استقلال القرار في عالم متغيّر..

الملك عبدالعزيز وقراءة التحولات الدولية.

شرف كبير أن أكون بينكم اليوم في هذا الصرح الذي يحمل اسم عَلَمٍ من أعلام المعرفة في المملكة العربية السعودية والعالم العربي؛ العلَامة الشيخ حمد الجاسر، الذي لم يكن مؤرخًا أو جغرافيًا أو نسّابةً فحسب، بل كان موسوعيَّ المعرفة، واسعَ الأفق، جمع بين التاريخ والجغرافيا والأنساب واللغة والأدب والتراث، ووصل بينها بعقل الباحث المدقق، وبصيرة المفكر الذي يدرك أن معرفة المكان لا تنفصل عن معرفة الإنسان، وأن قراءة التاريخ لا تكتمل من دون فهم الجغرافيا والمجتمع والثقافة. لقد مثّل الشيخ حمد الجاسر نموذجًا فريدًا للعالِم الذي تجاوز أثره حدود تخصصه وحدود وطنه؛ فكان حاضرًا في المشهد العلمي والثقافي السعودي والعربي والإسلامي، وأسهم بمؤلفاته وبحوثه ومشروعه المعرفي في حفظ جانب مهم من ذاكرة الجزيرة العربية، والتعريف بمواضعها وأنسابها وتاريخها وتراثها، وربط ذلك كله بمنهج علمي رصين وشغف معرفي لا يعرف الحدود. ومن هنا، فإن الحديث في رحاب مركز يحمل اسمه يكتسب بالنسبة إليّ معنى خاصًا؛ ولهذا أجدني اليوم أكثر سعادةً واعتزازًا بأن أشارككم هذه المحاضرة في هذا المكان، وبين هذه النخبة العظيمة من المهتمين بالتاريخ والثقافة والأدب. ويسعدني أن أقدّم هذه المحاضرة في مناسبة اليوم الوطني العزيزة على قلوبنا جميعًا؛ وأرفع فيها أصدق التهاني لوطننا الغالي، قيادةً وشعبًا، سائلةً الله أن يحفظ المملكة، وأن يديم عليها أمنها واستقرارها وازدهارها، وأن يصونها في ظل ما يشهده عالمنا ومنطقتنا من ظروفٍ وتحديات، وأن تبقى دائمًا وطنًا شامخًا آمنًا مطمئنًا. ولعل ما تشهده منطقتنا اليوم من تحولاتٍ متسارعة وتحدياتٍ متشابكة هو ما يجعل العودة إلى لحظات التأسيس والتوحيد أكثر دلالة؛ لا لاستعادة الماضي فحسب، وإنما للتأمل في الكيفية التي أُديرت بها تحدياته، وصيغت في ظلها مصالح الدولة وخياراتها. ومن هنا اخترت أن أتحدث إليكم اليوم عن الملك عبدالعزيز من زاوية أراها جديرة بالتأمل، وهي:   كيف قرأ الملك عبدالعزيز التحولات الدولية من حوله؟ وكيف حافظ على مصالح دولته واستقلال قرارها في عالم شديد التغير؟ حين نتحدث عن الملك عبدالعزيز، فإن الصورة التي تحضر إلى أذهاننا غالبًا هي صورة القائد الشاب الشجاع الذي استرد الرياض، ثم مضى في مشروع وطني طويل في ثلاثين عاماً انتهى بتوحيد المملكة العربية السعودية ثم إعلانها عام 1351هـ/1932م ليواصل بعدها مسيرة أخرى في بناء الدولة وتنميتها. وهذه بلا شك هي الصورة الكبرى في تاريخ الملك عبدالعزيز. لكن... بناء الدولة لم يكن يجري داخل فراغ. فالملك عبدالعزيز الذي استرد الرياض في 5 شوال 1319هـ/15 يناير 1902م، لم يكن العالم الذي بدأ فيه مشروعه هو العالم نفسه الذي ترك فيه المملكة عند وفاته سنة 1373هـ/1953م. فخلال هذه العقود الخمسة سقطت الدولة العثمانية، ووقعت حربان عالميتان، وأعيد تشكيل المشرق العربي، وظهرت دول وحدود جديدة، وتراجعت قوى دولية، وصعدت أخرى، وبرزت الولايات المتحدة قوة عالمية، ودخل النفط عنصرًا أساسيًا في السياسة الدولية، ونشأت جامعة الدول العربية والأمم المتحدة، وأصبحت فلسطين قضية مركزية في العلاقات العربية والدولية. أي أن الملك عبدالعزيز لم يكن يبني دولة في عالم مستقر، وإنما كان يبنيها في عالم يعيد تشكيل نفسه باستمرار. ومن هنا يأتي السؤال الذي أريد أن يكون محور حديثي: ما الذي بقي ثابتًا في مصالح دولة الملك عبدالعزيز، وما الذي تغير في علاقاتها الدولية؟ وأعتقد أن هذا التمييز بين الثابت والمتغير يمنحنا مدخلًا مهمًا لفهم سياسته الخارجية ودورها في بناء الدولة واستقرارها. الثابت في المصالح والمتغير في العلاقات إذا تتبعنا السياسة الخارجية للملك عبدالعزيز نجد أن الأطراف تغيرت، ودرجة التقارب معها تغيرت، والاتفاقيات تغيرت، وموازين القوى نفسها تغيرت. لكن هناك مصالح أساسية ظلت حاضرة. في مقدمتها استقلال الدولة وسيادتها وحرية قرارها. ثم أمن الدولة ووحدة كيانها. وتثبيت حدودها ومكانتها الإقليمية. وحماية مصالحها الاقتصادية. والمحافظة على مكانتها العربية والإسلامية. أما المتغير فكان الوسائل والعلاقات: مع من تتعامل الدولة؟ وما درجة التقارب؟ ومتى تفاوض؟ ومتى تعيد صياغة العلاقة؟ ومتى تتفق؟ ومتى تختلف؟ وبعبارة مختصرة: كانت الدولة ومصالحها هي الثابت، أما العلاقات الدولية ووسائلها فكانت متغيرة بتغير الظروف وموازين القوى. ولدينا شواهد كثيرة تؤيد هذه القراءة. تتضح في عدة أمور: أولًا: بناء الدولة لم يكن مشروعًا محليًا معزولًا عندما استرد الملك عبدالعزيز الرياض في 5 شوال 1319هـ/15 يناير 1902م، كانت الدولة العثمانية لا تزال موجودة، وكانت بريطانيا القوة الدولية الأكثر نفوذًا في الخليج، وكانت أجزاء واسعة من محيط الجزيرة تدخل ضمن حسابات القوى الدولية (روسيا المانيا). وعندما ضم الملك عبدالعزيز الأحساء سنة 1331هـ/1913م، أصبحت دولته تطل مباشرة على الخليج، أي على مجال شديد الأهمية للمصالح البريطانية. ثم جاءت الحرب العالمية الأولى سنة 1332هـ/1914م، فأصبح الموقف أكثر تعقيدًا. الدولة العثمانية دخلت الحرب إلى جانب دول الوسط، وبريطانيا كانت في الطرف المقابل (الحلفاء)، وتحولت المنطقة إلى ساحة من ساحات التنافس الدولي. وفي هذه الظروف جاءت معاهدة دارين في 18 صفر 1334هـ/26 ديسمبر 1915م. وهنا من المهم في قراءة هذه العلاقة ألا نحولها إلى صورة ثابتة، فنقول إن الملك عبدالعزيز اختار بريطانيا وأصبح مرتبطًا بها بصورة دائمة. فالوثائق اللاحقة تخبرنا بشيء مختلف. لقد كان يتعامل مع بريطانيا لأنها القوة الأكثر حضورًا في تلك المرحلة، ولكن العلاقة مع بريطانيا نفسها كانت قابلة لإعادة التفاوض كلما تغيرت ظروف الدولة. وهنا نصل الى الشاهد الثاني ثانيًا: من دارين إلى جدة… والمتمثل في معاهدة جدة التي وُقعت في 18 ذي القعدة 1345هـ/20 مايو 1927م، وهي منعطف مهم في علاقات الملك عبدالعزيز الخارجية ومن الشواهد التي تدل على إدراكه للمتغيرات والثوابت فمن دارين الى جدة يتضح مدى إدراكه لنقطة مهمة وهي “عندما تتغير قوة الدولة تتغير شروط العلاقة”. وإذا وضعنا معاهدة جدة إلى جوار معاهدة دارين، فنحن لا نقارن وثيقتين فقط، وإنما نقارن موقع الدولة السعودية في لحظتين تاريخيتين مختلفتين. ففي 1334هـ/1915م كان مشروع الملك عبدالعزيز لا يزال في طور التوسع. أما في 1345هـ/1927م فقد تغيرت الصورة: اتسعت الدولة، ودخل الحجاز تحت حكم الملك عبدالعزيز، وسقطت الدولة العثمانية، وتغيرت موازين القوى في الجزيرة. ولهذا جاء نص المادة الأولى من معاهدة جدة بالغ الدلالة، إذ اعترفت بريطانيا بما وصفه النص الإنجليزي بـ: (كمبليت آند ابسلوت إندبندس) “complete and absolute independence” أي: الاستقلال الكامل والمطلق لمملكة الحجاز ونجد وملحقاتها. ثم جاءت المادة التاسعة لتقرر انتهاء العمل بمعاهدة دارين بعد التصديق على المعاهدة الجديدة. وهذا النص مهم جدًا؛ لأنه يسمح لنا بأن نرى السياسة الخارجية في حركة، لا في صورة جامدة. فالطرف الدولي نفسه هو بريطانيا، لكن العلاقة لم تبقَ كما كانت. وهنا يمكن أن نقول: بريطانيا لم تكن هي الثابت؛ استقلال الدولة كان هو الثابت. أما شكل العلاقة مع بريطانيا، فيمكن أن يتغير عندما