الحياد
الصبح في هذه المدينة يوقظني دائماً، يجيء إليَّ متسللاً كفكرة خفيفة جداً، فكرة لا تبثُّ شيئاً واضحاً، لكنها تخلق شعوراً غريباً، ربما لهذا الأمر تسمَّرتُ عند النافذة، لأرى الشارع قبل أن تملأه الخطى، كان الهواء دافئاً قليلاً، ونور الأعمدة شاحباً، والشجر ثابتاً تماماً، كأن الصبح ما زال متردداً في البدء، أو أنني لست جاهزاً لبداية يومي. سمعتُ صوت الديك أولاً، ثم صرير باب المخبز، ثم شممت رائحة الخبز، رائحة الخبز لا تتبدل، إنها تأتي دائماً قبل أن تكتظ الشوارع بالناس، حتى في الأيام التي يحدث فيها شيء فظيع، فالأيام تستمر في عاداتها الصغيرة بلا مبالاة. ثم تذكرتُ ما قاله الرجل البارحة في المقهى، قالها بصوت عادي، كأنه يتحدث عن الطقس: «سيقتلونه غداً». لم أندهش حين سمعتها، ولم أضحك أيضاً، فقط شعرتُ أن الجملة وقعت على الطاولة كملعقة، أصدرت صوتاً قصيراً ثم صمتت. والآن، وأنا عند النافذة، أتذكر تلك الجملة، لكنني أتحاشى التفكر فيها بوضوح جليّ، فلا أقول لنفسي: يجب أن أفعل شيئاً ما، بل أفكر في أشياء أخرى تسكن رأسي، في ضوء الشمس على الجدار، في هرة تمشي على الرصيف، في وردة أقحوان مبللة بالندى، في كوب قهوة حامية وشهية، في كيف أن الصبح يبدو بديعاً، في أن نفسي ما زالت تقاوم.