قال لأحد أبنائه وهو يحاول إخفاء بقعة الحبر: «لا تخفها، هذا عطر المتعلمين»..

ست قصص غير متداولة من يوميات الملك عبدالعزيز

لا تقدم محفوظات دارة الملك عبدالعزيز تاريخ الدولة من خلال القرارات والأنظمة والمشروعات وحدها، وإنما تحتفظ أيضًا بوثائق تكشف جوانب من حياة الملك عبدالعزيز في مواقفه اليومية، وطريقته في التعامل مع التعليم والموظفين والمحتاجين، وحرصه على متابعة ما يرفع إليه من شكاوى وتقارير. وبين هذه الوثائق قصص صغيرة في حجمها، كبيرة في دلالاتها؛ كلمة قالها لخريجي المعهد العلمي السعودي، وموقف عابر مع أحد أبنائه في مدرسة الأمراء، وبرقية وجّهها لمعالجة أوضاع الموظفين، وتعليمات لضمان وصول الصدقات إلى مستحقيها، إلى جانب ما ترويه الروايات عن سرعة قراءته للوثائق واستيعابها. هذه المواقف، التي تحفظها الدارة في وثائقها ومحفوظاتها، لا تُروى بوصفها حكايات منفصلة، وإنما باعتبارها شواهد على جوانب من شخصية الملك عبدالعزيز، وعلى بعض القيم التي حضرت في بناء الدولة وإدارتها: العلم والعمل، رعاية الموظفين، إيصال المساعدة إلى مستحقيها، وتشجيع المتعلمين، وإتاحة الشكوى لمن يرى أنه وقع عليه ظلم. هنا ست قصص غير متداولة من حياة الملك المؤسس أخذناها من وثائق دارة الملك عبدالعزيز: العلم بلا عمل كشجرة بلا ثمر في حفل تخريج طلاب المعهد العلمي السعودي، خاطب الملك عبدالعزيز الخريجين، فهم في نظره أول ثمرة للمشروع التعليمي الذي أُنشئ من أجل إعداد جيلٍ متعلم يخدم دينه وبلاده. وقال لهم: «أيها الأبناء، إنكم أول ثمرة من غرسنا الذي غرسناه في المعهد، فاعرفوا قدر ما تلقيتموه فيه من العلم، واعلموا أن العلم بلا عمل كشجرة بلا ثمر « وأوضح أن قيمة العلم لا تقاس بكثرته وحدها، إنما بما يثمره من عمل نافع، مؤكدًا أن قليلًا من العلم تحل فيه البركة خير من علم كثير لا يُنتفع به. كما دعا الخريجين إلى المحافظة على دينهم ولغتهم وبلادهم، والاستفادة من المعارف النافعة لدى الآخرين، انطلاقًا من مقولة إن الحكمة ضالة المؤمن. وربط الملك عبدالعزيز بين العلم والأخلاق، مبيّنًا أن الشريعة جاءت بما ينفع الإنسان، ومنعت عنه ما يضره، وأن الناس متساوون في الأحكام، ولا تفضيل بينهم إلا بالتقوى. كما أ كد كرامة الإنسان في علاقته بربه، إذ يتوجه إليه مباشرة بلا واسطة. واختتم كلمته بتوجيه واضح إلى الخريجين: «من كان منكم من بيت رفيع فليحرص على ألّا يكون سببًا في خفضه، ومن كان من آخر فليبنِ لنفسه مجدًا»، ثم حمّلهم مسؤولية تحويل ما تعلموه إلى عمل، وقال: «فاعملوا، إنا لعملكم منتظرون، والله ولي التوفيق» برقية تحفظ حقوق الموظفين في عام 1355 هـ/ 1936 م، رفع موظفو اللاسلكي إلى الملك عبدالعزيز برقية أوضحوا فيها ما يواجهونه هم وعائلاتهم من ضيق شديد، نتيجة الظروف الاقتصادية التي أثرت في البلاد والعالم، وعند اطلاعه على شكواهم، وجّه برقية إلى وزير المالية، قال فيها: «وهذا حقيقة، إنهم كما ذكروا وأزود، وتركهم شيء مخالف للعقل والناموس... حالًا تشوفون مسألتهم بكل ممكن، وتصرفون لهم هم وغيرهم من الموظفين، وتجعلونهم