السعودية .. يومٌ صنع كلّ أيامنا.

في الثالث و العشرين من سبتمبر، نحتفل بيومٍ لم يعشه معظمنا، و لم يعش أحدٌ منّا خارج أثره، سبق أسماءنا في سجلات الميلاد، ثم أصبح جزءاً من تعريفنا لأنفسنا، ننتمي إليه كلما قلنا «نحن السعوديين»، و نعيش امتداده حين نخطّط لغدنا على أرضٍ نعرف أنها وطننا، بعض الأيام تبلغ من العظمة أن يصبح الذين وُلدوا بعدها شهوداً عليها، بما يعيشونه من ثمرتها. في الثالث و العشرين من سبتمبر عام ١٩٣٢م، بدأ العمل باسم «المملكة العربية السعودية»، تتويجاً لمسيرة التوحيد التي قادها الملك عبدالعزيز، وراء الاسم الذي استقرّ على الوثيقة سنواتٌ من الكفاح، و أرضٌ اجتمعت تحت حكمه، و مسؤوليةٌ تتّسع لما بعد الانتصار، حمل الإعلان ثمرة تلك المسيرة إلى المستقبل، و منح الوحدة اسمها الذي نحمله اليوم، في امتدادٍ لتاريخ الدولة السعودية و جذورها الراسخة. و حين نستحضر الملك عبدالعزيز، نستحضر القدرة على الانتقال من كسب المعركة إلى بناء الدولة، فلكل منهما مسؤوليته، و للانتصار امتحانٌ يبدأ بعد تحقّقه، كيف يستقرّ الأمن، و تنتظم شؤون الناس، و تصبح الوحدة قادرةً على الاستمرار، هنا يظهر حجم العمل الذي يربط القوة بغايتها، و يجعل ما يتحقّق على الأرض أساساً لحياةٍ تتّسع و تنمو. تأمّل كلمة «سعودي» حين تقولها خارج بلادك، كم تختصر من الشرح، و كم تستدعي من المعاني، خلفها أرضٌ و تاريخٌ و ثقافةٌ و حضور، تنطقها بصوتك، و تحملها في جواز سفرك، و تضيف إلى صورتها من عملك و سلوكك، في تلك اللحظة تلتقي سيرتك الفردية بسيرة وطن، و تكتشف أن للاسم الذي تحمله قيمةً سبقتك، و مسؤوليةً تخصّك. و يمتدّ هذا المعنى داخل البلاد أيضاً، حين تغادر مدينتك إلى مدينة أخرى، بحثاً عن علمٍ أو عمل، تتحرّك في بيتٍ يتّسع لك، تتغيّر الوجوه و اللهجات و طبيعة المكان، و تبقى صلتك بالأرض ثابتة، هذه واحدةٌ من ثمار الوحدة التي نعيشها بتلقائية، حتى نكاد ننسى مقدار ما تعنيه، أن تتعدّد وجهاتك، و يبقى انتماؤك واحداً. و لفهم كيف يصل البناء الوطني إلى تفاصيل الحياة، تخيّل حيّاً نام أهله، بينما يقف فريق صيانة أمام عطلٍ في شبكة المياه، يحفرون، و يبحثون عن موضع الخلل، و يعيدون وصل ما انقطع، تمرّ ساعاتهم في موقع العمل، فيما تمضي ساعات البيوت في نومها، ثم يعود الماء قبل أن يبدأ الصباح، و يغادر الفريق، و يبقى أثره. يفتح طفلٌ الصنبور قبل ذهابه إلى المدرسة، فلا يسأل عمّن أمضى الليل كي تصل المياه، و لا يعرف اسم الفني، أو المهندس الذي صمّم الشبكة، أو الذين أنشؤوها قبل سنوات، في هذه الحركة الصغيرة يلتقي عمل أناسٍ كثيرين، بعضهم حاضرٌ و بعضهم مضى، و تصل حصيلة خبرتهم إلى يد طفلٍ يرى الماء أمراً طبيعياً، تلك صورةٌ مكثّفة لما تصنعه المؤسسات حين تؤدّي مسؤوليتها. و في موروثنا العربي و الإسلامي تقديرٌ عميق للعمل الذي يبقى نفعه بعد صاحبه، علمٌ يتناقله الناس، و غرسٌ يأكل من ثمره من لم يشهد زراعته، و بناءٌ يأوي إليه من لم يعرف بانيه، يمنحنا هذا المعنى مدخلاً لفهم الأمانة الوطنية، فالجهد الصالح يتجاوز صاحبه بقدر ما يتركه في حياة الآخرين من نفع، و الدولة تتيح لهذا النفع أن ينتظم، و يتّسع، و يستمر. نحن الحلقة، و الوطن أمانتها، نتسلّم ما بناه السابقون، ننتفع به، و نصونه، و نضيف إليه، ثم نحمله إلى من بعدنا، و قيمة الحلقة في قدرتها على حفظ هذا الاتصال، لذلك يصبح الإتقان وفاءً لمن سبق، و عنايةً بمن سيأتي، و تصبح المحافظة على المرفق، و احترام