23 سبتمبر 1932..

التأسيس الأخير.

1 اختار أمين الريحاني أن يكتب مقدمة كتابه تاريخ نجد الحديث وملحقاته على شكل رسالة إلى الملك عبدالعزيز. ويمكن قراءة هذه الرسالة بوصفها شهادة فكرية مهمة على أن مشروع الوحدة الذي ارتبط تاريخيا بالدولة السعودية لم يكن، في نظر بعض معاصري الملك عبدالعزيز، مجرد نتيجة عسكرية أو توسع سياسي، بل تحققا لمعنى تاريخي أوسع ظل حاضرا في تاريخ الجزيرة العربية. فالريحاني لا يصف الملك عبدالعزيز باعتباره حاكما أسس دولة جديدة فحسب، وإنما يضعه داخل سلسلة تاريخية طويلة تبدأ من تجربة الوحدة الإسلامية الأولى، حين يشير إلى أن العرب، منذ عهد الخليفة عمر بن الخطاب، لم يظفروا بمن يجمع شملهم، ويوحد كلمتهم، ثم يرى فيه لحظة استعادة لهذا المعنى في العصر الحديث (الريحاني، 1928، ص ه). ومن هنا فإن أهمية الرسالة لا تكمن في لغتها الاحتفائية وحدها، بل في البنية التاريخية التي تقترحها: وحدة سابقة، ثم انقطاع طويل، ثم عودة للوحدة في صورة تاريخية جديدة. في هذا السياق يمكن النظر إلى تصور الوحدة، فقد كان أحد التحولات الكبرى التي أحدثتها الدولة السعودية الأولى هو تحويل نجد من مجال تاريخي متعدد المراكز والسلطات إلى مجال يمكن تصور وحدته السياسية تحت مركز واحد. لم يكن هذا التحول مجرد تغير في خريطة النفوذ، بل كان تغيرا في الإمكان التاريخي نفسه؛ إذ أثبتت التجربة الأولى أن المجال النجدي، بما يضمه من حواضر وقبائل وأقاليم متباعدة، يمكن أن يخضع لسلطة سياسية واحدة. ثم تجاوزت الدولة السعودية الأولى نجد إلى الأحساء والحجاز وأطراف واسعة من الجزيرة العربية، فأصبح توحيد المجال العربي، أو أجزاء واسعة منه، تجربة تاريخية معيشة، وليست مجرد فكرة مجردة. هنا تظهر أهمية الترسّب التاريخي. فسقوط الدولة السعودية الأولى لم يؤد إلى محو تجربة الوحدة التي أنجزتها، كما أن سقوط الدولة السعودية الثانية لم يُعد شبه الجزيرة العربية إلى نقطة تاريخية سابقة على تجربتي الدولة السعودية. فقد بقيت فكرة أن نجد، بل وأن أجزاء واسعة من الجزيرة العربية، قابلة لأن تدخل في مجال سياسي واحد. وهذا هو أحد أعمق ما ترسّب من التجربتين السعوديتين الأولى والثانية. فما حدث ليس مجرد ذكرى دولة حكمت وانتهت، بل ذاكرة عملية لإمكان الوحدة نفسها. وبعبارة أخرى، تحولت الوحدة من مشروع غير مسبوق إلى أفق تاريخي سبق اختباره، وأصبح من الممكن استدعاؤه وإعادة بنائه. من هذه الزاوية، لا يبدو مشروع الملك عبدالعزيز تأسيسًا من فراغ، ولا مجرد استعادة آلية للدولتين السابقتين. فهو استمرار وفي الوقت ذاته تجاوز وامتلاء. فالاستمرار لأنه استعاد مركزية آل سعود وفكرة الوحدة السياسية والعلاقة التاريخية بالدعوة الإصلاحية؛ والتجاوز لأنه واجه مجالا جغرافيا وسياسيا أوسع وأكثر تعقيدا من المجال الذي عرفته الدولتان الأولى والثانية؛ والامتلاء لأنه حقق، في صورة أكثر رسوخا واتساعا، إمكانا تاريخيا ظل يتشكل عبر التجارب السابقة. وهذا ما يجعل عبارة الريحاني عن عبدالعزيز بوصفه عمر بن الخطاب الثاني ذات دلالة تأويلية، بصرف النظر عن طابعها البلاغي. فهو لا يقارن شخصا بشخص بقدر ما يقارن بين وظيفتين تاريخيتين وهما وظيفة جمع المتفرق وتوحيد المجال السياسي. فالريحاني يرى أن الملك عبدالعزيز جاء ليجمع شملا تفرق، ويوحد مقاصد تباعدت، ويقيم « ملكا عربيا هو منهم، وهو فيهم، وهو لهم (الريحاني، 1928، ص ه). وهي صياغة تجعل الوحدة هنا ليست مجرد ضم للأقاليم، وإنما إعادة تكوين لعلاقة بين ثلاثة عناصر أساسية هي السلطة والمجال والمجتمع. غير أن القراءة التاريخية الدقيقة تقتضي ألا نبدأ هذا المعنى من عام 1932 وحده. فالوحدة التي احتفى بها الريحاني كانت نتيجة لمسار طويل بدأ بالتأسيس الأصلي في الدرعية، حين ظهر هناك للمرة الأولى مركز سياسي قادر على تجاوز حدود الإمارة المحلية؛ ثم ترسّب هذا الإمكان بعد سقوط الدولة الأولى؛ وأعيد تفعيله