قراءة في ثلاثة أعمال فنية ..

الوطن بعين الفنان التشكيلي .

لطالما رأينا اللوحات التشكيلية الوطنية في اليوم الوطني السعودي، في المعارض الفنية والمدارس وغيرها، لكن هذه اللوحات ليست الوحيدة التي تعكس انتماء الفنان لوطنه. فالفنان، بوعي أو بلا وعي، يرسم علاقته بوطنه بطرق مختلفة، وقد يظهر هذا الانتماء في موضوعاته وألوانه وأسلوبه، وحتى في التفاصيل التي يستمدها من المكان الذي يعيش فيه. فعلاقة الفنان ببيئته وفنه أمر لا يمكنه الهروب من،  فالبيئة من أهم مصادر الإلهام، وما يحيط بالفنان من أماكن وعمارة وطبيعة وذكريات وحياة يومية يتسلل إلى تجربته الفنية، سواء قصد ذلك أم لم يقصده. لذلك، أستعرض هنا مجموعة من الأعمال لفنانين سعوديين، لا تحمل بالضرورة رموزًا وطنية مباشرة، لكنها تكشف كل منها، بطريقتها الخاصة، جانبًا من علاقة الفنان بمكانه وبيئته الفنان ضياء عزيز ضياء  وله من اسمه نصيب، فالضوء من أكثر العناصر حضورًا وتميزًا في أعماله. لا يكتفي الفنان برسم المشهد، بل يجعل الضوء جزءًا أساسيًا من تكوينه، فيوظفه لإبراز تفاصيل المكان والشخصيات ومنحها إحساسًا بالحياة والدفء. ففي لوحته «الدثار الأحمر» نرى الضوء يتسلل من خلال النافذة الحجازية التقليدية «الروشنـة»، وعلى الرغم من أن الروشنة نفسها لا تظهر بشكل مباشر، فإن الفنان يكتفي برسم الضوء المنبعث منها، ليصبح عنصرًا بصريًا يبرز تفاصيل العمارة الحجازية. وتتميز أعماله ببساطة موضوعاتها وتجريد خلفياتها، بالإضافة لألوانها الزاهية التي لاتقتصر فقط على المناطق المضيئة، بل حتى الظلال مليئة باللون والحيوية. الفنان ناصر التركي  نرى في مجموعة أعماله «صحراء من ذهب» خطوطًا متموجة، يرسمها من خلال أداة خاصة به تجمع عدة فرش في قطعة خشبية واحدة. هذه التموجات الذهبية تمثل جمال المناظر الطبيعية الصحراوية السعودية، وأيضًا في له تجارب فنية سابقة نرى تشكيلات نسائية مجردة، لكنها تبدو وكأنها ترتدي عباءة. في  أعماله، ربما يركز المشاهد على درجات الألوان المشرقة والتكوينات المختلفة دون ملاحظة المعاني الوطنية المرتبطة ببيئة الفنان. الفنان سمير الدهام رحمه الله يرسم الفنان سمير الدهام بيئته العمرانية بأسلوب تكعيبي، ويستمد موضوعاته من تفاصيل الحياة اليومية في السعودية. وتعتمد تكويناته الفنية على الخطوط الحادة والأشكال الهندسية، إلى جانب ألوان مستوحاة من البيئة المحلية، مثل درجات الأصفر والبيج والأخضر والأزرق. ومن خلال تجريد الفنان للمباني والمشاهد اليومية إلى أشكال وخطوط وألوان، يحافظ الفنان على إحساس المكان حتى عندما لا يرسمها بصورة واقعية، يشعر المشاهد بلمحة من طبيعة البيئة السعودية دون أن يراها كما هي في الواقع. نرى من خلال هذه المجموعة أن الفنان هو سفير وطنه، فالفن يكسر حواجز التواصل بين الشعوب، ويمنح المشاهد فرصة للتعرّف على ثقافة المكان من خلال عين الفنان وتجربته الخاصة. وحين ينقل الفنان جزءًا من المكان الذي عاش بين تفاصيله، فإنه لا ينقل صورة عنه فحسب، بل يمنحنا لمحة من ذاكرته وطريقته في رؤيته، وهنا يصبح الفن وسيلة لحفظ ذاكرة المكان ونقلها إلى من لم يعشه. *فنانة تشكيلية