دائمًا على بالكم »، وتكشف هذه البرقية عن متابعته المباشرة لأحوال الموظفين، وحرصه على معالجة احتياجاتهم وعدم تأخير حقوقهم، كما وسّع توجيهه ليشمل غيرهم من الموظفين الذين يواجهون الظروف نفسها. المساعدة تصل إلى مستحقيها كان الملك عبدالعزيز يحرص على إيصال المساعدات إلى المحتاجين في أماكنهم، مع تحديد الفئات المستحقة لها. وفي إحدى الوثائق وجّه القائمين على توزيع صدقاته قائلًا : «أرسلنا على يد الولد عبدالله الفيصل صدقة دراهم وعيش وتمر لفقراء ديرتكم، إن شاء الله يعمد من يوزعها على فقرائكم. وهذه خاصة لاثنين: إما واحد فهو فقير لا يسأل إلحافًا، والثاني فقير باين فقره »، كما أوضح أن من يملك ما يكفيه للمعيشة لا يُعطى من هذه الصدقة، وكذلك الأمير والمطوع؛ لوجود رواتب مخصصة لهما. ويبيّن هذا التوجيه حرصه على وصول المساعدة إلى مستحقيها، ومنع صرفها لغير المحتاجين. وعندما قّشّ على بعض الناس السفر إلى الرياض لتسلّم عوائدهم السنوية، أصدر توجيهًا إلى أمراء المناطق بإرسالها إليهم في المواقع التي يختارونها. عطر المتعلمين زار الملك عبدالعزيز مدرسة الأمراء في الرياض زيارة مفاجئة، ودخل إحدى قاعات الدرس ليرى أحوال التلاميذ عن قرب. وما إن دخل حتى اجتمع حوله الطلاب، وكان بينهم عدد من أبنائه وأبناء الأسرة. وأثناء حديثه معهم، لاحظ على ثوب أحد أبنائه بقعة كبيرة من الحبر. كان الطفل يحاول أن يخفيها خجلًا ، خشية أن يراه والده على تلك الحال. لكن الملك عبدالعزيز التفت إليه، وفهم سبب ارتباكه، فقال له مطمئنًا: «لا تُخفِها، هذا عطر المتعلمين « بهذه العبارة القصيرة، حوّل الموقف من خجل إلى تقدير، وربط أثر التعلم بما يصاحبه من كتابة واجتهاد. وتكشف هذه القصة نظرته إلى التعليم، وتقديره لأهله، وتشجيعه للمتعلمين، إذ رأى في أثر الحبر علامة علمٍ لا موضع حرج. سرعته في القراءة كان الملك عبدالعزيز طيب الله ثراه سريعًا في قراءة الوثائق واستيعاب مضامينها. وكان يمسك الورقة أمامه، ويستعرضها ببصره سريعًا، ثم يحيط بما ورد فيها. وتذكر الرواية أنه كان يطالع تقريرًا من نحو عشر صفحات في قرابة عشر دقائق، ثم يعيد ما اشتمل عليه من معلومات ونقاط رئيسة. وتكشف هذه القدرة عن سرعة استيعابه، وقوة ذاكرته، وحرصه على متابعة التقارير والوثائق بنفسه. حق الشكوى مكفول للجميع… بلا استثناء أعلن الملك عبد العزيز سنة 1372 هـ/ 1952 م أن كل فرد من الرعية يشعر بوقوع ظلم عليه فله حق رفع شكواه مباشرة، سواء بالبرق أو بالبريد المجاني وعلى نفقة الدولة. وألزم موظفي البريد والبرق بقبول جميع الشكاوى دون تأخير، حتى إن كانت موجهة ضد أبنائه أو أحفاده أو أفراد أسرته. كما حذّر أي موظف من منع أحد أفراد الرعية من تقديم شكواه، أو محاولة التأثير عليه لتخفيفها أو التراجع عنها، وتوعّد المخالف بالعقوبة الشديدة. وأكد أنه لا يريد أن يسمع بوجود مظلوم لم يُنصف، ولا أن يبقى صاحب حق دون تمكينه من حقه. مختتمًا بقوله: «اللهم اشهد» ويجسد هذا الإعلان حرصه على المساواة أمام العدالة، وحماية المظلوم، ومساءلة أصحاب النفوذ بلا استثناء.