في الدولة الثانية؛ ثم تراكمت خبرات النجاح والفشل والوحدة والانقسام، إلى أن جاءت الدولة الثالثة لتمنح ذلك المسار صورة أكثر اكتمالا. لذلك فإن التوحيد في عام 1932 لا يمثل حدثا منفصلا عن تاريخ 1727–1891، بل يمثل في تقديري لحظة امتلاء لمسار تاريخي طويل. هنا يمكن أن نميز بين الوحدة بوصفها تجربة والوحدة بوصفها غاية تاريخية. فقد ظهرت الوحدة في الدولة السعودية الأولى بوصفها تجربة سياسية أخذت في التوسع من نجد إلى فضاءات أوسع. واستمرت في الدولة الثانية فكرة استعادة المجال السياسي الواحد، وإن في حدود أكثر انكماشا وتعقيدا. أما في عهد الملك عبدالعزيز، فقد تحولت الوحدة إلى مشروع شامل نجح في جمع أقاليم متعددة داخل كيان سياسي واحد. ومن هنا فالوحدة لم تكن فكرة ثابتة تنتقل من دولة إلى أخرى كما هي، بل تتغير وتتسع وتتعلم من تجاربها. والأهم هو أن هذه الوحدة لم تكن لحظة منتهية في الماضي. فأمين الريحاني، وقد كتب رسالته تلك في زمن التأسيس نفسه تقريبا، يتعامل مع مشروع الملك عبدالعزيز بوصفه بداية لزمن جديد، وليس باعتباره خاتمة تاريخية. وهذا يتفق مع طبيعة المملكة العربية السعودية التي لم تبقَ عند حدود التوحيد السعودي الأول، بل استمرت في تطوير مؤسساتها ومجالها السياسي والاجتماعي والاقتصادي. ومن ثم فإن قيمة عام 1932 لا تكمن فقط في أنه تاريخ إعلان المملكة، بل في أنه يمثل لحظة انتقال من إمكان الوحدة الذي اختبرته الدولتان السابقتان إلى وحدة سياسية أصبحت واقعًا مستمرا. وبهذا المعنى فما تحقق في الدولة السعودية الثالثة هو امتلاء تاريخي لقصد ظل حاضرا منذ الدولة السعودية الأولى. فالذي بدأ في الدرعية لم يكن مشروعا مكتمل الصورة منذ البداية، لكنه فتح أفقا جديدا لتاريخ نجد والجزيرة العربية: أفق الانتقال من تعدد السلطات إلى إمكان الوحدة. وما فعلته الدولتان الثانية والثالثة هو أنهما أبقتا الأفق حيا، وأعادتا تشكيله وفق شروطهما التاريخية، حتى بلغ في عام 1932 صورة سياسية أكثر استقرارا ودواما. إن رسالة الريحاني أكثر من شهادة إعجاب بالملك عبدالعزيز؛ فهي تعبير مبكر عن إدراك أن الوحدة السعودية الحديثة وأنها كانت واستمرت موجودة. فالملك عبدالعزيز لم يخلق فكرة الوحدة من العدم، لكنه أعطاها شكلها الأخير والأكثر دواما. وبين الدرعية عام 1727 وإعلان المملكة عام 1932 يمتد تاريخ طويل من التأسيس والسقوط والترسّب وإعادة التأسيس، موضوعه الأعمق هو اختبار سؤال واحد: هل يمكن أن تتحول الجزيرة العربية، أو مجالها الواسع، من فضاء متعدد السلطات إلى وحدة سياسية مستقرة؟ 2 تكتسب التفسيرات التي أحاطت بشخصية الملك عبدالعزيز ونجاحه أهمية خاصة؛ لأنها تكشف عن الكيفية التي استقبل بها المعاصرون اكتمال المشروع السياسي السعودي. ينقل عبدالرحمن رفيع (1981، ص 304) عن أهل مكة المكرمة قولهم: إذا صحب إنسان رفيقا اسمه توفيق، فقد نال كل ما يصبو إليه ويتمناه. ثم يضيف أن أصدق وصف قرأه في شأن الملك عبدالعزيز هو ما ذكره خير الدين الزركلي حين قال: الملك عبدالعزيز موفق. وفي الاتجاه نفسه، يفسر عبدالله عبدالجبار دخول الحجاز بلغة مختلفة، لكنها تنتمي إلى الأفق التأويلي ذاته. يقول « ثبت الهاشميون ما ثبتوا، ولم يجدهم نفعا ما بذلوا من حيلة ووسيلة أمام قضاء الله، فاستسلمت المدن مدينة إثر مدينة، واستتب الأمر أخيرًا للإمام عبدالعزيز آل السعود» (عبدالجبار، 1959، ص 143). ويذهب خير الدين الزركلي إلى أبعد من ذلك فيعرّف التوفيق بأنه قوة من قوى عالم الغيب، وأنه أمر فوق الخطط الحربية، وقواعد السياسة، ونظم الإدارة والاقتصاد، وفوق المران والتجربة والخبرة. ثم يستدل على ذلك بالأمن الذي عم شبه الجزيرة العربية، وبما تفتح لعبدالعزيز من كنوز الأرض ذهبا ونفطا. وبهذا المعنى تحول (التوفيق) إلى مبدأ تفسيري شامل؛ إذ تُقرأ النتائج الكبرى التي انتهى إليها مشروع الملك عبدالعزيز بوصفها آثارا لقوة لا يمكن ردها