عزنا.. بمجد وطننا.
يأتي اليوم الوطني السادس والتسعون، والمملكة العربية السعودية تمضي بثباتٍ في زمنٍ تتزاحم فيه الأحداث، وتتقاطع المصالح، وتشتدّ التحديات؛ فتزداد الحاجة إلى ما ظلّ سرَّ قوتها منذ أن أشرقت شمس وحدتها: وحدةٌ لا تتبدّل، وتلاحمٌ لا تهتز أركانه، ووعيٌ يعرف أن الوطن ليس جغرافيا فحسب، بل عهدٌ مشترك بين قيادةٍ وشعب، وذاكرةٌ ومستقبل. وفي هذه اللحظة، يبدو الوطن أكثر تماسُكًا، وأشد حضورًا، وأوضح ثقةً بما يمضي إليه؛ إذ تتأكد حقيقةٌ لا تصنعها الشعارات، بل تثبتها المواقف: أن الوطن حين يكون قلبًا واحدًا، ويدًا واحدة، وإرادةً تعرف طريقها، يستطيع أن يعبر تعقيدات اللحظة من غير أن يفقد بوصلته، وأن يواجه تبدّل الظروف من غير أن تتبدّل ثوابته. ولذلك لا يكون اليوم الوطني مجرد استعادةٍ للذاكرة، ولا احتفاءً بيومٍ مضى؛ بل يصبح وقفةً نتأمل فيها معنى الوطن حين تتعاضد فيه الإرادة، ويتكامل فيه الوعي، ويصبح الانتماء مسؤوليةً لا مناسبة. ومن هنا، لا يمكن أن نقرأ اليوم الوطني السادس والتسعين بعيدًا عن الحكاية الأولى؛ حكاية رجلٍ آمن بأن هذه الأرض يمكن أن تجتمع على راية، وأن الإنسان فيها يستحق وطنًا يأمن فيه على أرضه وكرامته ومستقبله. كان الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود - طيب الله ثراه - أمام جغرافيا واسعة وتحديات متشابكة، لكنه مضى في مشروع التوحيد حتى اجتمعت البلاد تحت راية التوحيد، وتحولت وحدة الأرض إلى دولة، وتحولت الدولة إلى مشروع بناءٍ متصل لم يتوقف عند تأسيس الكيان، بل امتد إلى تأسيس الإنسان. ومنذ ذلك التاريخ، لم يعد الوطن مجرد حدودٍ ترسمها الخرائط؛ صار ذاكرةً مشتركة، وهويةً جامعة، ومؤسساتٍ تتسع عامًا بعد عام، وتعليمًا يفتح أبواب المستقبل، واقتصادًا يتطور، وثقافةً تحفظ للبلاد صوتها، وإنسانًا أصبح شريكًا أصيلًا في صناعة التحول. فالأوطان لا تُقاس بعمرها وحده، وإنما بما راكمته من تجربة، وما شيدته من مؤسسات، وما أودعته في وعي أبنائها من معنى الانتماء والمسؤولية. ولهذا كان التعليم والمعرفة في مسيرة المملكة أكثر من قطاعين من قطاعات الدولة؛ كانا جزءًا من مشروع بناء الإنسان. فحين يتعلم الإنسان، تتسع قدرته على فهم وطنه والعالم من حوله، وحين يمتلك المعرفة، يصبح أقدر على المشاركة في صناعة مستقبله، وأوعى بما ينبغي أن يحفظه من مكتسبات وطنه. واليوم، تقف المملكة أمام فصلٍ جديد من حكايتها؛ فصلٍ لا يقطع صلته بالماضي، ولا يكتفي بما تحقق، بل يعيد صياغة المستقبل بثقة. وفي قلب هذا التحول جاءت رؤية السعودية 2030 بوصفها مشروعًا وطنيًا لإعادة ترتيب الأولويات، وتنويع الاقتصاد، وتمكين الإنسان، وفتح مساحات جديدة للعمل والإبداع، وبناء مجتمع أكثر حيوية واقتصاد أكثر تنوعًا وحضور أوسع للمملكة في العالم. غير أن قيمة الرؤية لا تختصرها أرقام الإنجاز ومؤشرات الأداء؛ فالتحول الحقيقي يبدأ حين ينتقل الطموح من خطاب الدولة إلى وعي المجتمع، ومن الخطط إلى الممارسة، ومن انتظار المستقبل إلى صناعته. وفي هذا المشهد، لم يعد الشباب ينتظرون أن يأتي المستقبل إليهم؛ إنهم جزء من صناعته اليوم. وفي المعرفة والإعلام والثقافة والتقنية والاقتصاد والابتكار، تتسع مساحات الفعل أمام جيلٍ يحمل أدوات عصره، لكنه لا يبدأ من فراغ؛ يبدأ من وطنٍ له تاريخ، وهوية، وتجربة متراكمة. ومن هنا تتشكل واحدة من أهم خصائص التجربة السعودية: العلاقة التي تجمع القيادة بالشعب، حين تتحول الثقة إلى طاقة بناء، ويصبح التلاحم الوطني أكثر من صورةٍ احتفالية؛ يصبح قدرةً على تجاوز المنعطفات، وحماية المكتسبات، وصون وحدة الدولة والمجتمع. وحين تتعرض الأوطان للتحديات، فإن أقوى ما يحميها ليس ارتفاع الصوت، وإنما ارتفاع الوعي؛ وليس رد الفعل العابر، وإنما رسوخ الانتماء. فالمجتمع الواعي يعرف ما الذي يحفظ أمنه ووحدته واستقراره، ولا يسمح للعدوان أن ينال من تماسكه، ولا للأفكار المتطرفة أن تعبث بنسيجه، ولا لمحاولات زعزعة الاستقرار أن تنتزع منه ثقته بوطنه. وما أجمل أن يأتي اليوم الوطني في زمنٍ تتزاحم فيه حول المملكة الأحداث والطموحات والتحديات؛ فكلما اضطربت من حولنا الجهات، ازداد الوطن حاجةً إلى التماسك، وكلما تبدلت المشاهد، ازدادت قيمة الثبات على الثوابت. وهنا لا تكون هيبة الوطن في ارتفاع نبرته، بل في هدوء ثقته؛ في دولةٍ تعرف وزنها، وشعبٍ يعرف قيمة وطنه، وقيادةٍ تمضي في مشروعها وهي تدرك أن المستقبل لا يُنتظر، بل يُبنى. ومن هذه الأرض التي تحتضن مهبط الوحي وقبلة المسلمين، لم يعد الحضور السعودي محصورًا في حدوده الجغرافية؛ فقد اتسعت دوائر حضوره في الاقتصاد والثقافة والإعلام والفعاليات العالمية، وأضحت المملكة تقدم صورتها الحديثة للعالم من موقعٍ يستند إلى تاريخها، ولا يتخلى عن جذورها. وهذه هي المعادلة التي تمنح التجربة السعودية خصوصيتها: أن يتقدم المستقبل دون أن يتراجع الماضي، وأن تتسع الرؤية دون أن تضيق الهوية، وأن تتغير الأدوات دون أن يتغير جوهر الانتماء. إن العز السعودي ليس كلمةً تُقال في مناسبة، ولا نشيدًا ينتهي بانتهاء الاحتفال؛ إنه معنى يتجدد كلما عرف الوطن من أين بدأ، وإلى أين يمضي، وما الذي يستحق أن يبقى محفوظًا في الذاكرة. نحتفي اليوم بستةٍ وتسعين عامًا من حكاية وطن؛ حكايةٍ لم تتوقف عند رجل التأسيس، بل واصلتها الدولة جيلًا بعد جيل، حتى أصبح ما كان حلمًا بالأمس مشروعًا مفتوحًا للمستقبل. ذلك هو عزُّنا.. أن يكون مجد وطننا تاريخًا نعتز به، وحاضرًا نبنيه، ومستقبلًا نمضي إليه بثقة. فالوطن الذي بدأ حكاية توحيدٍ وبناء، يمضي اليوم ليكتب فصلًا جديدًا من المجد؛ لا ينسى جذوره، ولا يخشى مستقبله، ولا يتردد في أن يفتح للأجيال القادمة صفحاتٍ جديدة من الحكاية. وطنٌ عزيز.. بمجدٍ لا ينتهي.