عبد العزيز بن عيَّاف.. القاسم المشترك
كان إنشاء جامعة الملك سعود عام 1377 (1957م) إحدى العلامات الأبرز في مسيرة مدينة الرياض، إذ مثَّلت مع بعدها الوطني، إضافة نوعيَّة للبنية الأساسيَّة للمدينة العمرانيَّة والمعرفيَّة. وكان ذلك إيذانًا بنوعٍ مختلفٍ من الهجرة من مناطق المملكة المختلفة تمثَّل في طالبي التعليم الجامعي الذين أضافوا تنوُّعًا سكانيًّا وحراكًا ما بين كليَّات الجامعة الوليدة التي بدأت تنتشر في أحياء متفرِّقة من المدينة ابتداءً من الملز، إلى عليشة والناصريَّة وغيرها. ابتدأت الجامعة أيضًا جذب فئةٍ مختلفةٍ من العاملين في الجامعة من أساتذةٍ من مناطق مختلفةٍ من العالم، وخاصة العربي فُرادى حينًا وبأُسرهم أحيانا. تابَعت جامعة الملك سعود تطوَّرها باضطرادٍ مزدهر، وأصبحت أيقونة التعليم الجامعيِّ بالمملكة. وتتابَعت نواتجها من خرِّيجين وأبحاث وفعاليَّات. ويكاد ألاَّ يوجد صقعٌ من أصقاع المملكة إلاَّ ويزدهي بخرِّيجين من الجامعة. وتكاد ألاَّ توجد إدارةٌ حكوميَّة أو منشأة قطاعٍ خاصٍّ رئيسيَّة لا تحتضن باعتزازٍ خرِّيجين أكفاء من الجامعة في التخصُّصات المختلفة. هذا ناهيك عن الحضور المجتمعيِّ للجامعة وتأثيرها الإيجابيِّ عليه. لم تكن الجامعة لتدرك ما أدركَته دون الثِّقة المتتابعة والعناية الكريمة من ملوك المملكة وقادتها بدءًا من الملك سعود بن عبد العزيز، ثم الملوك فيصل وخالد وفهد وعبد الله رحمهم الله، الذين وضع كلٌّ منهم بصمته الخالدة التي دعمت مسيرة الجامعة. أمَّا الملك سلمان بن عبد العزيز حفظه الله، فعلاقته بالجامعة وثيقةٌ ممتدَّة. إذ امتدَّت بيدٍ معطاءةٍ في تقديم جزءٍ كبيرٍ من أرض الجامعة التي تقوم عليها منشآتها الحاليَّة الأساسيَّة، وتابَعت مشروعات الجامعة وخاصَّةً مشروع حرمها الكبير بزياراتٍ وتوجيهات، وتفاعَلت بثقةٍ مع فعاليَّات الجامعة من مؤتمراتٍ وأحداث ثقافيَّة مثل معرض الرياض للكتاب وملتقى الشعر الشعبي، وأعطت أساتذتها مكانتهم المستحقَّة وأعطتهم الفرص المتوالية للمشاركة المجتمعيَّة، ورعت حانيةً على طلاَّبها الذين كان يسعدهم بحضور حفلات تخرُّجهم. وغير ذلك كثير، فقد كان حفظه الله يعرف باعتزازٍ مكانة الجامعة للمدينة وللمملكة، ويرى فيها علامةً من علامات تميًّز العاصمة التي شرَّفها بقيادته لأكثر من نصف قرن. جاءت رؤية المملكة2030 برعاية الملك سلمان بن عبد العزيز حفظه الله، وإدراك ومتابعة صاحب السموِّ الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء أيَّده الله، لتقدِّم دعمًا نوعيًّا مختلفًا للجامعة منطلقًا من ثقة سموِّه بالجامعة التي يعدُّ أحد أبرز خرِّيجيها وأبرِّ أبنائها بها، في ضوء طموحه “أن نكون ضمن أفضل ۲۰ إلى ۳۰ نظاماً تعليميًّا. ومن قناعة سموِّه الكريم بأنَّنا “نملك كلَّ شيء لتحقيق ذلك”، منحت الرؤية الجامعات السعوديَّة الحريَّة في تحديد هويتها ورسم رؤيتها الخاصَّة التي تتَّفق مع توجُّهات الرُّؤية والتَّركيز على الابتكار ومدِّ جسور التواصل المعرفيِّ من أجل حضورٍ دوليٍّ مرموق، وقدَّمت الرُّؤية الممكَّنات لذلك. وتأكيدًا لأهمية جامعة الملك سعود تشرَّفت الجامعة بانضوائها تحت