تتغير قوة الدولة وظروفها. وهذه قاعدة تتكرر في تجربة الملك عبدالعزيز: كلما تعزز الداخل، اتسعت قدرة الدولة على إعادة صياغة علاقاتها في الخارج. ثالثًا: الأمن الإقليمي… الدولة أولًا ومن الوثائق المهمة جدًا لفهم ما كان الملك عبدالعزيز يعدّه مصلحة أساسية لدولته، وثيقة أمريكية تعود إلى سنة 1362هـ/1943م. كانت المنطقة في ذلك الوقت تشهد نقاشًا حول مشروعات الوحدة العربية، وكانت هناك تصورات عراقية وهاشمية مختلفة لمستقبل المنطقة. وتنقل الوثيقة الأمريكية عن الملك عبدالعزيز تأكيده أنه لا يملك طموحات إقليمية شخصية خارج بلاده، وأن ما يريده هو أن تنال سوريا وفلسطين استقلالهما، وأن تكون هناك مجموعة متوازنة من الدول العربية المستقلة. وهذه نقطة بالغة الأهمية. فالملك عبدالعزيز، بعد أن بنى دولته، لم يكن ينظر إلى كل فراغ سياسي حوله باعتباره فرصة للتوسع. بل كان يسأل: ما أثر ما يحدث حولي على أمن الدولة السعودية؟ وتظهر الوثيقة نفسها أنه كان قلقًا من أي تكتل إقليمي يمكن أن يتحول إلى مصدر تهديد للمملكة. وهذا يكشف لنا أن أمن الدولة وتوازن محيطها الإقليمي كانا جزءًا أساسيًا من حساباته الخارجية. وفي وثيقة أخرى من العام نفسه 1362هـ/1943م، نقل الأمير فيصل أثناء زيارته للولايات المتحدة أن والده كان يريد قبل كل شيء أن تكون بلدان الشرق الأدنى والأوسط مستقلة ومستقرة، وأنه يريد المحافظة على السلام مع جيرانه، ويتوقع منهم المعاملة نفسها. إذن نحن أمام تصور لا يقوم فقط على قوة الدولة منفردة، وإنما على وجود محيط إقليمي لا يشكل تهديدًا لها. رابعًا: الحدود وتحويل النفوذ إلى دولة وهنا تأتي أهمية الحدود. العقير سنة 1341هـ/1922م، وبحرة وحدّة سنة 1344هـ/1925م، وجدة سنة 1345هـ/1927م، والطائف سنة 1353هـ/1934م. هذه الاتفاقيات ليست مجرد قائمة من المعاهدات. إنها تعكس عملية تاريخية أكبر: تحويل المجال الذي وحّده الملك عبدالعزيز إلى دولة محددة السيادة والعلاقات والحدود. فالحدود في النظام الدولي الحديث ليست مجرد خطوط جغرافية. إنها اعتراف بسيادة الدولة. ومن هنا فإن الدبلوماسية لم تكن نشاطًا جاء بعد انتهاء عملية التوحيد، بل كانت إحدى أدوات استكمالها. التوحيد أعطى الدولة قوتها على الأرض. والمعاهدات حولت جانبًا من هذه القوة إلى وضع قانوني وسياسي معترف به خارجيًا. خامساً: توسيع دائرة العلاقات الدولية: من العلاقة بالقوة الكبرى إلى تعدد الخيارات ولكن الحديث عن تحرر القرار السعودي تدريجيًا من ثقل العلاقة مع بريطانيا لا يعني أن البديل كان انتقالًا مباشرًا من بريطانيا إلى الولايات المتحدة. فهذه القراءة تختصر السياسة الخارجية للملك عبدالعزيز أكثر مما ينبغي. ما حدث في الحقيقة كان أوسع من ذلك. فمع اتساع الدولة، ولا سيما بعد دخول الحجاز تحت حكم الملك عبدالعزيز، بدأ اتجاه واضح نحو توسيع دائرة العلاقات الخارجية وتنويعها، والحصول على اعتراف دولي أوسع بالدولة. وهنا أعتقد أننا أمام تحول مهم في سياسة الملك عبدالعزيز الخارجية. ففي المرحلة الأولى كان التعامل مع الخارج مرتبطًا إلى حد كبير بالقوى الموجودة مباشرة حول الجزيرة العربية، وفي مقدمتها بريطانيا والدولة العثمانية. أما بعد منتصف العشرينيات، فقد أصبحت الدولة السعودية قادرة على أن تفتح قنواتها الدبلوماسية في اتجاهات متعددة، شرقًا وغربًا، مع دول تختلف في أنظمتها السياسية ومصالحها وتوجهاتها. وهذا التنوع في حد ذاته يستحق التوقف عنده. فالعلاقة لم تكن مع بريطانيا وحدها، ثم الولايات المتحدة لاحقًا، وإنما نجد علاقات مع الاتحاد السوفيتي، وألمانيا، وإيطاليا، وفرنسا، وهولندا، وتركيا، وفارس، وغيرها