قراءة فنية للمتحف الوطني بالرياض ..

جوهر الفنون هو الاستمتاع بالامتاع.

يقول الكاتب والمحاضر الأمريكي ديل كارنيجي في كتابه How to Enjoy Your Life and Your Job: “جوهر الفنون هو الاستمتاع بالإمتاع”. وتلك هي القدرة التي يمتلكها العمل الفني حين يتجاوز عناصره المادية، ليترك في المتلقي أثراً يتجاوز لحظة المشاهدة، أثراً يبقى بعد أن تغيب الصورة، ويسكن الذاكرة طويلاً. والعمارة، بوصفها أمَّ الفنون، من أكثر الفنون قدرةً على صناعة هذا الأثر، لأنها لا تخاطب العين وحدها، ولا تكتفي بأن تكون موضعاً للنظر. فنحن لا نقف أمام العمل المعماري كما نقف أمام لوحة فنية، بل نعيشه، نبحر في فراغاته، ونلامس مكوناته، ونسمع صداه، ونعبر بين ضوئه وظلاله، فيتبدّل إحساسنا بالمكان بين الاتساع والضيق، والارتفاع والانخفاض. فالعمارة فنٌّ يحيط بالإنسان ويجعله جزءاً من التجربة. و المعماري، حين يصمّم، لا يتعامل مع الحواس بوصفها غايات، بل بوصفها نافذة إلى شيء أكثر عمقاً، نافذة الى الإحساس. لهذا كنت، ولا أزال، أرى أن المعماري المبدع هو، في جوهره، مُخرِجٌ (Director). فكما يوجّه المخرج عين المشاهد، ويقرر ما الذي يراه أولاً، ومتى يظهر الضوء، ومتى يحضر الصمت، وكيف تتصاعد المشاعر من مشهد إلى آخر، كذلك يفعل المعماري ولكن بأدواته الخاصة: الكتلة، والفراغ، والخط، والمادة، واللون، والضوء، والنسب، والإيقاع، وهندسة الحركة. ولأنني أستمتع كثيراً بالقراءة والحديث عن العمارة والإخراج معاً، الأولى تخصص، والثاني هواية، وبينهما منطقة مشتركة تستهويني جداً وهي: صناعة الشعور. لذا أود في هذا المقال أن أصطحبكم إلى المتحف الوطني في مركز الملك عبدالعزيز التاريخي في الرياض، لا لنقرأ ما يعرضه من تاريخ ، بل لنقرأ العمارة ذاتها: كيف استدعت المكان من دون أن تنسخه، وكيف اختزلته في كتلة وضوء وفراغ وحركة. فهناك تاريخ يُعرض داخل المتحف، وتاريخ آخر تصنعه العمارة بعمق فني (صامت)، لا يُروى بالكلمات، بل يُكتشف بالتجربة، ويترك أثره بعد أن تنتهي الرحلة. المشهد الأول يبدأ من الصحراء: استلهم المعماري Raymond Moriyama الكتلة المنحنية للمتحف من كثبان الصحراء الحمراء، لكنه لم ينقلها كما هي، بل استخلص منها ما يكفي لاستحضارها: الانسيابية واللون، وهذا هو جوهر التجريد، فهو لا يعيد صورة الشيء، بل يستخلص ما يبقي روحه حاضرة. فالمبنى لا يقول: (هذا كثيب رملي)، بل يترك للانحناءة أن تقود الذهن إلى الصحراء بما تحمله من ذاكرة وهوية، وكأن هذا المشهد هو عنوان المتحف الذي يقول بصمت: خلف هذه الصحراء تاريخ، وفوق هذه الأرض حاضر. وهنا تتحدث العمارة والشعر بلغة واحدة، فكما تختصر الكلمة مشهداً كاملاً، فإن الانحناء هنا يختصر الصحراء بما تحمله من حركة وذاكرة ومعنى. ويزداد المشهد ثراءً حين تجتمع ليونة الخط مع صلابة المادة، فتبدو الكتلة ثابتةً ومتحركةً في آن واحد، ثابته في بنائها، ومتحركة في إيحائها. وهذا التداخل بين ما تراه العين وما يستحضره الإحساس يذكّرنا بأبيات لنزار قباني وهو يصف زخارف قصر الحمراء في إسبانيا، لا بوصفها حجراً ونقوشاً فحسب، بل بوصفها ذاكرةً حيةً يكاد يُسمع نبض التاريخ فيها حين يقول: ومشيت مثل الطفل خلف دليلتي وورائي التاريخ كوم رماد الزخرفات .. أكاد أسمع نبضها والزركشات على