مظلَّة الهيئة الملكيَّة لمدينة الرياض التي تتشرَّف برئاسة سموِّ وليِّ العهد رئيس مجلس الوزراء، مجلس إدارتها، ومن ثمَّ تحت مؤسسة الرياض غير الربحيَّة حال اكتمال تأسيسها، كما أن الجامعة إحدى خمس جامعاتٍ سعوديَّةٍ تستهدفها الرُّؤية للدخول ضمن أفضل 200 جامعة وفق تصنيف الجامعات العالميَّة. خطَت الجامعة خطوةً رائدةً في تصنيفها حيث أصبحت أوَّل جامعةٍ سعوديَّةٍ تدخل ضمن أفضل 100 جامعةٍ عالميَّة. يمثِّل تاريخ 3/3/ 1448 نقطةً مهمَّة في مسيرة جامعة الملك سعود حيث صدر الأمر الملكي الكريم بإعادة تشكيل مجلس إدارتها برئاسة صاحب السموِّ الأمير الدكتور عبد العزيز بن عيَّاف. ويعكس ذلك بالتأكيد استمرار الثِّقة الكريمة في سموِّه. وقد استدرج التعيين فيضًا من الكتابات المُشيدة بسموِّه والمستعرضة لسيرته ومسيرته، وتعدُّد إنجازاتها وتميُّزها برفعة المستوى. ولست هنا في مجال تكرار ذلك، فسمو الأمير بن عيَّاف مغنيٌّ عن التعريف. وأحسب أنَّ تبوُّأه رئاسة مجلس إدارة الجامعة هو فرصةٌ للجامعة فيه؛ الجامعة التي درس بها ودرَّس، وربَّما لم يدر في خلده يوماً أن يعود ليدير جامعته. يعدُّ تطوير هذه الجامعة الأم مهمَّة متعدِّدة الجوانب، مغرقةً في التحدِّيات، وافرةً في الآمال والتطلُّعات. والمهمَّة أوسع من التعامل مع مؤسَّسةٍ أكاديميَّة بحتةٍ فقط، بل مع منظومةٍ متشعِّبة الامتدادات. فبالإضافة إلى الجوانب الأكاديميَّة، هناك المدينة الطبيَّة بمستشفياتها، ومساكن الطلاَّب وأعضاء هيئة التدريس، وهي مدينةٌ متكاملةٌ بمرافقها وأحيائها وتعقيداتها. وتتطلَّب تلك المهمَّة الكثير من أبرزه تطوير المدينة الجامعيَّة، والعناية بركائزها الأساسيَّة من الطلاَّب وأعضاء هيئة التدريس، والارتقاء بالمناهج والبحث العلمي، وتأكيد الحضور المجتمعي، وتمكين الاستدامة البيئيَّة والماليَّة. ومَن استطاع العناية بمدينةٍ غير تقليديَّةٍ كالرياض وتوجيه تنميتها وفتح آفاقٍ في التعامل معها، لن يعجزه التعامل مع مدينةٍ كجامعة الملك سعود. وسموُّ الأمير عبد العزيز بن عيَّاف يعرف معاني التميُّز في الإنجاز، ويدرك معادلة النجاح. حدَّد الأمر الملكي مدَّة مجلس الإدارة الجديد بسنةٍ واحدة. ويعني ذلك بوضوح أمرين، الأول الرَّغبة الملكيَّة الكريمة في الخطوات لإنجازاتٍ تطويريَّة سريعًا، والثَّاني تأكيد الثَّقة في سموِّ رئيس مجلس الإدارة المعيَّن وقدرته على تحقيق المطلوب. وعدا عن علاقة سموِّه بالجامعة، فهو ليس بعيدًا عن مجال الإدارة الجامعيَّة، وتشرَّف بأن اختاره خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، أمير منطقة الرياض آنذاك، ليتولَّى مهمَّة تأسيس جامعة الأمير سلطان، كأوَّل جامعةٍ أهليَّة في المملكة. وأنجز سموُّه بإشراف صاحب الأمر، المهمَّة بكلِّ اقتدار، وما يزال. وفيما كانت تلك النَّقلة في التعليم الجامعي بين سلمان بن عبد العزيز وعبد العزيز بن عياف، تبدو ملامح تاريخٍ يعيد نفسه بين محمد بن سلمان بن عبد العزيز وعبد العزيز بن عيَّاف، الذي يبدو وكأنَّه القاسم المشترك، لتحقيق رؤية سمو الأمير محمد بن سلمان الطَّموحة حيال تطوير جامعته، جامعة المملكة، جامعة الملك سعود.