من الدول. واللافت أن هذه الدول لم تكن تنتمي إلى كتلة سياسية واحدة، ولم تكن متفقة فيما بينها. وهنا تحديدًا تظهر أهمية السياسة التي اتبعها الملك عبدالعزيز: العلاقة الخارجية لم تكن مبنية على الانتماء إلى محور دولي بعينه، وإنما على ما تحققه العلاقة من مصلحة للدولة السعودية. ومن أقدم وأوضح الأمثلة على ذلك العلاقة مع الاتحاد السوفيتي. ففي سنة 1344هـ/1926م أقام الملك عبدالعزيز علاقات مع الاتحاد السوفيتي، وكان الاتحاد السوفيتي من أوائل الدول، بل أول دولة وفق المصادر السعودية، التي اعترفت رسميًا بسلطة الملك عبدالعزيز بعد دخوله الحجاز. ثم تطورت العلاقة، وتحولت القنصلية السوفيتية في جدة سنة 1349هـ/1930م إلى بعثة دبلوماسية على مستوى أعلى. وفي سنة 1351هـ/1932م قام الأمير فيصل، وزير الخارجية آنذاك، بزيارة إلى موسكو ضمن تحرك دبلوماسي سعودي أوسع. وهذه العلاقة تستحق التأمل. فنحن نتحدث عن دولة سعودية تقوم في نظامها ومرجعيتها على أسس مختلفة جذريًا عن النظام الشيوعي السوفيتي. ومع ذلك، لم يمنع الاختلاف الأيديولوجي من إقامة العلاقة الدبلوماسية عندما كانت هناك مصلحة سياسية للدولة. وهنا يظهر أمامنا مرة أخرى الفرق بين الثابت والمتغير: لم يكن المطلوب أن تتطابق المملكة فكريًا مع الدولة التي تقيم معها علاقة، وإنما أن تحتفظ بثوابتها، وفي الوقت نفسه تستخدم العلاقات الدولية لخدمة مصالحها وتعزيز الاعتراف بها. لكن العلاقة السوفيتية نفسها لم تكن ثابتة إلى الأبد؛ فقد تراجعت لاحقًا، وانقطعت العلاقات في 1357هـ/1938م. وهذا أيضًا يخدم الفكرة التي نتحدث عنها: العلاقة الدولية ليست ثابتًا بذاتها؛ استمرارها وقوتها يرتبطان بالظروف والمصالح. وفي الاتجاه الأوروبي، لم يكتف الملك عبدالعزيز بعلاقته ببريطانيا. فقد اتجهت سياسته كذلك إلى بناء علاقات مع ألمانيا. وتكشف الوثائق الدبلوماسية الأمريكية في سنة 1348هـ/1930م أن حكومة الحجاز ونجد كانت قد أبرمت معاهدات مع ألمانيا وفارس وتركيا، وأن هذا الاتساع في علاقاتها الدولية أصبح أحد المؤشرات التي دفعت الولايات المتحدة نفسها إلى إعادة النظر في مسألة الاعتراف بالدولة السعودية. وهذه نقطة مهمة جدًا. فكل اعتراف جديد، وكل معاهدة جديدة، لم تكن مجرد إضافة اسم دولة إلى قائمة العلاقات الخارجية.كانت تعني أن الدولة السعودية أصبحت أكثر حضورًا في المجتمع الدولي، وأنها لم تعد تُقرأ فقط من خلال علاقتها ببريطانيا. وهذا بحد ذاته يزيد من هامش الحركة السياسية أمام الملك عبدالعزيز. وفي السياق نفسه جاءت العلاقات مع إيطاليا وغيرها من الدول الأوروبية. كانت إيطاليا قوة مهمة في البحر الأحمر وشرق أفريقيا، ولذلك كان وجود علاقة معها مفهومًا في الحساب الجغرافي والاستراتيجي للمملكة. فالبحر الأحمر لم يكن مجرد ساحل غربي للدولة، وإنما كان مجالًا دوليًا تتحرك فيه قوى أوروبية مختلفة، وكانت للمملكة فيه مصالح مرتبطة بالحجاز، وبالموانئ، وبالحج، وبالتجارة، وبأمن ساحلها الغربي. ومن هنا أصبح الانفتاح على أكثر من قوة أوروبية وسيلة لتوسيع المجال الدبلوماسي للدولة، بدل أن يبقى اتصالها بالعالم الأوروبي محصورًا في لندن وحدها. ويمكن أن نلاحظ الشيء نفسه في العلاقة مع فرنسا وهولندا. فالعلاقة مع هاتين الدولتين كانت لها أيضًا أبعاد تتصل بالحج؛ لأن تحت الحكم الفرنسي والهولندي في ذلك الوقت أعدادًا كبيرة من المسلمين في شمال أفريقيا وجنوب شرق آسيا. وهكذا أصبح الحجاز والحج نفسه بابًا من أبواب العلاقات الدولية للمملكة. وهنا نلاحظ شيئًا مهمًا: الملك عبدالعزيز كان يبني شبكة، لا علاقة واحدة. بريطانيا لها وزنها. والاتحاد السوفيتي