قراءة في قصيدتين وطنيتين أيقونتين للشاعرين غازي القصيبي وجاسم الصحيح..
مواجهة التحديات وأصالة الانتماء وملحمة الأمجاد في اليوم الوطني للمملكة.
في اليوم الوطني للمملكة العربية السعودية تتداعى إلى الذهن قصيدتان شهيرتان لشاعرين كبيرين (غازي القصيبي وجاسم الصحيح)؛ ومن المناسب في هذه الذكرى الوطنية أن أقف عندهما في قراءة تبيّن ملامحهما الرؤيوية الجمالية وتكاملهما في تعميق الانتماء الوجداني والفكري، وقد قيلا في فترتين بينهما فاصل زمني، وقد أغراني بذلك أن الأولى – أعني قصيدة القصيبي (رحمه الله) – قيلت في لحظة تاريخية شديدة الحساسية؛ تبنّت موقفاً دفاعياً شعرياً يوازي الأخطار المحدقة وشراسة الهجمة العدائية الظالمة في حرب (تحرير الكويت)، أما قصيدة الشاعر جاسم الصحيح فجاءت في موقف بلغت فيه المملكة ذروة التقدم والازدهار في مختلف نواحي الحياة؛ فكانت ترنيمة عشق وفخر بالانتماء. فالمطلع في قصيدة القصيبي صرخة تحدٍّ في وجه العدوان وتأكيد للوحدة والتلاحم بين أجزاء الوطن يقابله ما يماثله في معادن الرجال وصلابتهم؛ فقد حرص القصيبي على أن يختار إيقاعاً صوتياً حاداً في بنيته الصرفية والدلالية والوزنية والقافية الدالية المطلقة في بحر يمتاز بالتدفق (الوافر)، يلائم الانفعال القوي والفخر والحماسة، وأما الدال فهي حرف مجهور الصوت شديد؛ أي إن خروجها يقوم على انحباس الصوت ثم إطلاقه وتوحي بصلابة الموقف؛ ويأتي تكرار ضمير الجمع للمتكلمين موحياً بالتآزر والصلابة والحسم؛ فضلاً عن تغذية الإيقاع بمزيد من القوة، سواء في البنية الصوتية الحادة التي تتكرر النون في أولها وآخرها، وما يرفدها من ثنائيات، ثم تقصٍّ مكاني موزع على الجهات الأربع في شمولية ووحدة، وما تنطوي عليه أسماء الأقاليم من دلالات متضافرة؛ فالشمال أشم وعسير مطلبها عسير، والشاطئ الشرقي تتداعى خصائصه منثالة في حماسة وقوة (أصداف وأسياف وحشد)، والتوحد الصوفي بين تضاريس الوطن وقادته وشعبه: ونحن الشاطئ الشرقي بحر ... وأصداف وأسياف وحشد ونحن البيد رايات لفهد ونحن جميع من في البيد فهد وتكرار مفردة البيد فيها إشارة إلى الاتساع والصبر والأصالة في مقابل الجبال حيث الصلابة والمنعة؛ فالمجاز فيهما مشتق من حقيقتهما الكونية الطبيعية أصالة ورسوخاً؛ وفي مقابل ذلك وفي ثنائية دالة يشير إلى الخصم وما يوحي به اسمه من معانٍ؛ فهو يسلك نهجاً تعبيرياً متميزاً في الجمع بين المعنى الظاهر والمضمر، وكذلك التضاد المكاني الموازي؛ إذ يكرر اسم البلدة التي ينتمي إليها الخصم (تكريت)، ولا تقتصر القصيدة في نهجها على ذلك؛ بل تمضي في التماس المعاني الضمنية في ثنائيات أخرى: الخصم والذئب والثأر والخلد واليوم والغد ونزار ومعد والحر والعبد، وهذا الحشد من الثنائيات التي يستدعيها بانثيالات حرة تتداعى بغزارة تعبر عن وجدان مشتعل بالحماسة والتحدي، وبدا واضحاً