خادم الحرمين يتحدث عن « اليوم الوطني قبل ثلاثين عاماً» ..
الملك سلمان : الهدف من هذه الذكرى ليس مجرد الاحتفال الظاهري، بل التذكير بما كنا عليه وما وصلنا إليه .
قبل ثلاثة عقود، وتحديدًا عام 1417هـ الموافق 1996م، استضاف التلفزيون السعودي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، (أمير منطقة الرياض آنذاك)، في لقاء خاص بمناسبة اليوم الوطني. ولم يكن حديثه استعادةً عابرة لذكرى التوحيد، بل شهادةً عميقة عن شخصية الملك عبدالعزيز ونهجه في جمع القلوب وبناء الدولة، وقراءةً في امتداد ذلك النهج عبر عهود أبنائه، إلى جانب روايته لتاريخ الرياض، وإعلانه مشروعات حفظ ذاكرة التأسيس في المصمك والمربع. واليوم تكتسب العودة إلى ذلك اللقاء قيمةً استثنائية؛ إذ تكشف كلماته المبكرة عن رؤيةٍ راسخة لوطن يحفظ أصوله، ويجدد وسائله، ويحمّل أبناءه مسؤولية صون وحدته ومكتسباته. وحدة القلوب أولًا بدأ اللقاء بسؤال عن السمات التي صنعت خصوصية الملك عبدالعزيز القيادية، فجاءت إجابة الملك سلمان قراءةً في شخصية المؤسس وفلسفته في توحيد البلاد. وصفه بأنه «رجل متعدد المواهب والصفات»، مؤكدًا أن رجلًا استطاع أن يوحّد بلدًا متعدد المناطق والقبائل والمجتمعات لا بد أن يمتلك موهبة خاصة. غير أن الإنجاز الأعمق، في نظره، لم يكن جمع الأرض وحدها، بل جمع أهلها، فقال: «استطاع أن يوحد بلدًا وأممًا وقبائل وشعوبًا، ويوحد قلوبهم كما وحد أرضهم». وتكشف العبارة أن التأسيس، في رؤية سلمان، لم يكن واقعةً عسكرية أو جغرافية فحسب، وإنما كان بناءً إنسانيًا وسياسيًا أعاد تشكيل العلاقة بين مكونات البلاد، وحوّل تعددها إلى وحدة. وقد ردّ هذه القدرة إلى ما اتصف به الملك عبدالعزيز من إيمان بالله، ونبل في الهدف، وعزم وإصرار، وصبر على المكاره، وعدل ورحمة في الوقت نفسه. كما وضع مشروع الملك عبدالعزيز في سياقه التاريخي، موضحًا أنه لم يبدأ من فراغ، بل جاء امتدادًا لمنهج سار عليه آباؤه وأجداده منذ عهد الإمام محمد بن سعود. ولم يكن المؤسس، بحسب تعبيره، «طالب شهرة أو مُلك أو نفوذ أو أي غرض دنيوي»، وإنما استهدف إقامة دولة تطبق كتاب الله وسنة رسوله، وتبني وحدتها على هذا الأساس. الرجال قبل الإمكانات توقف الملك سلمان عند قدرة الملك عبدالعزيز على تأليف القلوب، وعدّها واحدةً من أبرز سماته القيادية؛ فقد كان خصمه يتحول إلى واحد من أقرب الناس إليه، لأنه أراد الخير للجميع. والرجال الذين خاصموه أو حاربوه خلال مراحل توحيد البلاد انتهت خصوماتهم، ثم عملوا معه بإخلاص في بناء الدولة. ولم يقدم هذه السمة بوصفها موقفًا أخلاقيًا مجردًا، بل باعتبارها إحدى أدوات التأسيس. فالدولة الجديدة لم تكن في حاجة إلى إقصاء الرجال، وإنما إلى استيعاب طاقاتهم وجمعهم حول غاية مشتركة. ولهذا أوضح أنه «قبل توفر الإمكانيات المادية، استثمر الملك عبدالعزيز عقول الرجال وطاقاتهم ولم يفرق بين من كان معه ومن كان ضده». وحفظ المؤسس ود أصدقائه ومعاونيه، وفي الوقت نفسه كسب قلوب من كانوا في صف خصومه. وكان رحيمًا شفوقًا يعفو عند المقدرة، ويرى في العفو وسيلةً لتأليف القلوب وإقامة الحجة. كما امتلك، بصدقه