السقوف تنادي المشهد يقود الخطى: إذا كانت الكتلة قد استدعت الصحراء من بعيد، فإن الاقتراب منها يكشف لغةً أخرى: لغة التوجيه، ففي العمارة، لا يحتاج التوجيه إلى خطٍّ مرسوم، أو لوحة ارشادية، فقد يصنعة تباين في مادة البناء و التقاء سطحين، أو امتداد مظلة، أو صفٌّ من الأعمدة، أو حتى ظلٌّ يمتد على الجدار. كلها إشارات بصرية تلتقطها العين، فتقود النظر أولاً، ثم تتبعها الخطى.. وحين تتكرر هذه الإشارات، يتولد الإيقاع: عمود وفراغ، ضوء وظل، هنا لا تكمن قيمة العنصر في ذاته، بل في علاقته بما يسبقه وما يليه، فالإيقاع لا يسكن العمود، بل المسافة بين الأعمدة، والعمارة هنا تقترب من الموسيقى، فكما تصنع النغمات والصمت والمسافات بينها إيقاعاً زمنياً، تصنع الكتل والفراغات والظلال إيقاعاً مكانياً، لا تلتقطه العين وحدها، بل يمتد أثره إلى الإحساس. ولهذا، فأجمل الأماكن هي التي لا نكتشفها دفعةً واحدة، فمع كل خطوة تتغير العلاقات، يختفي عنصر ويظهر آخر، ويتبدل الظل، ويتسع المنظور أو يضيق. وهنا تلتقي العمارة بالإخراج، في العمارة يصبح الزائر هو عين الكاميرا: كل خطوة لقطة، وكل استدارة تغيّر الكادر Frame ، وكل انتقال من فضاء إلى آخر يعيد تشكيل المشهد، والمعماري الحقيقي لا يصمم ما ستراه فقط، بل يصمم التجربة التي تقودك إليه. الفراغ: الصمت بين الكتل: في الفن التشكيلي يمنح البياضُ اللوحةَ مجالاً للتنفس، وفي الموسيقى يمنح الصمتُ النغمةَ قوتها، وكذلك في العمارة الفراغ هو جوهرها، به تظهر الكتلة، ويمتد الضوء، وتتحرك الحياة. لذلك لا تتشكل العمارة بما نبنيه فقط، بل أيضاً بما نتركه خالياً، وهنا يظهر حسّ المعماري الفني، حين يعرف متى يضيف، ومتى يكون الفراغ أبلغ من البناء. تباين الحضور والغياب: ليست قوة المشهد فيما يحضر أمام العين فقط، بل أحياناً فيما يغيب عنها. فقد يوحي امتداد جدار بما وراءه، أو تكشف فتحة جزءاً وتترك الباقي للمخيلة، فيصبح الغائب شريكاً في تكوين الصورة. وهنا تظهر براعة العمارة، أن تجعل ما لا نراه حاضراً في شعورنا بما نراه. الضوء يعيد إخراج المشهد: ثم يأتي الضوء، أكثر عناصر العمارة قدرةً على تغيير المشهد من دون أن يغيّر شيئاً في المبنى نفسه. فالكتلة ثابتة، والجدار في مكانه، لكن الضوء يتحرك، تتبدل زاويته وشدته ولونه، وتتحرك معه الظلال، فيتقدم سطح ويتراجع آخر، ويبدو المبنى في كل ساعة بصورة مختلفة. ويظهر ذلك بوضوح في المتحف الوطني، فجدرانه من الجرانيت والحجر الجيري تتفاعل مع ضوء الغروب، فتتوهج بدرجات حمراء، ثم تنحسر تدريجياً مع حلول المساء. وهنا يعود المعماري مخرجاً للمشهد، فهو لم يصمم الكتلة وحدها، بل صمم علاقتها بالضوء، وترك للشمس أن تؤدي دورها كل يوم. المبنى ثابت، لكن المشهد لا يتكرر، فالشمس تعيد إخراجه مع كل عبور للضوء. اللون يستدعي المكان: ثم يأتي اللون، امتداداً للمادة والضوء معاً. فدرجات اللون الدافئة في المتحف لا تصنع المشهد بصرياً فقط، بل تستدعي ذاكرة الأرض التي ينتمي إليها. ومن هنا تظهر الهوية المعمارية في صورتها الأعمق، فهي لا تحتاج دائماً إلى قوس أو زخرفة أو رمز تراثي مباشر، بل قد تسكن في لون، أو ظل، أو نسبة، أو سماكة جدار، أو في الطريقة التي يلامس بها المبنى أرضه. فالهوية الناضجة لا تقول: أنا من هنا، بل