المؤلف د. إيهاب بدوي، عضو اتحاد كُتّاب مصر، ويحمل الدكتوراه في إدارة الأعمال، يقول في مقدمة كتابه: قضيت بداية حياتي بين المدينة المنورة والقصيم نهاية السبعينيات حتى منتصف الثمانينيات من القرن العشرين، وكنت شاهدًا صغيرًا على التطور العظيم الذي حدث في ذلك الوطن الكبير، وحصلت على الشهادة الابتدائية والإعدادية من هناك، ولم أشعر يومًا أنني غريب؛ فهي بلادي لا شك، تحتوي كلّ الغرباء وتعاملهم معاملة أهل البلد، وتليق بالتأكيد بأن تكون موطن كلّ العرب والمسلمين، وقد أتاح لي نظام التعليم الراقي وجودة المعلمين المتميزة أن أتفوق طوال دراستي. إنّ أهمّ حدث سياسي في الشرق الأوسط بعد انهيار الدولة العثمانية هو تأسيس المملكة العربية السعودية، ومع الوقت قامت حضارة حديثة في كامل الجزيرة العربية لأول مرة في التاريخ، تضاف إلى الحضارات المؤسسة للعالم القديم في الشرق الأوسط وهي الحضارات العراقية والمصرية واليمنية والشامية. في عصر تأسيس الدولة كان الثقل الحقيقي في المشهد العالمي للدول التالية: إنجلترا في المقام الأول، ثم الإمبراطوريات القديمة وهي العثمانية والألمانية والنمساوية والروسية، ولم تكن الولايات المتحدة قد ظهرت بعد، وكانت الحرب العالمية الأولى فاصلًا نهائيًا بين العالم القديم والعالم الحديث. قُسّمت الأراضي العربية بين إنجلترا وفرنسا وإيطاليا، ودخل اليهود في المعادلة بمساعدة الإنجليز فاحتلوا الأراضي الفلسطينية، وفُرِض الأمر الواقع المستمر حتى اليوم. تحرر العالم العربي تباعًا من الاحتلال الغربي، والسعودية هي الدولة العربية الوحيدة التي لم يتم احتلالها، وذلك لأنها بدأت مسيرة التحرير والتوحد وأصبح لها وجود مستقل منذ مطلع القرن العشرين قبل الحرب الكونية الأولى. تحررت معظم الدول العربية، ولكن ما إن جاء القرن الحادي والعشرين حتى دخل أكثرها في التفكك والفقر، باستثناء دول الخليج التي استفادت من عوائد النفط ومن تنويع مصادر الثروة وتحولها إلى أن تكون مؤثرة في المسرح السياسي، أما باقي الوطن العربي فقد كانت صورته مأساوية؛ إذ تفكك العراق واليمن والسودان وليبيا، ودُمرت سوريا والجزائر، أما السعودية فقد خرجت برؤية طموحة تجعلها نجم المستقبل في العالم العربي. أهمّ العوامل التي ساعدت على توحيد البلاد هي المرجعية الدينية؛ فقبائل الجزيرة العربية تميل للتدين والمحافظة على العادات والتقاليد، لذلك أثرت فيهم بشدة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب. كما أن المساواة والتوزيع العادل للثروة والحرص على بناء مجتمع متعاون كان له أكبر الأثر في جمع القبائل ومساعدتهم لآل سعود وقبولهم بحكمهم ومبايعتهم لهم. أحصى الكاتب خمسًا وعشرين صفة للملك عبد العزيز جعلته من صناع التاريخ المبهرين، منها: الحكمة، والإصرار، والمبادرة، والشجاعة، والمرونة، والرؤية الواضحة، والقدرات التخطيطية، والهيبة، والهدوء، والتدين، والثقافة الواسعة. يُعرف الملك عبد العزيز عند العرب باسم (عبد العزيز)، وعند الغرب بـ (ابن سعود)، ولقبه الإعلام الغربي عام 1934م بـ (أوتو فون بيسمارك) العرب، و(نابليون) العرب، و(أوليفر كرومويل) الصحراء، و(الملك سليمان) الجديد، وأطلق عليه عام 1931م (جورج واشنطن) الأمة الجديدة، كما أطلق عليه بعد تأسيس السعودية (زعيم الجزيرة العربية). عرض الكتاب تاريخ الملك عبد العزيز وتاريخ الدولتين السعوديتين