له علاقته. وألمانيا لها قناتها. وإيطاليا لها مصالحها. وفرنسا وهولندا لهما صلتهما. وتركيا وفارس تمثلان دائرتين إقليميتين مهمتين. ثم ستدخل الولايات المتحدة بثقل متزايد خلال الثلاثينيات والأربعينيات. ولذلك لا أعتقد أن التعبير الأدق هو أن الملك عبدالعزيز كان «يوازن بين بريطانيا وأمريكا» فقط. الأدق تاريخيًا أن نقول إنه عمل على توسيع المجال الدولي للدولة السعودية وتنويع دوائر علاقاتها. وكلما تعددت هذه الدوائر، أصبح لدى الدولة مجال أوسع للحركة. وهذا التوسع لم يكن عشوائيًا. فبعد ضم الحجاز بدأت الشؤون الخارجية نفسها تتحول من ممارسة يشرف عليها الملك بصورة مباشرة، بمعاونة عدد من رجاله، إلى عمل مؤسسي. فأنشئت مديرية للشؤون الخارجية، ثم صدر في رجب 1349هـ/ديسمبر 1930م الأمر بتحويلها إلى وزارة الخارجية، وتولى الأمير فيصل مسؤوليتها. وهذا التحول المؤسسي مهم جدًا. لأن الدولة التي تتوسع علاقاتها لا يكفي أن تكون لها اتصالات خارجية؛ بل تحتاج إلى جهاز يجمع المعلومات، ويرسل المبعوثين، ويتابع المعاهدات، ويدير التمثيل الدبلوماسي، وينقل إلى الملك ما يجري في العواصم المختلفة. وبذلك أصبح تنويع العلاقات الخارجية مرتبطًا أيضًا بتطور مؤسسات الدولة نفسها. والنتيجة بدأت تظهر بوضوح. ففي 1350هـ/1931م اعترفت الولايات المتحدة بحكومة الملك عبدالعزيز، وكانت واشنطن، وهي تدرس قرار الاعتراف، تشير في وثائقها إلى المعاهدات التي عقدتها حكومة الملك مع دول أخرى وإلى اتساع تمثيلها الدبلوماسي بوصف ذلك دليلًا على تطور موقعها الدولي. وهنا نستطيع أن نرى كيف تراكمت الخطوات: اعتراف سوفيتي. علاقات ومعاهدات مع دول أوروبية وإقليمية. بعثات دبلوماسية. وزارة خارجية. اعتراف أمريكي. ثم شبكة دولية أوسع. إذن، لم يكن الأمر انتقالًا من مظلة بريطانية إلى مظلة أمريكية. بل كان انتقالًا من ضيق الخيارات إلى تعدد الخيارات. وهذا التمييز في رأيي مهم جدًا لفهم استقلال القرار في عهد الملك عبدالعزيز. لأن استقلال القرار لا يعني أن تكون الدولة بلا علاقات. بل ربما يكون أحد مصادر الاستقلال أن تكون للدولة علاقات متعددة دون أن تصبح أي علاقة منها بديلًا عن الدولة نفسها. وهذا يعيدنا مرة أخرى إلى الفكرة المركزية في حديثنا: الثابت هو المصلحة السعودية، والمتغير هو الطرف الدولي الذي يجري التعامل معه، ودرجة هذه العلاقة، والأداة المستخدمة فيها. ومن هنا، عندما بدأت الولايات المتحدة تبرز بقوة أكبر في الثلاثينيات والأربعينيات، وخصوصًا مع ظهور النفط ثم الحرب العالمية الثانية، لم تدخل إلى فراغ دبلوماسي. كانت المملكة قد بدأت بالفعل قبل ذلك في بناء شبكة من العلاقات الدولية. لكن صعود الولايات المتحدة أضاف إلى هذه الشبكة قوة جديدة ستصبح ذات أهمية متزايدة. ومن هنا يمكن أن ننتقل إلى التحول التالي: النفط، وصعود الولايات المتحدة، وتغير موازين القوى الدولية. سادساً: النفط… وميلاد متغير دولي جديد ثم جاءت الثلاثينيات الميلادية، الموافقة للخمسينيات من القرن الرابع عشر الهجري، ودخل النفط إلى المعادلة. في 4 صفر 1352هـ/29 مايو 1933م مُنح امتياز التنقيب عن النفط لشركة أمريكية، ثم ظهر النفط بكميات تجارية في سنة 1357هـ/1938م. وهنا تغير شيء مهم في موقع المملكة. لم تعد أهميتها مرتبطة فقط بالموقع الجغرافي، والحرمين الشريفين، ومكانتها العربية والإسلامية. أصبح هناك عنصر جديد: الطاقة. وتكشف الوثائق الأمريكية في أثناء الحرب العالمية الثانية مدى سرعة إدراك واشنطن لهذه الأهمية. ففي وثيقة من سنة 1362هـ/1943م وصفت وزارة الخارجية الأمريكية النفط السعودي بأنه أحد أكبر المكاسب الاستراتيجية