إلى شروط التاريخ العادية. لكن هذا التصور يشير من جانب آخر إلى أن بعض الأحداث تبلغ من الضخامة أو المفاجأة حدا يجعل التفسير الإنساني المعتاد غير كاف في نظر معاصريها. ففي نظر عبدالرحمن رفيع وخير الدين الزركلي، يكتسب دخول الحجاز معنى لا يستوعبه إلا مفهوم التوفيق، بينما يرى عبدالله عبدالجبار في استسلام المدن تباعا واستتباب الأمر للملك عبدالعزيز تحققًا لقضاء تاريخي يتجاوز إرادة الأطراف المتصارعة (رفيع، 1981، ص 304؛ عبدالجبار، 1959، ص 143). ومن ثم فهذه اللغة لا تكشف فقط عن اعتقاد ديني، بل تكشف كذلك عن حجم الحدث في الوعي الذي شهده؛ إذ إن التاريخ، عندما يبلغ لحظة تبدو فيها النتيجة أكبر من مجموع مقدماتها الظاهرة، يميل الوعي إلى البحث عن معنى يتجاوز الأسباب المباشرة. غير أن المشكلة تبدأ حين تتحول هذه اللغة من لغة تمنح الحدث معناه إلى تفسير يغني عن البحث في شروطه. فمفهوما التوفيق والقدر قد يفسران، من داخل الوعي الديني، كيف فهم الناس ما حدث، لكنهما لا يفسران، من الناحية التاريخية، لماذا حدث في ذلك الوقت بالذات، ولماذا نجح الملك عبدالعزيز حيث أخفقت محاولات أخرى، وكيف تحولت استعادة الرياض إلى مشروع انتهى بقيام المملكة العربية السعودية. إن رد الأحداث إلى قوة ماورائية وحدها لا يزيل الغموض بقدر ما ينقله إلى مستوى آخر؛ إذ يصبح كل ما يحتاج إلى تفسير دليلا على أن التفسير غير ممكن. وهنا يفقد التاريخ مادته الأساسية: الأزمة، والصراع، والخطأ، والقرار، والفرصة، وتغير موازين القوى. ومن هذه الزاوية تكتسب ملاحظة ليفن أهمية خاصة؛ فالأزمات وأطوار التفكك ليست أحداثا تقع خارج التاريخ، بل هي من العناصر التي تصنع انتقالاته الكبرى. وهي غالبا ما تسم نهاية عصر أو نظام، قبل أن تتيح القوى الداخلية والخارجية، في ظروف معينة، إمكان فتح صفحة جديدة (ينظر، ليفن، 2007، ص 12). ولذلك لا ينبغي النظر إلى حالة التفكك التي سبقت مشروع الملك عبدالعزيز بوصفها مجرد خلفية عرضية لانتصاره، بل بوصفها جزءا من المادة التاريخية التي جعلت ذلك التحول ممكنا. فالدول لا تنشأ دائما في لحظات الاستقرار؛ بل كثيرا ما يظهر إمكان التأسيس الجديد عندما تصبح البنية السياسية القائمة عاجزة عن الاستمرار في صورتها القديمة. إذا كان ذلك كذلك فهناك صلة مباشرة بمفهوم التأسيس الأخير بوصفه امتلاءً.فالامتلاء، بالمعنى التأويلي الذي نستعيره من إدموند هوسرل، لا يعني أن شيئا ما ظهر فجأة من العدم، وإنما أن قصدا تاريخيا ظل حاضرا في صورة إمكان أو مشروع أو اتجاه وجد، في لحظة معينة، تحققا أكثر عينية واكتمالا. وإذا أسقطنا هذا المعنى على تاريخ الدولة السعودية، فإن وحدة المجال السياسي لم تكن فكرة ولدت فجأة عام 1932، بل مثلت مقصدًا تاريخيا مر بمراحل متعددة من التحقق الجزئي والانقطاع وإعادة المحاولة. لقد ظهرت الدولة السعودية الأولى بوصفها التأسيس الأصلي لإمكان الدولة والوحدة، ثم بقيت التجربة بعد سقوطها في صورة ترسب تاريخي، وأعيد تفعيلها في الدولة السعودية الثانية، قبل أن تتراكم خبرة التأسيس والسقوط والعودة إلى أن تجد، في الدولة السعودية الثالثة، صورة أكثر امتلاء. وبهذا المعنى، فإن ما بدا لبعض المعاصرين (توفيقا) يمكن قراءته تاريخيا بوصفه لحظة التقاء بين قصد تاريخي طويل وبين شروط أصبحت أكثر ملاءمة لتحقيقه. فتوحيد مناطق واسعة من الجزيرة العربية، وتحول السلطة السعودية من مشروع إقليمي إلى دولة تحمل اسم المملكة العربية السعودية، لم تكن أحداثا منفصلة عن تاريخ 1727 و1824، بل لحظات تحقق فيها، بصورة أوسع، ما ظل كامنا في التجربتين من إمكان سياسي. لا يعني الامتلاء هنا أن الدولة السعودية الثالثة مثلت الغاية المحددة التي لا بد أن ينتهي إليها تاريخ الدولة السعودية منذ عام 1727 وإنما يعني أن هناك سلسلة من الإمكانات التاريخية وجدت في مرحلة الملك عبدالعزيز صورة من صور تحققها الأكثر كثافة واستقرارا. ومن