عبد الله السليمان الحمدان..

خمسة وثلاثون عاما في خدمة الملك عبدالعزيز.

بعد اطلاعي على كتاب (توحيد المملكة العربية السعودية) لمحمد المانع وما كتبه عن وكلاء الملك عبد العزيز في الخارج وقوله: «.. وما دمت أتحدث عن الأبطال الذين لا يشيد الناس بذكرهم والذين ساعدوا الملك في بناء مملكته فإني أشعر بأن من واجبي أن أشير إلى كثير من النجديين الذين مثلوا بلادهم في الخارج، فقبل استيلاء الملك على الحجاز لم يكن له قناصل رسميون أو ممثلون دبلوماسيون في الدول الأجنبية. وكان التجار النجديون المستقرون في تلك الدول يعملون بصفتهم وكلاء له…» ص ٢٤٦، وذكر منهم فوزان السابق في القاهرة، وعبد اللطيف باشا المنديل في بغداد والبصرة، وعبد الله النفيسي في الكويت، وعبد الله الفوزان في بومباي، ورشيد بن ليلى في دمشق، وعبد الرحمن القصيبي في البحرين. كتبت عن هذه الشخصيات مقالاتٍ في المجلة العربية عام ١٤٢١هـ/ ٢٠٠٠م، وعند إنشاء (جائزة ومنحة سمو الأمير (الملك) سلمان بن عبد العزيز لدراسات تاريخ الجزيرة العربية) قدمت المقالات لدارة الملك عبد العزيز وفازت ضمن موضوع (منحة الدراسات والبحوث) لعام ١٤٢٧هـ/ ٢٠٠٦م. ولكون عبد الله السليمان وزير الملك لأكثر من ٣٥ عاماً (١٣٣٨ - ١٣٧٣هـ) (١٩١٩ - ١٩٥٢م) كان يعمل لدى وكيل الملك بالهند قبل أن يرشحه للعمل لدى الملك بدلاً من شقيقه محمد - الذي أصيب بضعف في السمع - لدى السلطان عبد العزيز؛ فقد رأيت أن أضيف ترجمته للكتاب الذي أعددته فيما بعد (معتمدو الملك عبد العزيز ووكلاؤه في الخارج). زرت المؤرخ عبد الرحمن الرويشد بمكتبه في دار الشبل للنشر والتوزيع - وكانت لي به معرفة سابقة - وأهداني كتابه (عبد الله السليمان الحمدان.. صفحة مشرقة في تاريخ المملكة العربية السعودية) وكتب: «إهداء مع أطيب تحياتي لسعادة الأستاذ محمد بن عبد الرزاق القشعمي حفظه الله، توقيع المؤلف ٢٢/ ١٠/ ١٤٢١هـ». وبعد قراءته زرت الأستاذ الرويشد مرة أخرى وذكرت أن لدي رواية أملاها عبد الله السليمان على الصحفيّ المصري مصطفى غيث مندوب جريدة (الزمان) المصرية في موسم الحج، ونشرت في العدد ٩٧١ ليوم الأربعاء ١٨ صفر ١٣٧٠هـ الموافق ٩ نوفمبر ١٩٥١م. وقبلها سبق أن نشرت صحيفة (صوت الحجاز) في العدد ٣٤٣ الصادر بتاريخ ٥ ذي الحجة ١٣٥٧هـ الموافق ٢٥ يناير ١٩٣٩م في الصفحة الرابعة بعنوان (أعلام المملكة العربية السعودية في المرآة .. معالي الشيخ عبد الله السليمان الحمدان وزير المالية الجليل)، وفي موضع آخر نشرته الصحيفة نفسها بعددها ٣٦٤ الصادر يوم الأحد ٢٦ صفر ١٣٥٨هـ الموافق ١٦ أبريل ١٩٣٩م تحت عنوان (بلا رتوش .. معالي الشيخ عبد الله السليمان على حقيقته) بتوقيع رسام.