د. ملحة عبدالله ابنة عسير وصاحبة نظرية البعد الخامس..

سيدة المسرح السعودي التي كتبت أكثر من 60 نصا مسرحيا.

ملحة عبد الله الكاتبة والأديبة والمسرحية السعودية المولودة في منطقة عسير جنوب المملكة العربية السعودية عام 1957، وصاحبة نظرية البعد الخامس في المسرح، والتي نالت عدة جوائز أدبية في المسرح أبرزها جائزة اليونسكو للمونودراما عن عملها المسرحي المهم (العازفة)، وملحة لديها ثراء أكاديمي وبحثي؛ فهي خريجة مصر في مجال النقد والدراما، وكتبت أكثر من 60 نصًا مسرحيًا في مسيرتها الإبداعية الطويلة، ومن مسرحياتها: (العازفة، المسخ، جوكاستا، أم الفأس، مواطن رغم أنفه، حانة الربيع، فنجان قهوة، الطاحونة، التميمية، ميت أراجوز، شبه النار، صهيل، الجسر، الليل والنيل.. إلخ). يُلاحظ من نصوصها المسرحية أنها لم تكن مثل الكاتبات العربيات اللواتي اهتمن بموضوعات تتعلق بالمرأة فقط (ومفاهيم النسوية)، بل انفتحت ملحة على كتابة النصوص المسرحية العامة والتي تستدعي التاريخ والتراث وتتناغم وتتحاكى معه بمآلات اللحظة الراهنة، وقسوتها على المرأة في بنية نصوصها المسرحية هي محاولة جلد لذات المرأة لتثويرها وتحريضها للاهتمام بكيانها وعدم الركون لبعض الأعراف البالية، كما كتبت ملحة المسرحيات المونودرامية والكتب النقدية في مجال المسرح، وصدرت لها عدة مؤلفات بهذا الخصوص، وكانت تبحث عن الهوية والمكان والإنسان في هذا العالم (فضاء المسرح الواسع)، وكذلك مما شغلها إبداع المرأة في مجال المسرح وأثر الهوية الإسلامية على المسرح في السعودية، وكذلك ملامح الأسطورة والتراث والموروث الشعبي الخليجي في مسرحها لا يمكن تجاوزه، كما قدمت ملحة رؤية تطبيقية في مجال نقد النقد في المسرح السعودي، وتتمثل أنماط الخطاب التداولي في نصوصها بأنها ذات دلالات موجهة إلى (المتلقي) الجمهور بما فيها من بنى وإشارات ورموز ومرجعيات، وهذا يعني أن قصدية الكتابة لدى ملحة مشبعة بالبحث عن هوية وخصوصية في رسائلها المسرحية وبث خطاباتها النصية أو حتى العيانية من خلال تشكل علاقة الشخصيات المسرحية مع بعضها البعض ومن خلال بناء الفكرة الرئيسة للمسرحيات واختيار العتبة الأولى (العناوين)، ولا يمكن في ذلك إخفاء تأثر ملحة بالأفكار الفلسفية والجمالية للمسرح المصري؛ فهي تربت في كنف هذا المسرح العريق في التجارب والتاريخ والمرجعيات والأسماء الكبيرة التي قدمت للمسرح العربي الكثير على المستوى الفكري والجمالي، إن ملحة وضمن ملامح قراءة منتجة لنصوصها المسرحية سيدرك المتلقي حضور الأسطورة والخيال وبعض قضايا المرأة ثيمات مهمة في نصوصها المسرحية بشيء من الوجدانية الفكرية برسائلها مع الارتكاز على مفاهيم مهمة للدين والأعراف والتقاليد والهوية العربية بما تشتمل من موروث وتراث وهويات وتاريخ حضاري، بمعنى أن ملحة ترتكز في مسرحها ورسائلها المسرحية على أهمية تأثير ما يجيء بنصوصها من أفكار على سيكولوجية المتلقي (الجمهور المسرحي) بالاعتماد على روحية وسحرية التراث وصولًا إلى تحقيق المتعة الجمالية للمتفرج، إن ما يميز مسرحها هو صياغة وتركيب شخصياتها المسرحية والاتكاء على اللغة الواقعية والأبعاد الثقافية لتلك الشخصيات ولا سيما المرأة منها ما بين (تمثلات جسد المرأة/ محاولة جلد ذات المرأة لتثويرها)، ولكن أحيانًا يكون ذلك بلغة مضمرة تضم الأنساق الثقافية بإيحاء وإشارة ورمز بلغة نصية واصفة تشتمل على الكنايات والتشبيهات والاستعارات بطريقة ثقافية ولغوية معبرة وجميلة، أي أن ثمة روافد ومسارات ونوافذ تغترف منها ملحة في تأسيس فضاء نصوصها المسرحية وأبرزها ما هو معجمي ديني وتراثي وشعبي وثقافي يرسم إلى إفضاء تعدد لغوي في صياغة حواراتها المسرحية وصولًا إلى الرمزية والمفارقة ومتعة بناء الحبكة ومنظومة العلاقات بين الشخصيات داخل النص الدرامي، وكل تلك المرجعيات ولا سيما رافد الأسطورة في مسرحها لا تحضر بحمولتها الماضوية وإنما تعصرنه الكاتبة لصالح فكرتها المسرحية فتعمل على الممازجة بطريقة درامية مميزة لتكون لنفسها خصوصية فنية وتأصيلًا هوياتيًا لرصد التقاليد والعادات والموروث الفلكلوري لتقدمه بطريقة واعية وقصدية وبطريقة المزج بين الفصيح والعامي كاشفة بذلك عن نزعات ومواقف وواقعية شخصياتها المسرحية ما بين الواقعية المريرة والسخرية الناقمة والناقدة من الوضع العام والأزمات لتفضي إلى حقيقة الإنسان المعاصر وما يجتاحه من أزمات ومعاناة وما يجب عليه أن يقوم به في ظل هذه الصعوبات والتحديات، فالقيم الإنسانية هي الجزء الأهم في خطابها المسرحي وبخاصة الأسئلة الجوهرية التي تدور في خلد الإنسان المعاصر وذاكرته ليتوضح في بعض نصوصها صعود درامي لما هو هامشي ليقارع ما هو مركزي على مستوى الحوار الدرامي وحضور شخصيات الهامش كمشارك في صناعة الحدث، وفي مجال التجريب سنجد ملحة متأثرة بهذا الجانب وبخاصة في مسرح ودراما العبث في بناء بعض نصوصها على المستوى الدلالي واللغوي كما في نص (التميمية) مشتغلة على الشفرات والغموض والأنساق والدوال والأبدال والإحالة والإيحاء والتمنعي وتعدد التأويلات والدلالات ولغة مكتنزة تحيل إلى معانٍ خارجية برؤى تفكيكية وبفكرة تشتمل على التمثيل المعرفي خارج نطاق الفعل الدرامي، إنها تجربة مسرحية تستحق القراءة والدراسة لأنها لامرأة خليجية تميزت بفرادتها بالاهتمام بفن المسرح والكتابة والبحث والنقد وسط أسماء كبيرة واستطاعت أن تحفر اسمها في تاريخ المسرح العربي واستحقت لقب سيدة المسرح السعودي. *ناقد واكاديمي عراقي hedar_alasde87@yahoo.com