أنه أعاد تعريف المكان شعرياً وضمّنه دلالات كبرى؛ فقد تضافرت في القصيدة العناصر اللونية والصوتية واللغوية والمشهدية في تشكيل الصور الفنية وتراسل النغم الغنائي الصوفي مع الحقائق الواقعية الملموسة وغنائية الإيقاع مع درامية الصراع، وأتقن صنع المفارقة بين التعدد والتوحد ممثلاً في المطلع وممتداً على مدى القصيدة: أجل نحن الحجاز ونحن نجد هنا مجدٌ لنا وهناك مجدُ ونحن جزيرة العرب افتداها ويفديها غطارفةٌ وأسدُ وفي ذات الاتجاه بدت القصيدة ثنائية الخطاب درامية النغم؛ ففي مقابل الاعتداد بالوطن وأهله وقيادته وتاريخه، يأتي الحديث عن الخصم وموئله (تكريت) وتكرار ذكرها في نسق الإدانة من أهلها وصباياها في تناقضهم مع هذا الخصم اللدود، وتأتي الخاتمة احتكاماً لقاضٍ عدل: يصد عذاب أهل الأرض حق فكيف يصد بأس الله صدٌّ وثمة جماليات أخرى تتمثل في معنى الفناء الصوفي والتوحد الروحي عبر تقنية المونتاج السينمائية التي تتمثل في تمركز الخطاب وحركة العدسة المصورة التي تطوف بأرجاء الزمان والمكان، وجماليات النشيد والنزعة الخطابية والمواجهة الصادمة واللقطات المتلاحقة، والتناص المضموني الذي يستحضر المعنى ويومئ إلى النص، والحوارية والتعالق بين العناصر وبين الكل والجزء، وما إلى ذلك مما لا يتسع المجال لتقصيه. لقد عمل القصيبي على استنقاذ قصيدته من براثن المناسباتية لتكون وثيقة شعرية وطنية تجمع بين غنائية وجدانية تعبر عن الانتماء والوفاء والتوثيق الأدبي لمرحلة مهمة من مراحل التاريخ المعاصر، فشعريتها تكمن في تلقائية التصدي وحرارة التحدي وتطويع النغم واستجابة المعجم الشعري. أما قصيدة الشاعر جاسم الصحيح (في حضرة الوطن) فهي غنائية وطنية مبرأة من شعرية المناسبة، فهي وجدانية عشقية، والثنائية فيها ليست ضدية ولا ترادفية ولكنها حلولية صوفية، فهي تتحرر من سكونية المكان ولزومية السكون لتمضي طليقة تمخر عباب الوجود متمردة على الجغرافيا، يتماهى فيها المواطن والوطن؛ فهو حينما يقول: (إذا ودّع الدهناء تحضنه نجد) يتبادر إلى الذهن المواطن الذي فني في الوطن والوطن الذي توحد في الموطن؛ كلاهما كائن حي مكتمل السمات والصفات لا تمايز بينهما؛ فالفارس توحد فيه الوطن والمواطن، وتلاشت الحدود بين الأمكنة والأزمنة؛ فالأمداء ممتدة بلا حدود ولا قيود، تتراسل بينهما الصفات؛ فـ (ودّع وحضن وسرى وهبّ وحيّا) أفعال مشتركة بين الوطن وساكنيه؛ فليس ثمة ما يفرق بينهما؛ وهنا يمضي الشاعر محلقاً يحدو لغته مخيال طليق تتراءى له الأشياء كالأحياء (الجبال جند) و(البحر شخص): هنا وطني أم فارس في المدى يعدو إذا ودع الدهناء تحضنه نجد وإن أكمل الإسراء عبر تهامة تفتح في ورد الحجاز له ورد ثمة تركيز على المعجم الجغرافي الذي يستوعب مناطق متعددة من المملكة، وكذلك الجهات الأربع: الشرق والغرب والشمال والجنوب، وثمة مفردتان محوريتان في