وبعد أن اطلع على تلك المقالات أبدى استغرابه لعدم معرفته بها من قبل. وعند زيارتي له فيما بعد أهداني الطبعة الثانية من كتابه عبد الله السليمان الحمدان مزيدة ومنقحة ١٤٣١هـ ٢٠١٠م، وقد تصفحته لديه وجدته قد أضاف ما سبق أن نشره الصحفي المصري مصطفى غيث في جريدة الزمان، ولم يشر لمصدر المقال في المراجع؛ فسألته، فأجاب بأنه سها أو فاته ذلك! ولمرور ستين سنة على وفاة عبد الله السليمان وقرابة عشر سنوات على وفاة الرويشد رحمهما الله - أحببت أن أكتب عن الأول وبخاصة بداياته كما يرويها وما كتبته عنه صحيفة صوت الحجاز قبل تسعين عاماً. أما الجوانب الأخرى عن السليمان فقد كُتِبَ عنه الكثير ولا أرى داعياً لتكرار ما سبق نشره، وبالله التوفيق. المقال الأول (في المرآة - عبد الله السليمان) قدّم له بما يلي: «هذه فصول ثمينة، في تقدير الرجال، ومعرفة قيم الأبطال، من رجالنا العاملين، وأشخاصنا البارزين، من خلاصة المخلصين الذين ينكرون ذواتهم، ويعملون جاهدين لوجه الله ولمجد الوطن وخدمة المليك، وهي فصول كما يراها القارئ جديدة في بابها، فريدة في معناها، بما تضمنته من تقدير الرجال الذين يستحقون التقدير، وقد عني بكتابتها لهذه الجريدة كاتب معروف محبوب، وكل ما يرجوه من الله أن يوفقه إلى تصويرهم تصويراً رائعاً ليس فيه ذرّة من المبالغة ولا المحاباة، وأنه لكذلك إن شاء الله». وبعد أن عدد صفاته ومواهبه قال: «.. على أن هناك من دقة الموهبة وهداية الله، ما هو أروع من كل تبصر وتدقيق، ونعني بهذه الصفة المباركة، صفة حضرة صاحب الجلالة الملك المعظم أيده الله، الذي اكتشف بثاقب بصره هذه الصفات المجتمعة في شخصية خادم من خدمه المخلصين، فقدرها فيه بما تستحق التقدير... فقد كانت صلة معالي الشيخ عبد الله السليمان الحمدان، بمقام حضرة صاحب الجلالة الملك المعظم، صلة قديمة، هي صلة الخادم المخلص الأمين، بسيدي الوفي المكين... فإذا كان معالي الشيخ عبد الله السليمان صاحب هذه المرآة اليوم قد استطاع بما خطر في نفسه من هذه الصفة البارزة الموهوبة، ونعني بها صفة الإخلاص والفناء في أداء الواجب، أن يكون جامعاً لصفات عديدة من مكارم الأخلاق، فما أحوجنا ونحن أمة تستقبل نهوضها وتتمشى مع كل تقدم وارتقاءً، أن نجد في رجالنا الذين يتولون كل عمل عام من أعمال الدولة، سواء كانت رسمية أو أهلية، من يحتذون حذوه، وينسجون على منواله ليفيدوا وطنهم وحكومتهم وليسدوا إليها أجل الخدمات وأسماها، علاوة على ما يفيدون به أنفسهم من طيب الحديث وجمال الذكر، وحسن السيرة ونقاء السريرة، ومثل هذا فليعمل العاملون… الخ». وفي المقال الآخر (بلا رتوش.. معالي الشيخ عبد الله السليمان على حقيقته): «الحق أقول: إن ليس لمعاليه كما أعتقد وكما تدل الدلائل ظواهر شخصية حقيقية تمكن المرء من التعرف عليها بسهولة وبساطة، وليس من اليسير على علماء النفس - كلما تبين لي من اختباراتي الكثيرة - سبر غور شخصيته الفذة ونفسيته النادرة وعقليته الكبيرة ومداركه الواسعة… ولهذا أضع أمام القارئ تفاصيل مقتضبة عن أعمال معاليه وخدماته الكثيرة، ولا أظنك إلا مشاركي الرأي فيما ذهبت إليه من القول باستحالة تعرف نفسية هذا العصامي العظيم. يقوم معاليه بأعباء وزارة المالية، ووزارة المالية هذه تضطلع بحسب الواقع في كل البلاد بالإشراف العملي على جميع المرافق المالية والاقتصادية، وإزاء هذا فمعاليه هو المسؤول عن إعداد ميزانية الدولة طبقاً لما تقتضيه التطورات الدولية، ثم تقرير