النظام، و أداء المسؤولية، أفعالاً تصل بين حب الوطن و مصالح أهله. لهذا يحتاج الفخر بالتاريخ إلى معرفة كلفته، فما يبدو مستقراً في حياتنا احتاج إلى سنواتٍ من التعلّم و المحاولة و البناء، و وراء كل قدرةٍ نملكها اليوم أناسٌ بذلوا من أعمارهم لبلوغها، حين ندرك ذلك، يتغيّر تعاملنا مع ما بين أيدينا، نرى في هدر المورد تبديداً لجهد، و في إهمال العمل إضعافاً لحصيلة، و في تطويرهما احتراماً عملياً لأصحابهما. و الوفاء لهذا الجهد يقتضي أن نواصل البناء بما يحتاجه زمننا، فقد تتغيّر الأدوات، و تتّسع المعرفة، و تظهر حاجاتٌ لم يعرفها السابقون، و يبقى مقصد العمل هو خدمة البلاد و أهلها، من أمانة الجيل أن يتعلّم ما يمكّنه من أداء دوره، و أن يمتلك شجاعة التطوير، حتى يصل الموروث إلى المستقبل قادراً على خدمته. تأتي الذكرى السادسة و التسعون و السؤال أمامنا واضح: «ماذا نضيف إلى ما وصل إلينا؟»، يستطيع كل إنسان أن يجد له جواباً في موقعه، في مهارةٍ يتقنها، أو معرفةٍ ينتجها، أو مسؤوليةٍ يحسن أداءها، و تتراكم هذه الإجابات حين تتّصل بمشروعٍ وطني يرفع سقف الطموح، و يفتح ميادين العمل، و يمنح القدرة السعودية مجالها لتتقدّم. و للطموح كلفته التي تستحق أن نبذلها، من وقتنا، و جهدنا، و استعدادنا للتعلّم، فالفرصة تحتاج إلى من يحسن استخدامها، و اتّساع الخيارات يضاعف مسؤولية الاختيار، هكذا يدخل المواطن في صناعة مستقبل بلاده، يحمل إلى موقعه أفضل ما يستطيع، و يراجع أداءه، و يرفع كفاءته، حتى تصبح الثقة بالقدرة السعودية خبرةً يلمسها الناس في جودة العمل و أثره. و تقوم هذه المسيرة على وطنٍ متماسك، يملك قراره، و يصون أمنه، و يحفظ لمؤسساته قدرتها على أداء مسؤولياتها، من هنا تتّصل السيادة بحياة الفرد اتصالاً مباشراً، في قدرته على الاطمئنان إلى عمله، و تعليم أبنائه، و التخطيط لمستقبله، و من واجب الوعي الوطني أن يدرك قيمة هذا الأساس، و ما يتطلّبه من تماسكٍ و مسؤوليةٍ و يقظة. و هناك أصحاب حقٍّ في مستقبل البلاد لم يولدوا بعد، ستصل إليهم نتائج ما نقرّره اليوم، سيعيشون في المدن التي نخطّط لها، و ينتفعون بالموارد التي نحسن إدارتها، و ينطلقون من المعرفة التي نراكمها، حضورهم يبدأ في حساباتنا قبل أن يبدأ في الحياة، حين نزن القرار بما يمنحه للغد، و نحفظ لهم نصيبهم من الفرصة. سيأتي أحدهم يوماً ليفتح كتاباً عن زمننا، كما نفتح نحن كتباً عن الذين سبقونا، سيعرف أسماء بعضنا، و ستغيب عنه أسماء أكثرنا، لكن أثر العمل سيصل إليه، في موردٍ بقي، و خبرةٍ نمت، و مؤسسةٍ ازدادت كفاءة، ما يستحق أن يشغلنا هو ما سيجده صالحاً لحياته، و ما يستطيع أن يضيف إليه حين تصبح المسؤولية في يده. و لهذا نحمل إلى اليوم الوطني فرحنا كاملاً، فرح الانتماء إلى السعودية، و الاعتزاز بتاريخها، و الثقة بقدرتها، نرفع الراية و نحن نعرف ما وراءها من مسيرة، و ما تحتها من حياة، و ما أمامها من آفاق، و نمنح أبناءنا مع هذا الفرح معرفةً تجعلهم يدركون قيمة ما ينتمون إليه، و مكانهم في استكماله. ذلك هو اليوم الذي صنع كلّ أيامنا، ترك لنا وطناً نعيش فيه، و ترك علينا أمانةً نعيش لها، و حين نحتفي به، نصل اعتزازنا بإرادة المؤسّس إلى مسؤوليتنا عن المستقبل، لكل جيلٍ موقعه في هذه المسيرة، و للسعودية في أعناق أجيالها عهدٌ يتجدّد، أن تصل إلى من بعدنا أقوى بما حفظناه، و أغنى بما أضفناه. «خط أخضر» لم نعش يوم التوحيد، لكننا عشنا في أثره، و سيعيش من بعدنا في أثر ما نفعله اليوم.