هنا يمكن فهم الفرق بين التفسير بالقدر والتفسير التاريخي. فالأول ينظر إلى النتيجة بعد وقوعها فيرى فيها ما كان مقدرا أن يكون، أما الثاني فيعود إلى اللحظة السابقة على النتيجة ليرى تعدد الإمكانات التي كانت مفتوحة آنذاك. هذا الفرق بالغ الأهمية في دراسة الملك عبدالعزيز؛ لأن نجاحه يبدو حتميا فقط عندما ننظر إليه من عام 1932. أما إذا عدنا إلى بداية القرن العشرين، فإن الحتمية تختفي، وتظهر بدلا منها احتمالات متعددة كإمكان الفشل، وإمكان استمرار التفكك، وإمكان تدخل القوى الخارجية للحيلولة دون ذلك، وإمكان انتصار خصومه، وإمكان أن تتخذ الجزيرة العربية مسارا سياسيا مختلفا تماما. ولذلك فإن ما تحقق لم يكن قدرا واضحا لمن عاشوا في بداية الأحداث، بل نتيجة لمسار طويل من القرارات والصراعات والفرص. ولهذا يمكن الاستفادة من المقارنة التي يعقدها ليفن بين التاريخ والمسرح. فالتاريخ والمسرح يُصنعان، إلى حد بعيد، من المادة نفسها كالشخصيات، والصراعات، والأزمات، والتحولات المفاجئة، ودخول فاعلين جدد إلى مشهد بدا مستقرا. ويشير أورخان باموق، وهو يستعيد الفكرة الهيغلية، إلى أن التاريخ كالمسرح يمنح بعضه بعضا أدوارا، وأن خشبة التاريخ لا يصعد إليها إلا الجريئون (باموق، 2006، ص 207). ولا ينبغي أن نختزل الجسارة هنا في الشجاعة العسكرية وحدها، بل في القدرة على دخول لحظة تاريخية مضطربة، وقراءة ما فيها من إمكانات، واتخاذ القرار في وقت لا تكون فيه النتائج مضمونة. وفي هذا المعنى كان الملك عبدالعزيز جريئا؛ لكن جرأته ليست نقيضا لحساب الظروف المحلية والخارجية، بل هي جرأة تأخذ في الاعتبار الأزمات وأطوار التفكك والقوى الداخلية والخارجية. فالرجل التاريخي كالملك عبدالعزيز لا يصنع الأحداث لأنه لا يرى المخاطر، وإنما لأنه يرى المخاطر والإمكانات معا. ولذلك فإن توحيد المملكة لا يبدو، من هذه الزاوية، نتيجة مصادفة عمياء، ولا مجرد تحقق لقوة غيبية، بل نتيجة قراءة سياسية للحظة وصل فيها النظام القائم إلى درجة من التوتر جعلت إعادة تركيب المجال السياسي ممكنة. في هذا السياق من المفيد في ضوء مقارنة ليفن للحيز التاريخي الحافل بالمفاجآت، وتفاعل عوامل التفكك، واتخاذ عوامل إعادة التركيب أشكالا مختلفة؛ من المفيد مقاربة ذلك بوضع شبه الجزيرة العربية قبل أن يدخل في مشروع الملك عبدالعزيز بأنه صورة مسرحية (عن المقارنة انظر: ليفن، 2007، ص 12). فقد كان المشهد السياسي، على نحو ما، يشبه عملا مسرحيا اختل فيه التوافق بين الديكور والأحداث. فالديكور السياسي ينتمي إلى عصر سابق، بينما كانت الأحداث الفعلية تتحرك في اتجاه مختلف. كانت البنية الرسمية القائمة تحمل أشكالا ورموزا ومؤسسات تشكلت في ظروف تاريخية سابقة، في حين كانت القوى الجديدة والتحولات الإقليمية والدولية تدفع المسرح في اتجاه لم يعد ذلك الديكور قادرًا على استيعابه. هذه الاستعارة أكثر من مجرد وصف أدبي؛ إذ إنها تساعد على فهم لحظة التأسيس الأخير بوصفها لحظة يصبح فيها الشكل القديم غير قادر على احتواء المادة التاريخية الجديدة. فالأحداث لا تنتظر بالضرورة سقوط النظام القديم كاملا حتى تبدأ في تجاوزه؛ بل قد تتراكم داخل بنيته تناقضات تجعل استمرارها أكثر صعوبة من إمكان ظهور بديل عنها. وفي مثل هذه اللحظات لا يكون القائد الناجح مجرد شخص وصل في الوقت المناسب، وإنما شخص استطاع أن يدرك أن المسرح نفسه تغير، وأن استمرار تمثيل المسرحية القديمة أصبح مستحيلا. ومن هنا تتضح العلاقة بالامتلاء. فالتأسيس الأخير لم يكن مجرد توسع جغرافي للدولة السعودية، ولا مجرد انتصار عسكري على خصومها، بل لحظة تحولت فيها مقاصد تاريخية متراكمة عبر أكثر من قرنين إلى واقع سياسي أكثر حضورا وملموسية. قبل ذلك، هناك تاريخ للدولة، وتاريخ للوحدة، وتاريخ للتحالف، وتاريخ للسقوط وتاريخ إعادة البناء. لكن هذه العناصر ظهرت متفرقة أو ناقصة أو معرضة للانقطاع، لكنها اجتمعت