الأولى والثانية، ولم يكتف بالتركيز على الحروب التوحيدية، بل كتب عن الاقتصاد والتعليم وإدارة الموارد والعلاقات الدولية، والمعمار في الدرعية والرياض. يشبه الكاتب الملك عبد العزيز بـ (مينا) موحد القطرين زمن الفراعنة، وبالقائد الأموي عبد الرحمن الداخل الذي أسس الدولة الأموية في الأندلس. عندما انتهت الدولة السعودية الثانية، كانت القبائل تخشى من إقامة والده الإمام عبد الرحمن بينها، فاختار الكويت؛ فقد كانت المكان المثالي لمراقبة الأحوال في نجد. بعد عشر سنوات سمح الإمام عبد الرحمن لولده عبد العزيز بأن يتوجه لفتح الرياض، فاصطحب ستين من رجاله منهم عشرة من آل سعود، ووضع نصب عينيه ألا يلتقي مواجهةً مع قوات ابن رشيد التي تفوق قواته عددًا وعتادًا وتدريبًا، وقرر أن يكون تزوّد قواته بالمؤونة من البلدان والقرى التي يمر بها؛ لأن قواته قليلة العدد من جهة، وليس لديها وسائل نقل كافية من الإبل لحمل الزاد الكثير والمعدات والعتاد، ولو فعل ذلك لربما انكشف أمره لابن رشيد. اعتمدت خطة عبد العزيز على أسلوب المباغتة في الحرب. في مسيره اجتمع حوله نحو ألف من رجال القبائل، فتنبه ابن رشيد الذي طلب من السلطات العثمانية منع تحركات عبد العزيز في مناطق نفوذها، فانفضّ من اجتمع له من رجال القبائل ولم يبت معه إلا الستون الذين اصطحبهم أولًا، وقطعت السلطات العثمانية معاش والده. أرسل الإمام عبد الرحمن رسولًا إلى ولده يطلب عودته إلى الكويت، وهنا قال لأصحابه: «أنتم أحرار فيما تختارونه، أما أنا فلن أعرض نفسي لأكون موضع سخرية في أزقة الكويت»، وعقّب: «من أراد الراحة، ولقاء أهله، والنوم والشبع، فإلى يساري»، فلم يتخلف عنه منهم أحد. استطاع فتح الرياض، وما إن سمع به رجال القبائل حتى تبعه كثيرون في مسيرته التوحيدية. وتوالت حملاته وحافظ على انتصاراته رغم أن الدولة العثمانية ساندت ابن رشيد بكتائب من جيوشها، بلغ عددهم في معركة الشنانة نحو ألفَي رجل، وكانت معركة ضخمة خسر فيها عبد العزيز تسعمئة من رجاله بينما قُتل ألفٌ من جنود الأتراك وثلاثمئة من جيش ابن رشيد. تفادت بريطانيا التدخل في النزاع الدائر بينهما، ونصحت أمير الكويت بعدم مساعدة عبد العزيز آل سعود على ابن رشيد. لكن عبد العزيز آل سعود اتصل ببريطانيا، وطلب تأييدها له مقابل تأييد العثمانيين لابن رشيد، ولكنها لم تستجب، حتى إنها لم تصغ إلى نصيحة مندوبها في المنطقة الذي نصحها بالتعامل مع عبد العزيز. وكان المندوب البريطاني في الخليج -بيرسي كوكس- يدرك أهمية الدور الذي سوف يضطلع به عبد العزيز في شبه الجزيرة العربية، وأن تجاهل الحكومة البريطانية له سوف يدفعه إلى التحالف مع قوى أخرى. وقد أكد كوكس أن التفاهم معه سوف يزيل قلق سلطان مسقط وشيوخ ساحل الخليج العربي، وكذلك أن تأييد ابن سعود يساعد بريطانيا على قمع أعمال القرصنة في المناطق الشمالية من الخليج العربي. ولكن عندما ضم الإمام عبد العزيز الأحساء خشيت بريطانيا من توسعه على حساب مناطق نفوذها في الخليج؛ لأن الدولة السعودية الأولى قد ضمت الكثير منها إلى أراضيها. أوفدت بريطانيا الكابتن وليام شكسبير ليطلب منه أن ينضم إلى حاكمَي الكويت والمحمرة لمساعدتها على انتزاع البصرة من الأتراك، مقابل أن تعترف به حاكمًا مستقلًا، وتقيم علاقات معه، وتحميه من أي هجوم بحري. تبيّن لشكسبير أن عبد العزيز يريد البقاء على الحياد بين