النفطية في العالم، وكانت واشنطن قلقة من احتمال أن يؤدي النفوذ المالي لدولة أخرى إلى إضعاف المصالح الأمريكية في النفط السعودي. ما يهمنا هنا ليس الموقف الأمريكي في ذاته، وإنما ما يكشفه عن تغير القيمة الاستراتيجية للمملكة. وهنا يظهر أمام الملك عبدالعزيز طرف دولي جديد يزداد أهمية: الولايات المتحدة. لكن ما حدث لم يكن انتقالًا بسيطًا من بريطانيا إلى أمريكا. الأدق أن نقول إن خيارات الدولة اتسعت. أصبح أمام الملك عبدالعزيز أكثر من دائرة دولية يستطيع التعامل معها. وهذه المساحة نفسها تمنح الدولة قدرًا أكبر من حرية الحركة. سابعاً: هل كان الملك عبدالعزيز يريد استبدال بريطانيا بأمريكا؟ الوثائق لا تعطينا هذه الصورة المبسطة. فالعلاقة البريطانية بقيت مهمة، وفي الوقت نفسه تطورت العلاقة الأمريكية. ومن هنا نستطيع أن نتحدث عن تنويع العلاقات أكثر من الحديث عن استبدال حليف بحليف. وهذا يتفق مع منطق السياسة التي نراها في وثائق الملك: الدولة لا تحتاج إلى أن تجعل كل علاقاتها الخارجية تدور حول قوة واحدة. بل إن وثائق سنة 1362هـ/1943م تكشف أن الملك كان يستطلع الموقف الأمريكي من قضايا المنطقة قبل اتخاذ مواقف معينة. ففي موضوع الوحدة العربية مثلًا، نقل ممثله يوسف ياسين أن الملك كان منفتحًا على تعاون اقتصادي وثقافي عربي، لكنه متحفظ على بعض المشروعات السياسية، وكان يريد معرفة موقف واشنطن قبل بلورة موقف نهائي. وهذا شاهد مهم على جمع المعلومات قبل القرار. فصانع القرار لا يكتفي بما يريد هو، بل يسأل أيضًا: ماذا تريد الأطراف الأخرى؟ وما الذي يمكن أن ينتج عن مواقفها؟ ثامناً: كوينسي… من الرياض إلى طاولة السياسة الدولية ثم نصل إلى 1 ربيع الأول 1364هـ/14 فبراير 1945م. الملك عبدالعزيز يلتقي الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت على متن السفينة الأمريكية كوينسي في البحيرات المرة. ولنتوقف أمام المسافة التاريخية بين صورتين. الصورة الأولى: الرياض في 5 شوال 1319هـ/15 يناير 1902م. قائد في بداية مشروع سياسي طويل. والصورة الثانية: سنة 1364هـ/1945م. القائد نفسه يجلس أمام رئيس الولايات المتحدة، في اللحظة التي كانت فيها أمريكا تخرج من الحرب العالمية الثانية بوصفها قوة عالمية كبرى. هذه المسافة ليست ثلاثة وأربعين عامًا فقط. إنها مسافة بناء دولة. لكن الأهم من الصورة هو مضمون اللقاء. لدينا محضر رسمي للمحادثة، وقد صيغ بالإنجليزية والعربية؛ وتشير الوثيقة الأمريكية إلى أن النص العربي وقعه الملك عبدالعزيز في 1 ربيع الأول 1364هـ/14 فبراير 1945م، ووقع روزفلت النص الإنجليزي في اليوم التالي. أي أننا أمام وثيقة ذات قيمة عالية جدًا، وليست رواية لاحقة عن اللقاء. وفي بداية النقاش سأل روزفلت الملك عبدالعزيز عن رأيه في مشكلة اللاجئين اليهود الذين أُخرجوا من أوطانهم في أوروبا. وكان رد الملك واضحًا. رأى أن يعود من يستطيع منهم إلى البلاد التي أُخرج منها، وأن يتحمل المعتدون مسؤولية معالجة آثار ما فعلوه. ثم عرض، بحسب نص المحضر، قضية العرب وحقوقهم المشروعة في أرضهم. وهنا تكمن قيمة اللقاء بالنسبة إلى موضوعنا. الملك عبدالعزيز لم يكن مجرد متلقٍ لسياسة القوة الكبرى. الرئيس الأمريكي يسأله عن رأيه في إحدى أعقد قضايا المنطقة. وهو يعرض موقفه بوضوح، حتى عندما لا يتفق مع موقف الطرف الآخر. تاسعاً: فلسطين… شاهد على حدود المرونة وهنا أريد أن أتوقف عند فلسطين؛ لأنها ربما تكون أوضح مثال على الفرق بين المرونة السياسية والتنازل عن الثوابت. كان الملك عبدالعزيز يريد تطوير العلاقة مع الولايات المتحدة. وكانت المصالح الاقتصادية تتوسع. وكان