في التأسيس الأخير لتشكل كيانا سياسيا واحدا. ولهذا فإن الأمن الذي أشار إليه الزركلي، والرخاء الذي ربطه باكتشاف الموارد، والوحدة التي رآها المعاصرون نتيجة للتوفيق، يمكن إعادة قراءتها بوصفها علامات على امتلاء المشروع السياسي. لا لأن كل شيء أصبح كاملا أو لأن التاريخ انتهى، بل لأن المعنى الذي كان يتحرك عبر مراحل التأسيس السابقة، وجد موضوعه السياسي الملموس في دولة موحدة، ذات مركز وسيادة وإقليم أوسع، واستمرار أكثر قدرة على مواجهة المستقبل. إن مفهومي التوفيق والقدر جزء من الطريقة التي فهم بها المعاصرون عظمة حدث التأسيس الأخير، ولا ينبغي إلغاؤهما في سياق دراسة الوعي التاريخي. لكن في الوقت ذاته لا ينبغي أن يحلا محل تفسير الحدث نفسه. فبين الملك عبدالعزيز الموفق وبين السؤال التاريخي عن أسباب نجاحه مسافة منهجية ضرورية. الأولى تعبر عن معنى النجاح في الوعي الديني والاجتماعي، والثانية تبحث في شروط إمكانه. من منظور التأسيس الأخير، فإن قيمة هذا التمييز أكبر من مجرد الفصل بين التفسير الديني والسياسي. ذلك أن الامتلاء ذاته كما يبدو لي قد يفسر لماذا لجأ المعاصرون إلى اللغة الماورائية. فعندما تحقق، في فترة زمنية محدودة، ما ظل عبر أجيال مجرد مشروع أو ذكرى أو إمكان فلإن الحدث قد يبدو أكبر من أسبابه القريبة. لقد رأى الناس النتيجة مكتملة أمامهم: الوحدة، والأمن، والدولة، ثم الموارد الاقتصادية الجديدة. ولذلك قرؤوا الحاضر من خلال لغته النهائية، وأضفوا عليه معنى التوفيق. 3 لم يقتصر مفهوم التوفيق على المعاصرين للملك عبدالعزيز من خارج الأسرة الحاكمة، بل نجده حاضرا داخل الأسرة ذاتها، لكن بمعنى مختلف عما قد يوحي به لفظه من إحالة إلى سبب غيبي كما حللنا أعلاه. يروي حافظ وهبة أنه لاحظ في إحدى زياراته للإمام عبدالرحمن، والد الملك عبدالعزيز، أنه لا يقرأ المخاطبات الموجهة إليه، بل يعيدها مع مرسلها، فسأله عن سبب ذلك، فأجابه: « إن عبدالعزيز موفق. لقد خالفناه في آرائه كثيرا، لكن ظهر بعد ذلك أنه مصيب، ونحن المخطئون» (وهبة، 2001، ص. 32). تكتسب هذه العبارة أهميتها من كونها صادرة عن الأب، ومن كونها لا تستند إلى تصور سابق عن نجاح عبدالعزيز، وإنما إلى مراجعة مواقف سابقة في ضوء ما أظهرته النتائج. فالتوفيق هنا لا يظهر بوصفه سببا يفسر النتيجة قبل وقوعها، وإنما بوصفه وصفا يستخلص من النتيجة بعد تحققها. فالإمام عبدالرحمن لم يقل إن عبدالعزيز كان مصيبًا لأنه موفق ثم جاءت الأحداث لتؤكد ذلك، وإنما يقول، في معنى الرواية، إنهم خالفوه، ثم أظهرت الوقائع أنه كان مصيبا وأن المخالفين كانوا مخطئين. ومن هذا الباب ينتقل مفهوم التوفيق من دائرة التفسير الغيبي للنجاح إلى دائرة الخبرة التاريخية المتراكمة؛ فالوقائع هي التي تمنح الفعل السابق معناه، والنتائج هي التي تعيد تقييم القرار الذي اتخذ في لحظة لم تكن نتائجه قد ظهرت بعد. هذا المعنى مهم في فهم التأسيس الأخير؛ لأن الملك عبدالعزيز لم يكن يتحرك في فضاء يخلو من الخبرة، وإنما في بيئة راكمت داخل الأسرة تجارب التأسيس والسقوط والخلاف والعودة. ولذلك فالتوفيق الذي نسبه إليه أبوه يمكن قراءته بوصفه اعترافا بقدرة الملك عبدالعزيز العملية على تقدير الموقف واختيار ما أثبتت التجربة اللاحقة أنه كان أكثر ملاءمة لمسار الأحداث. التوفيق ليس إلغاء للقرار البشري برده إلى قوة غيبية، بل يكشف عن أن القرار الصائب الا يُعرف عند اتخاذه، وإنما تكشفه النتائج التي تترتب عليه. من هذه الزاوية، تصبح العبارة وثيقة الصلة بفكرة تراكم خبرة التأسيس. فالأسرة التي عرفت الدولة الأولى وسقوطها، ثم الدولة الثانية وأزماتها وانقساماتها، لم تكن تنظر إلى خيارات عبدالعزيز من موقع تاريخي محايد؛ بل حملت معها تجارب سابقة تؤثر في تقديرها للممكن والخطر. غير أن عبدالعزيز، بحسب رواية والده، اتخذ في مواضع معينة آراء خالفته فيها الأسرة، ثم جاءت النتائج لتدفع الأب