الرسوم الجمركية .. ثم الإشراف على الأشغال العامة المختلفة... لا يقع نظر المرء على معاليه إلا ويراه في حركة دائمة؛ فبينما تسمع عنه في ديوانه يبت في مختلف الشؤون المعروضة عليه، إذا بك تراه في ورش الحكومة الصناعية يشرف عن كثب على مختلف الصنائع الخاصة بلوازم الحكومة... تباحثه في مختلف الموضوعات والشؤون سياسية واجتماعية واقتصادية فيدهشك ذكاؤه وتبهرك خبرته وتأخذك فطنته، ومشاريعه العمرانية لا تعد وأعماله الخيرية لا تحصى، إذ إنه يعتقد أن حقوق الملك والوطن والأمة فوق كل اعتبار، هذا هو الشيخ عبد الله السليمان، فيا شباب الجزيرة ويا طلاب المجد والسؤدد خذوا من أعمال هذا العصامي النبيل مثالاً يحتذى به، مكة المكرمة - رسام». ونأتي إلى مقابلة الصحفي المصري مصطفى غيث في جريدة الزمان (حياة معالي وزير المالية بقلمه) قدم لها بقوله: «طلب الأستاذ مصطفى غيث مندوب جريدة الزمان المصرية في موسم الحج إلى معالي وزير المالية الشيخ عبد الله السليمان حديثاً عن حياة معاليه، فأجاب بالحديث التالي: «لعل هذه أول مرة أفضي فيها بهذا التاريخ للصحافة ولكنني لا أتردد في الحديث إليكم إذ أعطي الزمان والجورنال ديجيبت كل ثقتي وتقديري. ولدت في بلدة عنيزة من أبوين فقيرين لا يملكان من الدنيا شيئاً إلا ما يقيم أودهما، ولبثت مدة طفولتي الأولى في مسقط رأسي، وكان أخي وشقيقي الأكبر محمد السليمان قد بارح عنيزة إلى البصرة فراراً بدمه من آل الرشيد الذين كانت عنيزة داخلة في حكمهم في ذلك الحين وكانوا يعلمون من أخي صدق ولائه وحبه لجلالة الملك عبد العزيز، ففي سنة ١٣١٨هـ كتب أخي محمد إلى والدي يطلبني لأنضم إليه فبعثني والدي إلى البصرة، ولكني ما كدت أقيم حتى ساءت صحتي واعتلت لأن جو العراق لم يلائمني، فبعثني أخي إلى بومباي بالهند عند الشيخ عبد الله الفوزان التاجر الكبير بها وهو من بلدتنا وهو رجل كريم الأصل، طيب العنصر، ما قصر معي بل أحلني من نفسه محل أولاده، وكان ينبهني ويهديني إلى الصواب دائماً، وكان عمله هذا حافزاً لي على الجد والنشاط حتى نلت ثقته في شراء حاجات المنزل فكان يعطيني روبيتين لأشتري اللحم والخضار، فإذا ما عدت بما اشتريت نظر فيه وفحصه ونبهني إلى ما يكون فيه من عيب وخطأ في الصنف والثمن ثم حاسبني على قيمتها، فكان لهذا الرجل الكريم فضل علي في هذه التربية الدقيقة التي عرفت بها في مراحل حياتي... واستقدمت أخي الصغير حمد وأدخلته المدرسة، وقد رتب لي الشيخ الفوزان مرتباً شهرياً أنفق منه ما أحتاجه وقد وفرت منه أكثره، ولثقة التجار بي فقد صرت آخذ من عندهم البضاعة وأدفع ربع الثمن والباقي بعد التصريف.. أرسلت أخي إلى البحرين وأعطيت ما تجمع لدي من المال فافتتح محلاً للبيع والشراء... وكان أخي الأكبر محمد قد التحق بخدمة الملك عبد العزيز رئيساً لديوانه وقد أصيب في معركة (تربة) مما أضعف سمعه فاضطر جلالته أن يبحث عن آخر فأشير عليه بي، فطلبني وقابلته وعرف أنني مدان لبعض التجار فكتب لوكيله القصيبي بالبحرين بتسديد ديوني... الخ. وهكذا استمر في خدمة الملك خمسًا وثلاثين سنة.