وحسن سريرته، قدرةً على تحويل الخصوم والدبلوماسيين الأجانب إلى أنصار ومخلصين له. واقترنت هذه القدرة بالشجاعة والصبر على المشاق؛ فقد بدأ الملك عبدالعزيز بإمكانات بسيطة وعدد قليل من الرجال، ثم استطاع توحيد المملكة. وكان يلجأ إلى الله ويستخيره، ثم يستشير أصحاب الرأي والسداد من المواطنين والمستشارين في شؤون حياته، جامعًا بين قوة القرار والاستماع إلى الرأي. أصول الدولة الثلاثة عندما انتقل الحديث إلى أثر مرحلة التأسيس في حاضر المملكة، حدد الملك سلمان ثلاثة أمور أساسية لم تكن، في منهج الملك عبدالعزيز، تقبل الجدل أو الخلل: العقيدة، والأمن، وحقوق الناس. فالعقيدة تُصان ويُدافع عنها، والأمن يتحقق بالعدل، وحقوق الناس تعني حماية دمائهم وأعراضهم وأموالهم. وفي هذا التحديد قدّم مفهومًا للدولة يبدأ من الإنسان؛ إذ أكد أنه «لا يمكن تطبيق الشريعة إلا باستتباب الأمن بالعدل». فالأمن في رؤيته لم يكن منفصلًا عن العدل، كما لم تكن قوة الدولة منفصلة عن صيانة حقوق مواطنيها. وأكد أن الملك عبدالعزيز وضع الأسس لكل ما كانت تنعم به المملكة وقت اللقاء من تحكيم للشريعة، واستتباب للأمن، ورعاية لحقوق المواطنين، وتقدم في مختلف المجالات. أما ما شهدته البلاد من تطور في التعليم والطرق والزراعة والصحة، فكان امتدادًا لبذور غرسها المؤسس، ثم واصل أبناؤه الملوك تنميتها وتطويرها. ومن هنا لم يعرض الملك سلمان تاريخ المملكة بوصفه مراحل منفصلة، بل مسيرةً متصلة حمل فيها أبناء الملك عبدالعزيز الأمانة من بعده، واستمروا في أداء الرسالة نفسها بما يلائم حاجات كل عهد. نهج يتجدد بالوسائل كان قد مضى على وفاة الملك عبدالعزيز، وقت تسجيل اللقاء، نحو أربعة وأربعين عامًا، إلا أن الملك سلمان رأى أن المسافة الزمنية لم تفصل حاضر المملكة عن منهج مؤسسها. ولخص هذه الاستمرارية في عبارة دالة: «النهج هو النهج ذاته مع تطور الأساليب والوسائل حسب متطلبات كل زمان». ففي السياسة الخارجية بقي التعقل والاتزان ومراعاة مصالح البلاد أساسًا ثابتًا، وفي الداخل استمر تحكيم الشريعة والتواصل المباشر بين الحاكم والمواطنين دون حواجز، ضمن علاقة تسودها المحبة والأخوة. ولم يكن ثبات النهج، في هذه الرؤية، رفضًا للتغيير، كما لم يكن التطور انفصالًا عن الأصول؛ فالمبادئ تبقى، فيما تتجدد الأدوات وفق احتياجات الزمن. ولهذا تجاوزت دلالة العبارة زمن اللقاء نفسه، لتقدم خلاصةً لطريقة الملك سلمان في قراءة تاريخ الدولة: جذور راسخة، ووسائل قابلة للتطور، وغاية وطنية لا تتبدل. الرياض تروي الدولة حين سأله المذيع عن الرياض، بدأ الملك سلمان إجابته بعبارة تكشف مكانة المدينة في نفسه: «شهادتي في مدينة الرياض مجروحة، فهي في عيني أجمل البلدان». ثم أعادها إلى عمقها التاريخي، حين كانت تُعرف بـ«حجر اليمامة»، منذ استقرار بني حنيفة في الوادي الذي حمل اسمهم. من حجر اليمامة انتقل إلى الدرعية، حيث سكن الجد الأعلى مانع المريدي عام 850هـ، ثم إلى انطلاق دعوة التوحيد عام 1157هـ، وبقاء الدرعية عاصمةً حتى عام 1233هـ. وبعد ذلك أعاد الإمام تركي بن عبدالله تأسيس الدولة السعودية الثانية عام 