إلى إعادة النظر في حكمه السابق. وهنا فالتوفيق ليس اسما لقوة فوق التاريخ، بل اسما يمكن أن يطلقه الفاعلون، بعد تراكم الوقائع، على القدرة التي أثبتت التجربة أنها أصابت في تقدير اتجاه التاريخ. على هذا الأساس، ينبغي أن نحذر من جعل التوفيق تفسيرا مستقلا لنجاح التأسيس الأخير؛ لأن القول بأن عبدالعزيز نجح لأنه موفق لا يفسر شيئا إذا كان التوفيق نفسه مستخلصا من النجاح. والأكثر فائدة تاريخيا أن نقرأ العبارة بوصفها حكما تقويميا متأخرا على القرارات التي بدت في لحظتها قابلة للاختلاف، ثم كشفت النتائج اللاحقة تفاوتها في الصواب. وبهذا المعنى، يصبح التوفيق جزءا من لغة الذاكرة التاريخية التي صاغ بها معاصرو عبدالعزيز وأفراد أسرته تجربته، وليس قانونا غيبيا يفسر صعوده. من هنا يمكن التمييز بين مستويين في استعمال مفهوم التوفيق؛ مستوى يرى فيه البعض نجاح الملك عبدالعزيز نتيجة لعناية أو قدر يتجاوز الأسباب التاريخية، ومستوى آخر، وهو الذي تكشف عنه رواية الإمام عبدالرحمن، يجعل التوفيق اسما للنجاح الذي تثبته التجربة، وللصواب الذي تظهره النتائج بعد أن تكون القرارات قد دخلت مجال الاختبار التاريخي. وفي هذا المستوى الأخير يصبح المفهوم أكثر قابلية للدراسة التاريخية؛ إذ يمكن البحث في أسباب ذلك التوفيق في الخبرة السياسية، وقراءة الواقع، واستيعاب دروس الماضي، وتقدير موازين القوى، والقدرة على تحويل الإمكان التاريخي إلى فعل سياسي. 4 يمكن القول بأن ما تحقق عام 1932 ليس ضربة حظ، ولا مسارا قدريا حتميا، بل مثل ثمرة التقاء تاريخ طويل من التراكمات بلحظة سياسية جديدة، وبفاعل امتلك القدرة على تحويل الإمكان التاريخي إلى واقع سياسي. وهنا يمكن فهم التأسيس الأخير بوصفه نوعا من الامتلاء التاريخي؛ ليس لأنه ألغى ما سبقه أو أنهى أثره، وإنما لأنه جعل عناصر التجارب السابقة حاضرة في صورة جديدة وأكثر اكتمالا. فالتأسيس الأول بقي موردا للذاكرة السياسية، والدولة الثانية أضافت خبرة إعادة البناء بعد السقوط، كما أضافت تجربة العاصمة الجديدة وحدود المجال السياسي وإمكان استعادة الحكم، بينما قدم السقوط نفسه دروسا في أسباب التفكك ومخاطر الانقسام. أما التحالف، الذي ظهر في الأصل واقعة تاريخية محددة في الدرعية، فقد تجاوز مع الزمن حدود اللحظة التي ولد فيها، وتحول إلى جزء من التقليد التاريخي والسياسي للدولة. وعندما قامت الدولة الثالثة لم تبدأ من هذه العناصر منفصلة، بل من تراكمها جميعا، ولذلك كان التأسيس الأخير جمعا للطبقات السابقة في واقع سياسي جديد تجاوز الأشكال التاريخية السابقة دون أن يمحوها. ومن هذه الزاوية تكتسب سيرة الملك عبدالعزيز المبكرة، كما يرسمها أمين الريحاني، معنى يتجاوز البعد السيري أو الشخصي. فهو لم يظهر في التاريخ بوصفه فردا دخل المجال السياسي من خارجه، بل وُلد في قلب الذاكرة التاريخية التي أنتجتها التجربتان السعوديتان السابقتان. يقول الريحاني « ولد (الملك عبدالعزيز) في الرياض عاصمة أجداده، فرأى عمومته يتنازعون الملك ويتحاربون، ورأى العدو على أبواب العاصمة وهو يطمع بالاستيلاء على نجد أجمع، ورأى أباه يحارب في الوقعة الأخيرة ويستسلم إلى الله، ثم سمعه وهو جالس إلى جنبه في الحساء يرفض شروط الدولة العلية، فسدت أمامه الأبواب كلها إلا الباب إلى الصحراء، فلجأ إلى خيام الشعر وهو مثل أصحابها لا يملك فترا من الأرض، وليس له غير تلك الثقة الوطيدة العالية، الثقة بالله، التي هي كنز الأعرابي» (الريحاني، 1982، ص 102). تكمن أهمية هذا الوصف في أنه يقدم الملك عبدالعزيز بوصفه نتاجا حيا للترسب التاريخي. فقد ورث، قبل أن يمارس الحكم، ذاكرة الدولة وسقوطها، ورأى بصورة مباشرة نتائج النزاع الداخلي الذي أدى إلى ضياعها، وعاش تجربة المنفى، وشهد انتقال الأسرة الحاكمة من مركز السلطة إلى الهامش السياسي. وبذلك لم تكن الدولة السعودية بالنسبة إليه ذكرى أو فكرة تُستعاد من الكتب