في مَطالِعِ هذه الأيام، حين تتقلّبُ بالأقاليمِ الأحوال، وتتزاحمُ على الآفاقِ الأخطار، وتتوالى على المنطقةِ سُحُبُ الفِتَنِ وأمواجُ المحَن، يُشرِقُ اليومُ الوطنيُّ للمملكة العربية السعودية؛ لا بوصفه ذكرى تُستعاد، ولا مناسبةً عابرةً يُحتفى بها فحسب، بل بوصفه وقفةَ إجلالٍ ووفاء أمام نعمةٍ إلهيةٍ عظيمة، واستحضارًا لأمانةٍ جليلة، وتذكيرًا بما للوطنِ من حقٍّ يتصلُ بنِعافِ القلوبِ وأعناقِ الرجال. وما أعظمَ نعمةَ وطنٍ يلتفّ بالأمن، وما أجلَّ مَنّةَ أرضٍ تتنزّلُ عليها الطمأنينة، فما أثمنَ أن يأويَ المرءُ إلى وطنهِ فيجدَ الأمنَ سَكَنًا، والاستقرارَ حِصْنًا، والكرامةَ عُنوانًا. وإنَّ شُكْرَ هذه النعمةِ لا يقفُ عند حدودِ القولِ واللسان، بل يتجسّدُ حقيقةً في صيانتها بالوعيِ الحصيف، وحفظِها بالعملِ الدؤوب، والذودِ عن مكتسباتها بروحِ المسؤولية؛ فالأوطانُ لا تحميها حَماسةُ الشعارات، وإنما تحرسُها أصالةُ الانتماء، ورجاحةُ العقل، وإخلاصُ العطاء. ويحلُّ هذا اليومُ المجيدُ في ظرفٍ استثنائيّ تتعاظمُ فيه التحديات، وتتعدّدُ فيه مصادرُ التهديد؛ وما تشهده المنطقةُ من اضطراباتٍ وصراعاتٍ وأعمالٍ عدائية—ومنها ما ارتكبته ميليشيات الحوثي من استهدافٍ لأمنِ المملكة ومصالحها—لهو تذكيرٌ حَيٌّ بأنَّ نعمةَ الأمنِ قلادةٌ صانَها السيفُ والعدل، وأنَّ صيانةَ الديارِ مسؤوليةٌ لا تُطيقُ الغفلة، وأنَّ تماسكَ الصفِّ ووحدةَ المجتمع هما السُّورُ الأقوى والأمنعُ أمام عواصفِ الزمان. وفي المنشَطِ والمَكرَه، يظلُّ الوطنُ أسمى من كلِّ اعتبار؛ تجمعُنا رايتُهُ الخضراء، وتظلُّنا سماؤه، وتضمُّنا أرضُه الطيبة. ومن هنا تتجلّى قيمةُ التلاحمِ الوطني، ويتأكّدُ معنى الوفاء الراسخ لربّان هذه السفينة وقيادتها الحكيمة؛ ففي ظلّ الرعاية الكريمة من مقام خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود—حفظه الله ورعاه—وبحكمةٍ واستشرافٍ نافذٍ من مهندسِ النهضةِ وملهمِ الطموح، سموّ وليّ عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز—أيّده الله—تخوضُ المملكةُ أعتى التحديات بثباتِ الجبال، وتستندُ إلى رؤيةٍ ثاقبة تجمعُ بين حزمِ الحارسِ وأملِ الباني. فحين تشتدُّ الخطوبُ تُعرَفُ قيمةُ القيادةِ الاستثنائية، وحين تعظمُ التحدياتُ يظهرُ معدنُ الشعبِ العظيم الذي يقفُ خَلْفَ قيادتهِ سدًا منيعًا لا تُخرِقُه الفِتَن. إنَّ المملكة—برعايةِ ملكِها وحزمِ وليّ عهده—تمضي في مسيرتها غيرَ ملتفتةٍ إلى عوائقِ الطريق، ولا صارفَ لها عن صناعةِ الفجر؛ تمضي التنميةُ صنوًا للأمن، والجسارةُ حليفةً للإنجاز، والحلمُ واقعًا ملموسًا. وما نشهده اليومَ من نهضةٍ تنمويةٍ شامِخة، وتحوّلٍ اقتصاديّ مبهر، وسباقٍ مع الزمن في ميادينِ العلمِ والمعرفةِ والمشروعاتِ العملاقة، إلا شاهدٌ بليغٌ على وطنٍ جعلَ من تحدياتِ الحاضرِ جسورًا ذهبيةً يَعْبُرُ عليها نحو المستقبل. إنَّ الوفاءَ الصادقَ للوطنِ وقيادتهِ يتطلّبُ أن يكونَ أبناؤه معاولَ بناءٍ لا أدواتِ هدم، وأن يجعلوا من مواقعهم ميدانًا للتميز، ومن أعمالهم شواهدَ على الإخلاص؛ مدركينَ أنَّ البيعةَ والولاءَ ليسا كلماتٍ تُقالُ في المحافل، بل هما قيمةٌ حيةٌ تُترجَمُ في السلوك، وعهدٌ وثيقٌ يُصان بالمهجِ والأرواح. وفي يومِ الوطن، نلتقطُ أنفاسَ الأمسِ اعتزازًا ببطولاتِ التأسيس، ونعيشُ الحاضرَ بمسؤوليةِ البناء، ونستقبلُ الغدَ بثقةٍ وأمل؛ ونقولُ للأجيالِ القادمة: هذه أمانةٌ غاليةٌ تسلّمناها بدمائنا وعرَقِنا فاحملوها بوفاء، وهذا وطنٌ حَرَسنَا أمنَه تحتَ رايةِ آل سعود العليّة فصونوا عهده، وهذه رايةُ العِزِّ رفعها الآباءُ والأجداد، فلا تدعوها إلا شامخةً في أعالي السحاب. حفظَ اللهُ المملكةَ العربيةَ السعودية، وأدامَ عليها رفعةَ العِزِّ ونعمةَ الأمنِ والاستقرار، وحفظَ خادمَ الحرمين الشريفين وسموّ وليّ عهده الأمين، ورَدَّ عنها كيدَ الكائدين، وأبقى وحدتَها عصيّةً على التفرّق، ومسيرتَها ماضيةً من مجدٍ إلى مجد، ومن إنجازٍ إلى إعجاز. فالوطنُ نعمةٌ تُشْكَر، وأمانةٌ تُصان، ورايةٌ تُرفَع، وعهدٌ خَالِدٌ لا تُغيّره الخطوب. * الهيئة الملكية بينبع