1240هـ، ونقل العاصمة إلى الرياض، التي انطلق منها الملك عبدالعزيز لتوحيد المملكة. بهذا التسلسل بدت الرياض مدينةً تتصل مراحل تاريخها بمراحل الدولة السعودية نفسها. ثم استعاد الملك سلمان صورتها القديمة عندما كانت محاطةً بسور، ضمن حدود ضيقة، ولا تضم سوى شارع واحد مرصوف بالحجارة، قبل أن تتحول إلى مركز تنموي شامل وعنوان لما شهدته مدن المملكة ومحافظاتها من توسع عمراني وتطور في الخدمات والمرافق. وأشار إلى ما حظيت به العاصمة من اهتمام الملوك، مستعيدًا زيارة الملك فهد للهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض عام 1401هـ، التي منحت تنمية المدينة دفعة قوية. وهكذا جمع حديثه عن الرياض بين معرفة المؤرخ، وذاكرة ابن المدينة، وخبرة المسؤول الذي رافق نموها. المؤسس أبًا ومربيًا قدم الملك سلمان جانبًا إنسانيًا من حياة الملك عبدالعزيز، موضحًا أنه، رغم أعبائه الجسيمة، كان يخصص وقتًا لرعاية أبنائه ومتابعتهم. وجمع في تربيتهم بين الشدة في الأمور الأساسية، كالعقيدة والصلاة والتعليم، وبين العطف والرحمة في الأوقات الأخرى. وكان يتفقد أبناءه في الصلوات، ولا سيما صلاة الفجر، ويتابع انتظامهم في المدرسة، ويوجّه إلى تأديب من يتخلف عن الصلاة أو التعليم. وقد غرس ذلك الأسلوب فيهم المحافظة على واجباتهم، وربط التربية بالانضباط وتحمل المسؤولية. وتكشف هذه الشهادة وجهًا لا يظهر عادةً في سرد الوقائع السياسية والعسكرية؛ وجه الأب الذي لم تشغله أعباء توحيد البلاد وإدارة الدولة عن متابعة أبنائه وبناء قيمهم. التاريخ مسؤولية الأجيال في ختام اللقاء، انتقل الملك سلمان من رواية الماضي إلى مسؤولية الحاضر، مؤكدًا أن على أبناء المملكة واجبًا كبيرًا في المحافظة على عقيدتهم ودينهم، والتمسك بالشرعية والتوحيد والتلاحم والمحبة بين أبناء الشعب وقبائله ومناطقه وقيادته. وعدد ثلاث نعم كبرى أنعم الله بها على البلاد: وجود بيت الله الحرام ومسجد رسوله صلى الله عليه وسلم، وثروة الرجال والأبناء الأوفياء، ثم الثروة المادية. ويكشف هذا الترتيب مكانة الإنسان في رؤيته؛ فقبل الموارد المادية تأتي رسالة المكان وثروة الرجال القادرين على حملها. كما دعا إلى تبصير الشباب بما عاشه الآباء والأجداد من قسوة العيش وشح الموارد وضياع الأمن قبل التوحيد، حتى يقدّروا ما ينعمون به من أمن واستقرار ورغد عيش. فمعرفة البدايات ليست استغراقًا في الماضي، وإنما طريق لفهم الحاضر وصيانة مكتسباته. وبعد ثلاثين عامًا من بثه، لم يعد ذلك اللقاء مجرد مادة تلفزيونية ارتبطت بمناسبة وطنية، بل أصبح شهادةً يروي فيها الملك سلمان، يوم كان أميرًا لمنطقة الرياض، فهمه لشخصية والده، وفلسفة الدولة التي أسسها، وتاريخ العاصمة التي رافق تحولها، ودور المؤسسات في حفظ الذاكرة الوطنية. وبين حديثه عن توحيد القلوب، واستثمار الرجال، وثبات المبادئ، وتطوير الوسائل، وتعريف الشباب بتاريخ بلادهم، بقي المعنى الذي اختصر به مسيرة المملكة حاضرًا: «النهج هو النهج ذاته مع تطور الأساليب والوسائل حسب متطلبات كل زمان». * رابط اللقاء من قناة ذكريات (موقع يوتيوب): www.youtube.com/watch?v=N1ZHysduIUE