والوثائق والروايات التاريخية، بل تجربة شخصية وعائلية واجتماعية معيشة. فقد انتقل الترسّب التاريخي من مستوى الذاكرة الجمعية إلى مستوى التجربة الذاتية؛ إذ اجتمعت في وعيه قصة الأجداد، وتجربة الأب، وذكرى العاصمة المفقودة، والعدو الذي استولى عليها، والصحراء التي أصبحت ملجأ بعد أن كانت الدولة مركزا للحكم. يمنح كل هذا مفهوم التأسيس الأخير بعدا أكثر تحديدا. فالملك عبدالعزيز لم يكن يقصد دولة مجهولة المعنى أو يتجه نحو مستقبل بلا نموذج سابق، وإنما كان يتحرك داخل أفق تاريخي محدد المعالم. كانت هناك دولة أولى في الذاكرة، ودولة ثانية أكثر قربا في التجربة العائلية، وكانت الرياض ذاتها تحمل معنى يتجاوز موقعها الجغرافي؛ فهي عاصمة الدولة الثانية، وفي الوقت ذاته تقع داخل المجال التاريخي الأوسع لليمامة والعارض الذي ارتبط بتاريخ الأسرة منذ وقت مبكر. ولذلك فإن استعادة الرياض لاحقا لم تكن مجرد استيلاء عسكري على مدينة، بل كانت بداية تحويل الذاكرة المترسبة إلى فعل سياسي. وهنا تظهر أهمية العبارة التي يوردها فيلبي عن وجود عبدالعزيز بن عبدالرحمن ضمن الفريق المفاوض لتسليم الرياض، وهو في نحو العاشرة من عمره. عندئذ كما يقول فيلبي « ظهر أول مرة على مسرح التاريخ العربي» (فيلبي، 2014، ص 16). وبغض النظر عن الطابع الأدبي لعبارة مسرح التاريخ، إلا أنها تكشف نقطة مهمة في سياق تحليلنا وهو أن ظهور الملك عبدالعزيز في المجال السياسي لم يبدأ عند استرداد الرياض عام 1902، بل سبق ذلك؛ بوجوده داخل مشهد سقوط الدولة الثانية ذاته. لقد كان حاضرا، وهو طفل، في لحظة من لحظات النهاية، قبل أن يصبح فيما بعد صانعا للبداية الجديدة. في ضوء التأسيس والترسّب تمثل هذه المفارقة دلالة عميقة. فالمؤسس الأخير شهد بصورة رمزية وتاريخية، وفي الوقت ذاته شاهد نهاية تأسيس الدولة السعودية الثانية. لذلك فهو لم يرث الدولة قائمة، وإنما ورث انهيارها؛ ولم يتلق السلطة، وإنما تلقى ذاكرة فقدانها. وبين هاتين اللحظتين تكوّن أحد أهم عناصر التأسيس الأخير وهو الوعي بأن الدولة ليست معطى طبيعيا ولا ملكا مضمون البقاء، وإنما الدولة بناء تاريخي يمكن أن يسقط بسبب الصراع الداخلي أو اختلال التوازنات أو تغير الظروف الإقليمية. ومن ثم فإن تجربة السقوط لم تكن مجرد حادثة سلبية سبقت التأسيس الثالث، بل كانت جزءا من المادة التي تكوّن منها. من هذه الزاوية يمكن إعادة قراءة ما يسميه الريحاني بالباب إلى الصحراء. فالصحراء هنا ليست مجرد مكان للجوء بعد فقدان السلطة، وإنما تمثل انتقالا من المركز إلى الهامش، ومن الدولة إلى المجتمع، ومن القصر إلى المجال الاجتماعي الأوسع الذي تعيش فيه القبائل والجماعات المحلية. وهذه التجربة كان لها أثرها في تشكيل طبيعة التأسيس الأخير؛ إذ لم يعد المؤسس مرتبطا فقط بذاكرة العاصمة والأسرة الحاكمة، بل أصبح جزءا من العالم الاجتماعي الذي ستقوم الدولة الجديدة على إعادة تركيبه. لقد خرجت الأسرة من مركز السلطة، لكن هذا الخروج نفسه وسّع دائرة الخبرة التي ستدخل لاحقا في عملية إعادة التأسيس. ما يمكن ملاحظته هنا هو الفرق بين الوراثة السياسية والترسّب التاريخي. فالوراثة السياسية قد تعني انتقال الحكم من شخص إلى آخر أو من أسرة إلى نسلها، أما الترسّب فيعني انتقال الخبرة حتى في غياب الحكم نفسه. وهذا ما حدث بعد سقوط الدولة الثانية؛ إذ لم تنتقل السلطة إلى الملك عبدالعزيز انتقالا مباشرا، بل ورث ما هو أكثر تعقيدا كالاسم السياسي، والذاكرة العائلية، وخبرة سقوط، وصورة عن نجد، والعلاقة التاريخية بالدعوة الإصلاحية، وشبكة من الولاءات والانتماءات، ومعرفة متراكمة بما يعنيه قيام الدولة وما يمكن أن يؤدي إلى انهيارها. فعبارة فيلبي عن ظهوره أول مرة على مسرح التاريخ العربي يمكن تأويلها على نحو أعمق من معناها الزمني. فالظهور هنا لم يكن ظهور شخص جديد في تاريخ خال، بل ظهور الجيل الذي سيحمل الترسبات المتراكمة