النص: الفارس والوطن، ومفردات الفروسية: الفارس والمهرة والسيف والغمد والعَدْو (الجري) حيث ترتبط الفروسية بالحرب، واسم المكان هنا اسم الإشارة القريب بما يوحي به من معنى، ومفردات الحضارة والبنك والرصيد والعملة والمدنية والبداوة والأسمنت والتمدن؛ فالقصيدة إذا التمسنا معجمها مدخلاً إليها وجدناها تفترش مدى زمنياً واسعاً يجمع بين الأصالة والمعاصرة إذا صح التعبير، والشاعر كما هو معروف عنه مهندس فذ للأفكار واللغة، وترتيبه للبناء المعماري في القصيدة بالغ الأناقة؛ وهو يحرص على السمة الشعرية المعبأة وجدانياً والمثيرة عاطفياً في إطار يستمد مادته اللغوية من مفردات الواقع، ويحرص على أن تنتظم في عقد شعري مرتب؛ فهو يبدأ القصيدة بالتساؤل مثيراً ملكة الاستقبال عبر مفارقة بين الوطن الجغرافيا والبطل المقاتل بين السكون والحركة، ويلتمس النظم النظيم بين الشمال والجنوب والدهناء ونجد وتهامة والحجاز، والشرق والغرب، والبر جبالاً وتهامةً، والبحر شاطئاً وماءً، والسيف والغمد، وألفاظ الحضارة المادية أسمنتاً وبناءً وبنوكاً، وهو المعروف عنه تطويع المفردات المادية لمنطق الشعر وفيض الوجدان في تراتب ونظام، والانتقال من فضاء دنيوي إلى رحاب روحي، فثمة بدرٌ وأحدٌ والصفا والمروة والمسعى، كلها تنتظم في سياق شعري يجمع القيم المادية والروحية والدينية والدنيوية، وبعد هذا كله يختم بقوله: هنا وطني فاق التعاريف كلها فهذا الكيان الحر تعريفه قيد ثمة ظاهرة في الصياغة الأسلوبية تتمثل في غلبة أساليب الشرط والإشارة ودلالات ذلك، فالإشارة المكانية للقريب التي استهل بها الشاعر قصيدته في مطلعها (هنا)، وتكررت أكثر من مرة، وهي علامة دالة على حسية المشهد المنظور والتشبث بحضوره في الوجدان والحواس (هنا وطني)، وكذلك التنويع في أدوات الشرط التي تتراوح بين (إن) و(إذا) ومعروف الفارق بينهما؛ فـ (إذا) أقرب إلى تحقق فعل الشرط؛ وبالتالي تحقق جوابه أيضاً؛ بينما (إن) ليست في مثل قوتها، فقد تكررت هاتان الأداتان في مطلع أربعة من الأبيات، مما يحدث لوناً من الحراك النشط؛ لأن فعل الشرط يترتب عليه الجواب وهذا الحراك اللغوي يومئ إلى حراك نفسي ووجداني أيضاً مما يعزز الطاقة الشعورية، فضلاً عن أن ما يتبعها من صيغ فعلية ماضية ومضارعة يومئ إلى حيوية، وهذا الحراك اللغوي يعززه تكرار صيغ أخرى من عطف ونفي واستدراك: فمن حكمة الأسلاف حيك عقاله وخيط – من الوحي القديم – له البرد وما هو سيف في الخسارات مغمد ولكنه سيف وأعداؤه الغمد وهذا كله يعبر عن جيشان عاطفي يترجمه هذا التنوع الأسلوبي وتترجمه مفردات قاموسه بحقولها الدلالية التي تزخر بخصوصيتها المكانية والقيمية. قصيدتان تمثل إحداهما – وهي الأولى – خط الدفاع في مضطرب الأخطار كما في قصيدة القصيبي، وتؤكد الأخرى ثوابتها ومعالمها وأبعادها المعنوية والروحية وأصالتها تاريخاً وتراثاً.