يدرك أن الولايات المتحدة قوة صاعدة. لكن ذلك لم يجعله يغير موقفه من فلسطين لإرضاء واشنطن. ولدينا شاهد قوي جدًا على ذلك. بعد لقاء كوينسي، كتب روزفلت إلى الملك عبدالعزيز في 22 ربيع الآخر 1364هـ/5 أبريل 1945م، أي قبل وفاة روزفلت بأيام قليلة. وفي رسالته قال إنه يتذكر جيدًا المحادثة التي جمعته بالملك، وأنه خرج منها بانطباع واضح عن قوة مشاعر الملك تجاه قضية فلسطين. وأكد له كذلك أنه لن يتخذ، بصفته رئيس السلطة التنفيذية، إجراءً يمكن أن يكون معاديًا للشعب العربي. هذه الرسالة مهمة جدًا؛ لأنها تثبت أن موقف الملك في كوينسي لم يكن هامشيًا. لقد ترك أثرًا جعل الرئيس الأمريكي يعود إليه كتابةً. ثم توفي روزفلت. فهل انتهت القضية؟ لا. في شوال 1364هـ/2 أكتوبر 1945م كتب الملك عبدالعزيز إلى الرئيس الجديد هاري ترومان، وعاد مرة أخرى إلى موضوع فلسطين، وإلى ما دار بينه وبين روزفلت. إذن نحن أمام استمرار في الموقف. وهنا نستطيع أن نقول: العلاقة مع الولايات المتحدة كانت متغيرًا قابلًا للتطور، أما الموقف الذي رآه الملك مرتبطًا بالحقوق العربية في فلسطين فلم يكن قابلًا لأن يختفي لمجرد أن العلاقة مع واشنطن أصبحت مهمة. وهذا من أوضح الأمثلة على استقلال القرار. عاشرًا: العلاقة والخلاف يمكن أن يجتمعا والأكثر دلالة أننا نجد في مراسلات الملك عبدالعزيز نفسه مع الإدارة الأمريكية رغبة واضحة في الحفاظ على الصداقة، بالتوازي مع الاختلاف حول فلسطين. ففي رسالة إلى الرئيس ترومان سنة 1365هـ/1946م بدأ الملك حديثه بالتأكيد على رغبته في صيانة وتقوية الصداقة التي تربط البلدين، ثم انتقل مباشرة إلى شرح موقفه الحاد من التطورات في فلسطين. وهذا شاهد رائع على مبدأ مهم في السياسة الخارجية: ليس من الضروري أن تختار بين الصداقة والخلاف. يمكن أن تكون لك علاقة قوية مع دولة، وأن تكون بينكما مصالح مشتركة، وأن تختلف معها في الوقت نفسه في قضية جوهرية. وهذه ممارسة أكثر تعقيدًا من سياسة «معي أو ضدي». إنها القدرة على إدارة الاختلاف داخل العلاقة. حادي عشر: الملك عبدالعزيز وجمع المعلومات قبل اتخاذ القرار ومن الجوانب التي تستحق اهتمامًا أكبر في دراسة شخصية الملك عبدالعزيز السياسية طريقة حصوله على المعلومات. كيف كان يعرف ما يجري في العالم؟ لدينا المبعوثون. ووزارة الخارجية. والمستشارون. والمراسلات. والتقارير. والدبلوماسيون. والوفود السعودية إلى الخارج. واللقاءات المباشرة. ولدينا مثال مهم من سنة 1362هـ/1943م. كان الأمير فيصل في الولايات المتحدة، وأبلغ المسؤولين الأمريكيين أن والده يريد معرفة اتجاه السياسة الأمريكية تجاه استقلال البلدان العربية، وأنه يريد فهم موقف واشنطن قبل أن يحدد بعض مواقفه. ولدينا أيضًا تحرك يوسف ياسين في القاهرة في العام نفسه 1362هـ/1943م لاستطلاع المواقف المتعلقة بمشروع الوحدة العربية. هذه ليست تفاصيل هامشية. إنها تكشف لنا أن القرار لم يكن يُصنع في عزلة. كان هناك جمع للمعلومة، واختبار لمواقف الأطراف، ثم تقدير للمصلحة. وهنا أعتقد أن لدينا مجالًا بحثيًا مهمًا جدًا بعنوان: «مصادر المعرفة الدولية لدى الملك عبدالعزيز وأثرها في صناعة القرار السياسي». لأن دراسة ما عرفه القائد، ومن أين عرفه، وكيف تعامل معه، يمكن أن تفتح لنا بابًا جديدًا لفهم سياسته. ثاني عشر: ما الذي نستخلصه؟ إذا جمعنا هذه الشواهد، يمكن أن نستخلص عددًا من الأنماط، مع التأكيد أنني لا أقدمها بوصفها «نظرية مكتوبة» وضعها الملك عبدالعزيز، وإنما بوصفها قراءة في السلوك السياسي الذي تكشفه الوثائق. أولًا: الواقعية في قراءة موازين القوى. لم يتجاهل بريطانيا عندما كانت القوة الأكثر حضورًا. ولم يتجاهل صعود الولايات المتحدة عندما بدأت موازين القوى الدولية تتغير. ثانيًا: المرونة في الوسائل. دارين 1334هـ/1915م ليست جدة 1345هـ/1927م. لأن الدولة نفسها تغيرت، وبالتالي تغيرت قدرتها التفاوضية. ثالثًا: تعدد دوائر العلاقات. العلاقة ببريطانيا استمرت، والعلاقة بالولايات المتحدة تطورت، والعلاقات العربية كانت دائرة أخرى. رابعًا: الأمن الإقليمي جزء من الأمن الوطني. وتظهر وثائق 1362هـ/1943م مدى اهتمام الملك بألا تتحول مشروعات إقليمية إلى مصدر تهديد للمملكة، مع تأكيده في الوقت نفسه عدم وجود طموحات توسعية خارج بلاده. خامسًا: الفصل بين العلاقة والخلاف. وتقدم فلسطين أفضل مثال. فالعلاقة الأمريكية السعودية تطورت، لكن ذلك لم يمنع الملك من الاختلاف مع واشنطن ومراسلتها مرارًا حول فلسطين. سادسًا: جمع المعلومات قبل اتخاذ الموقف. فالمبعوثون والمستشارون والوفود لم يكونوا مجرد ممثلين بروتوكوليين، بل كانوا جزءًا من شبكة المعرفة السياسية للدولة. وسابعًا، وربما الأهم: تحويل قوة الداخل إلى استقلال في الخارج. وهنا أعود مرة أخرى إلى دارين وجدة. ما الذي تغير في حوالي عشر سنوات بين 1334هـ/1916م  و1345هـ/1927م؟ لم تتغير بريطانيا وحدها. الذي تغير أساسًا هو الدولة السعودية. أصبحت أقوى. واتسع مجالها. وتغير وزنها. وبالتالي تغيرت شروط علاقتها بالخارج. وهذه ربما تكون إحدى أهم الدروس التاريخية في تجربة الملك عبدالعزيز: استقلال السياسة الخارجية يبدأ من قوة الدولة في الداخل. الخاتمة: ما الذي بقي عندما تغير العالم؟ أيها الحضور الكريم، بدأ الملك عبدالعزيز مشروعه السياسي في عالم كانت الدولة العثمانية لا تزال موجودة فيه وكانت بريطانيا القوة الكبرى المحيطة بالجزيرة. وانتهى عهده في عالم مختلف تمامًا. الولايات المتحدة أصبحت قوة عالمية. والاتحاد السوفيتي قوة عظمى. والأمم المتحدة أصبحت قائمة. وجامعة الدول العربية قائمة. والنفط أصبح عنصرًا استراتيجيًا. وتغيرت خريطة المنطقة. لكن إذا أردنا أن نبحث وسط كل هذه المتغيرات عن خيط ثابت، فسنجده في الدولة. استقلالها. أمنها. سيادتها. وحدة أراضيها. مكانتها. ومصالحها. أما بريطانيا والولايات المتحدة، والمعاهدات، ودرجات التقارب والتباعد، والأدوات الدبلوماسية، فكانت تتحرك وتتغير مع تغير الظروف. ولهذا ربما تكون العبارة التي تلخص هذه التجربة هي: الثبات في المصلحة، والمرونة في الوسيلة. فالملك عبدالعزيز لم يحافظ على استقلال قراره بعزل المملكة عن العالم. ولم يحافظ عليه بمواجهة القوى الكبرى. ولم يحافظ عليه بالارتهان لقوة واحدة. وإنما من خلال فهم البيئة الدولية، وقراءة موازين القوى، وجمع المعلومات، وتعدد الخيارات، ومعرفة متى يتقارب، ومتى يتفاوض، ومتى يختلف. ولهذا فإن صورة الملك عبدالعزيز على متن كوينسي في 1 ربيع الأول 1364هـ/14 فبراير 1945م لا أراها مجرد صورة في تاريخ العلاقات السعودية الأمريكية. إنها، في تقديري، صورة تلخص تحولًا تاريخيًا أكبر: القائد الذي بدأ باسترداد الرياض بقوة بسيطة جداً في 5 شوال 1319هـ/15 يناير 1902م، أصبح بعد ثلاثة وأربعين عامًا يجلس أمام رئيس أقوى قوة عالمية ويناقش معه مستقبل المنطقة. وما بين الصورتين لم يكن مجرد مرور للزمن. كان هناك بناء دولة. وهنا تكمن إحدى أهم دلالات تجربة الملك عبدالعزيز: أن بناء الدولة لا يكتمل بتوحيد الأرض فقط، وإنما يكتمل أيضًا ببناء القدرة على حماية القرار، وتحديد المصلحة، وقراءة العالم المتغير من حولها. **نص المحاضرة التي ألقتها الباحثة وأستاذ التاريخ في جامعة الملك سعود في مركز حمد الجاسر يوم السبت الماضي.