للتجربتين السابقتين إلى مرحلة جديدة. كان الطفل عبدالعزيز حاضرا في نهاية الدولة الثانية، ثم أصبح الرجل الذي أعاد فتح سؤال الدولة من جديد. وبين الحضور الأول والفعل اللاحق هناك عملية طويلة من تحول الذاكرة إلى خبرة، والخبرة إلى رؤية سياسية، والرؤية إلى مشروع. في ضوء مفهوم الامتلاء الذي نوظفه هنا يصبح دور الملك عبدالعزيز أكثر وضوحا. فقد كانت فكرة عودة الدولة السعودية موجودة، بعد 1891، بوصفها إمكانية تاريخية أو قصدا سياسيا لم يجد موضوعه بعد. كانت هناك ذاكرة للدولة، وأسرة فقدت الحكم، ومجتمع عرف تجربة الوحدة ثم عرف نتائج الانقسام، لكن هذه العناصر لم تكن في ذاتها دولة. كانت، من منظور تأويلي، إمكانا ينتظر تحققا. وعندما استعاد الملك عبدالعزيز الرياض، ثم وسع نفوذه، ثم أعاد تركيب المجال السياسي، وأخضع القوى المتعددة لسلطة مركزية، وانتقل من نجد إلى أقاليم الجزيرة المختلفة، بدأت تلك الإمكانات تجد تحققها التاريخي. ومن ثم فإن الامتلاء لا يعني أن المتخيل تحقق كما كان في الماضي. فالدولة الثالثة لم تكن نسخة من الأولى، إنما تحقق الامتلاء عندما وجدت الفكرة التاريخية المتراكمة كفكرة الدولة والوحدة وقيادة آل سعود وإمكان إخضاع المجال السياسي المتعدد لمركز واحد صورة أوسع وأدوم. وهذا هو الفارق بين التكرار وإعادة التأسيس. فالتكرار يعيد الماضي، أما التأسيس الأخير فيستخدم الماضي موردا لبناء شكل جديد من المستقبل. فيما لو جمعنا بين ما قاله الريحاني وفيلبي النصين فسيظهر لنا تداخل ثلاثة مستويات من التاريخ في شخصية الملك عبدالعزيز: الأول مستوى الذاكرة الموروثة؛ وتعلق بتاريخ الدولة السعودية والأسرة والتحالف؛ والثاني التجربة المعاشة ويتعلق بالسقوط والمنفى ورؤية النزاع؛ أما الفعل التأسيسي فيبدأ حين تتحول هذه الخبرات إلى قرارات سياسية. وهذا التدرج يفسر لماذا لا يمكن اختزال نجاح التأسيس الأخير في عبقرية فردية معزولة، كما لا يمكن تفسيره بالحظ أو القدر وحدهما. فالفاعل التاريخي مهم، لكنه لا يعمل في فراغ؛ إذ يعمل داخل إمكانات أتاحها التاريخ، وداخل قيود فرضها التاريخ أيضا. ومن هنا تتضح مكانة الملك عبدالعزيز. فهو ليس مجرد مؤسس ثالث يأتي بعد مؤسسين سابقين، بل هو الفاعل الذي التقت عنده طبقات التاريخ السعودي السابقة. ففي تجربته الشخصية التقت ذاكرة الدولة الأولى، وترسب الدولة الثانية، ودرس السقوط، وخبرة المنفى، وعالم الصحراء، ومركزية الرياض، والعلاقة التاريخية بالتحالف الإصلاحي. ولذلك يمكن القول إن خصوصية التأسيس الأخير لا تكمن فقط في اتساع ما حققه، بل في كونه التأسيس الذي دخل إلى لحظة قيامه وهو يحمل في داخله ذاكرة قيامين سابقين وسقوطين سابقين. بهذا المعنى، فإن عام 1932 لم يكن بداية منفصلة عن 1727 وفي الوقت ذاته لم يكن النتيجة الحتمية لمسار بدأ في الدرعية في منتصف القرن الثامن عشر. كان شيئا بين الأمرين لكنه أكثر تعقيدا منهما. فلم يكن حتمية لأن التاريخ كان يمكن أن يسلك مسارات أخرى، ولم يكن صدفة لأن عناصره كانت قد تراكمت عبر زمن طويل. وقد احتاجت هذه التراكمات إلى لحظة سياسية مناسبة، وإلى ظروف داخلية وإقليمية قابلة للتحول، وإلى فاعل يستطيع أن يرى الإمكان الكامن فيها ويمنحه شكله التاريخي. هذا هو المعنى الأعمق للتأسيس الأخير بوصفه امتلاء. أي أن الماضي لا يعود بوصفه ماضيا، بل يجد في الحاضر صورة جديدة لم يكن قادرا على إنتاجها في زمنه الأول. ففي عام 1932 لم تستعد الدولة السعودية الأولى نفسها، ولم تعد الدولة الثانية من جديد، وإنما تحقق شيء كانتا قد جعلتاه ممكنا تاريخيا؛ وهو دولة أكثر اتساعا، ومجال سياسي أكثر تماسكا، ووحدة تجاوزت حدود نجد التي كانت نقطة الانطلاق الأولى. وهكذا فإن الملك عبدالعزيز المؤسس الأخير لم يبدأ من الصفر، لكنه كذلك لم يكتف باستعادة ما فقد؛ بل حوّل ذاكرة التأسيس والسقوط والتحالف إلى واقع سياسي جديد مازال موجودا إلى الآن.