بريطانيا والدولة العثمانية حتى يتوصل إلى اتفاقية موقعة ومختومة مع بريطانيا. وبدأت المحادثات بين بريطانيا وعبد العزيز، وانتهت إلى عقد معاهدة دارين. وخلال الحرب العالمية الأولى، اتخذ عبد العزيز موقف الحياد بين بريطانيا والدولة العثمانية. مع أن بريطانيا لم تكن راضية عن ذلك الموقف، إلا أنها أمدته ببعض المساعدات المالية والعسكرية. وبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، أصبح نفوذ بريطانيا في المنطقة العربية أقوى؛ فقد أصبح العراق والأردن وفلسطين تحت النفوذ البريطاني، ورعت بريطانيا عقد معاهدة المحمرة بين السعودية والعراق. قبل ذهاب الملك عبد العزيز إلى مصر في زيارة رسمية، وصلت إلى ميناء جدة ثلاث سفن مصرية، مزدانة بالأعلام والشعارات، تحمل إحداها بعثة شرف، ولفت نظري أن بعثة الشرف ضمت الأديبين عباس العقاد وإبراهيم المازني، أوفدت لمرافقة الملك عبد العزيز في قدومه إلى السويس. نزلت بعثة الشرف بجدة، فصحبت الملك عبد العزيز إلى اليخت “المحروسة”. إن وجود رجال الفكر في هذا اللقاء دلالة تقدير لا تخفى؛ فالعقاد مثلًا كان محسوبًا على المعارضة في مصر، ولكن وجودهما في موكب الملك عبد العزيز كان دليلًا على توحد المصريين خلف تعزيز العلاقة بين أهم دولتين عربيتين آنذاك. عندما كان الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت عائدًا من مؤتمر يالطا الذي رسم فيه مستقبل العالم بعد الحرب الكونية الثانية، التقى بعض قادة العرب وكان من بينهم الملك عبد العزيز. دار الاجتماع حول عدد من القضايا العربية، ومن ضمنها القضية الفلسطينية والهجرة اليهودية وحق الشعب الفلسطيني بالعيش على أرضه. طلب روزفلت نصيحة الملك حول مشكلة اللاجئين اليهود الذين طردوا من أوروبا، فكان رد الملك أن عليهم العودة للعيش حيث طردوا، وأن تتحمل ألمانيا ذلك، أما أولئك الذين دمرت منازلهم وليس لهم فرص العيش في أوطانهم فيجب أن يعطوا مكانًا للعيش في دول المحور التي كانت تضطهدهم. أجرت مجلة «لايف» LIFE الأمريكية لقاءً تاريخيًا مع الملك عبد العزيز تحت عنوان: ابن سعود «ملك السعودية» ملك صنع مملكة. وتصدرت صورة الملك عبد العزيز جالسًا على كرسي، غلاف المجلة لعددها الصادر في 31 مايو 1943م، مبرزة أهمية تلك الشخصية السياسية. وصفت المجلة الملك عبد العزيز بأنه أحد أقوى الرجال في عصره وقام بعمل عظيم لا مثيل له في تلك المرحلة الحرجة، فيما يعد التقرير أول لقاء رسمي لصحيفة غربية مع الملك عبد العزيز في الرياض، وتُعد المجلة مرجعًا تاريخيًا مهمًا تناولت الكثير من الجوانب الخاصة بالمملكة. رصدت المجلة صورًا ضوئية عن الحياة اليومية والأماكن التاريخية والأثرية، إلى جانب توثيق طريق الرحلة من جدة إلى الرياض مرورًا بمحطات التوقف بين المدينتين، وضمت المجلة رؤية ومشاهدات مهمة لسني نهضة السعودية. أورد المؤلف مجموعة من أقوال الملك عبد العزيز، التي تصلح للتدريس للناشئة لأنها تحوي كل ما فهمه الرجل وعاه من دينه وتجربته الثرية، مثل: جميع الحقوق التي تسعى البشرية لها من إسعاد البشر، ومن رفع مستوى المعيشة، ومن التراحم بين الناس، ومن الشورى ومن حفظ حقوق الإنسان من كل المقاييس والمعايير التي يدعيها ويقول بها الناس في هذا الزمان، محفوظة في كتاب الله وسنة رسوله. والكتاب رحلة جميلة مع دولة الحاضر والمستقبل، وضمّ الكثير مما يصعب عرضه في مقال واحد.