تجعلك تشعر بأنها من هنا. حين تصمت العمارة: ثم نعبر إلى الداخل، فتتغير لغة العمارة. ففي الخارج كانت الكتلة تقود المشهد، أما في الداخل فعليها أن تعرف متى تتقدم ومتى تتراجع، فالمتحف ليس مكاناً لعرض العمارة وحدها، بل إطاراً لما يحمله من ذاكرة ومقتنيات، وهنا تظهر واحدة من أدق مهارات عمارة المتاحف (الحضور دون الاستحواذ)، أن يكون للمكان شخصيته، من دون أن ينافس ما جاء ليعرضه. حينها تتحول وظيفة العمارة لتؤدي دوراً أكثر دقة: أن نلتقي من خلالها بالتاريخ ،، كلقاء نزار قباني بالأندلس وتاريخها في مدخل الحمراء: في مدخل الحمراء كان لقاؤنا ،،، ما أجمل اللقيا بلا ميعاد العمارة هنا توجّه الحركة، وترتب الانتقال، وتمنح كل مرحلة إيقاعها ومساحتها، حتى لا يعود المتحف مجموعة قاعات منفصلة، بل سرداً مكانياً، ننتقل بين فراغاته كما ننتقل بين الأزمنة، ويتحول التاريخ من شيء نقرأه إلى تجربة نعيشها. وماذا يبقى بعد أن نغادر؟ بعد كل هذا التشريح، يبقى السؤال الأهم: ما الذي نحمله معنا حين نغادر المتحف؟ قد ننسى أبعاد الممر، وعدد الأعمدة، ونوع الحجر، وزاوية الضوء، وربما ترتيب القاعات نفسها، لكن يبقى فينا شيء من أثرها. فكثير من قرارات المعماري تمر بنا ونشعر بها دون ان نسميها: صعود حاد في السلم الكهربائي المؤدي الى قاعة البعثة النبوية يشير الى الانتقال من حقبة الى حقبة، من الظلام الى النور. جسر يحمل بين طياته مؤثرات صوتية تعبيراً عن الهجرة النبوية والتي كانت نواة تأسيس عاصمة الدولة الإسلامية في طيبة الطيبة ،، وضوء يقودنا إلى الفطرة، وظل يبطئ خطانا لنعيش التجربة بشكل أعمق ونسمع ( طلع البدر علينا من ثنيات الوداع..)، واتساع جاء بعد ضيق فصنع الانفراج. وهنا تفعل الذاكرة ما يفعله التجريد: تحذف التفاصيل وتُبقي الجوهر. وهذا هو الفرق بين مبنى نتذكر صورته، ومكان يبقى شيء منه فينا بعد أن نغادره. ولم تكن غايتي من هذا التشريح أن أقول إن المتحف جميل، أو أن أحدد ما ينبغي أن يلفت انتباهنا فيه، فإثراء الذائقة الفنية لا يعني تلقين حكم جمالي جاهز، بل تدريب العين على رؤية ما كان يمر أمامها من دون انتباه: أن ترى في التكرار إيقاعاً، وفي الظل شكلاً، وفي الفراغ حضوراً، وفي الخط ذاكرة مكان، وفي الضوء مشهداً يتغير من دون أن يتغير المبنى. وعندها لا نخرج من المتحف بالطريقة نفسها التي دخلنا بها. قد نقف أمام صف من الأعمدة فنرى إيقاعاً، أو أمام ظل فنرى تكويناً، أو أمام فتحة تؤطر السماء فندرك أن المعماري لم يصنع السماء، لكنه اختار لنا كيف نراها. ولهذا أعود إلى الفكرة التي بدأت منها: جوهر الفنون هو الاستمتاع بالإمتاع. لكن الإمتاع العظيم لا يأتي مصادفةً، خلفه عين ترى، وعقل يرتب، وحس يختار، وجرأة تعرف ما الذي ينبغي أن يبقى وما الذي يمكن حذفه. وهنا المعماري و المخرج، كلاهما يصوغ المشهد، ويضبط الإيقاع، ويوظف الضوء والحركة والزمن، مستخدماً أدوات مادية ليصل إلى شيء لا يُرى ولا يُلمس: ليصل الى عمق الانسان الى الشعور. وتبلغ العمارة ذروة أناقتها حين يفعل المعماري كل ذلك من دون استعراض، فنغادر المكان ونحن لا نفكر في براعة المصمم فقط، بل ونحن نحمل أثراً لا نعرف تماماً كيف صُنع. وهناك يتحول المبنى من شيء نراه، إلى تجربة تبقى فينا. * باحث في العمارة والتصميم الحضري