجمع في ستة عشر شريطًا ألوانًا شتى من الموروث، متنقلًا بين السامري، وفن الصوت، والدانات، والخبيتي، والصنعاني، وغيرها من الفنون التي سكنت وجدان الناس طويلًا. هناك، تتجلّى ملامح التجربة أكثر، حين يصدح: يا من عليه التَّوكُـل والخلف يا من له ألطـاف فينـا ساريـه يا من إذا تاب عبـده واعترَف يغفر جميـع الذَّنـوب الماضيـه فتشعر أنك لا تستمع إلى صوت يؤدي لحنًا قديمًا فحسب، بل إلى فنان يعرف من أين جاءت النغمة، وأي أرض أنجبتها، وأي ذاكرة حملتها عبر السنين. وبذلك الأداء المهيب، يبرهن محمد عبده على مقدرة فنان قرأ موروث الجزيرة بأذنه وقلبه، ثم أعاده إلى الناس متوهجًا؛ كأنما ينفض عن تلك الألحان غبار السنين، ويمنحها من تجربته عمرًا آخر، لتعود أغنيات كادت أن تنام في الذاكرة، فإذا بها تنهض من جديد. تسمعه تارة يردد: «طاب طاب الأوان، وأثمرت كل الأغصان»، ثم يأخذك إلى: «أقلقني الطار، مدري الطرق وإلا حس راعيه»، قبل أن يمضي بك إلى «قال المولع هب فوج النسيم» و«نسيم بلغ»، «رسولي قوم» الناس عليك يا ريم ومسّ ورد الخد وما بين صوت وصوت، ولحن وآخر، لا يعود الأمر مجرد استعادة لموروث قديم؛ بل يصبح استحضارًا لذاكرة مكان، وإيقاظًا لحكايات أناس مضوا وبقيت أصواتهم مختبئة في الألحان. إنها شؤون وشجون من ترانيم الجزيرة؛ رحلة تجعلك تحترم التجربة وصاحبها، ذلك الأستاذ الذي لم يكتفِ بأن يتقلّد وسام النجومية في سماء الفن العربي، بل صنع لنفسه مكانة جعلت لقب «فنان العرب» يبدو، مع مرور السنين، أشبه بوصفٍ لمسيرة كاملة. نحو ستة عقود من الفن، ظل خلالها محمد عبده وفيًّا للإتقان، حريصًا على قيمة ما يقدمه، تاركًا في ذاكرة المجتمع صورة الفنان الذي استطاع أن يجمع بين الانتشار والاحترام، وبين التجديد والوفاء للجذور. محمد عبده ليس مجرد صوت جميل عبر زمنًا طويلًا؛ بل تجربة فنية وإنسانية تشكّلت طبقاتها على مهل، حتى أصبحت جزءًا من تاريخ الأغنية السعودية والعربية. ولعل سر هذه التجربة أن صاحبها، مهما ابتعد في فضاءات الفن، ظل يعرف طريق العودة إلى البدايات؛ إلى الأرض التي خرج منها الصوت، وإلى الإيقاع الذي سكن الوجدان، وإلى الحكاية الأولى التي بدأت منها الرحلة. فالفنان الكبير لا يكتفي بأن يغنّي لأبناء زمنه؛ بل يترك صوته جسرًا تعبر عليه ذاكرة الذين سبقوه إلى الذين سيأتون بعده. وهكذا كان محمد عبده؛ لم يغنِّ موروث الجزيرة فحسب، بل أسهم في أن تبقى الجزيرة مسموعة.