اليوم الوطني..

كيف يمكن أن يتحوّل إلى (مؤسّسة)؟

هذه الزاوية،»بوصلة»، اعتدتُ أن أكتب فيها كل أسبوع عن شخص، عن رمز وطني أو ثقافي أو أدبي أو فكري أو اقتصادي أو رياضي، أفتش في سيرته عما يتجاوز الاسم والمنصب إلى المعنى والتأثير. لكن ماذا أفعل حين تحلّ مناسبة الوطن؟ وعن أي شخص يمكن أن أكتب، والوطن هو الذي احتضن كل هؤلاء، ومنحهم المكان والهوية والفرصة والحكاية؟ في اليوم الوطني لا بد أن يكون وطني هو جوهر كل شيء. ولهذا لن أكتب هذه المرة عن رجل مهما علا شأنه، ولا عن مؤسسة مهما عظمت أدوارها، ولا عن منجز مهما أبهرنا. سأكتب عن (السعودية)، ولكن من زاوية أظن أننا بحاجة إلى التفكير فيها طويلاً. اليوم الوطني يجب أن يكون مؤسسة، لا حدثاً أو فكرة عابرة. ولا أعني بالمؤسسة هنا جهازاً إدارياً جديداً، ولا هيئة تضاف إلى الهيئات، ولا مبنى يحمل اسماً وشعاراً. المؤسسة التي أقصدها أعمق من ذلك بكثير، وهي أن يصبح اليوم الوطني مؤسسة في الوعي والذاكرة والثقافة والسلوك، فكرة دائمة تنتج معرفة بالوطن، وتحفظ قصته، وتربط الأجيال بتاريخه، وتفسر حاضره، وتفتح عيونها على مستقبله، ذلك لأن الوطن أكبر من أن نستحضره في يوم ثم نؤجله إلى العام التالي. وأخشى ما أخشاه أن تنجح الاحتفالات أحياناً في إخفاء المعنى الذي جاءت من أجله. الأضواء جميلة، والأعلام بديعة، والفرح بالوطن حقّ، بل إن التعبير الجماعي عن هذا الفرح صورة من صور الانتماء. لكن السؤال يبدأ في صباح اليوم التالي: ماذا بقي؟ إذا انتهى اليوم الوطني بانتهاء فعالياته، فقد احتفلنا بمناسبة. أما إذا ترك وراءه طفلاً يعرف قصة بلاده أكثر، وشاباً يفهم معنى وحدتها، ومواطناً يدرك مسؤوليته تجاهها، ومؤسسة تستعيد تاريخها، وباحثاً يفتح ملفاً جديداً في الذاكرة السعودية، فقد بدأنا في تحويله إلى مؤسسة، وهذا هو الفارق الذي أعنيه. نحن لا نحتاج إلى مزيد من الوطنية الموسمية، بقدر حاجتنا إلى وطنية المعرفة. فالحب وحده، على عظمته، لا يكفي. أعرف أنني أحب بلادي، لكن ماذا أعرف عنها؟ ماذا أعرف عن تاريخ المناطق التي لم أولد فيها؟ عن الإنسان الذي عاش في هذه الجغرافيا قبل مئة عام؟ عن الصعوبات التي واجهت بناء الدولة؟ عن الرجال والنساء الذين أسهموا في التعليم والصحة والاقتصاد والثقافة؟ ماذا أعرف عن التحولات الاجتماعية التي صنعت المجتمع السعودي الذي نراه اليوم؟ إن الوطن الذي نعرفه جيداً نحبه بصورة أعمق. ولهذا أرى اليوم الوطني فرصة سنوية كبرى لإعادة بناء معرفتنا بالسعودية، لا لتكرار ما نعرفه عنها، وأن تتحول المناسبة إلى موسم مفتوح للبحث والتوثيق والقراءة والنقاش والإنتاج الثقافي. أن تتنافس الجامعات في تقديم دراسات جديدة عن المجتمع السعودي، وأن تستعيد المدارس التاريخ بوصفه حكاية حية لا مادة للحفظ، وأن تفتح المؤسسات أرشيفها، وأن تُروى قصص المدن والقرى، وأن نستمع إلى ذاكرة كبار السن قبل أن ترحل معهم، فهناك آلاف القصص التي لم تُكتب بعد. قصة الطبيب السعودي الأول في مدينة صغيرة، والمعلم الذي افتتح مدرسة في قرية نائية، والطريق الذي ربط منطقتين، والمرأة التي بدأت عملاً اجتماعياً قبل عقود، والمهندس الذي شارك في بناء مشروع، والجندي الذي خدم على الحدود، والمزارع والصّانع والبحّار والموظف البسيط. هؤلاء جميعاً أجزاء من التاريخ الوطني، حتى إن لم تدخل أسماؤهم الكتب، فالأوطان لا يصنعها المشاهير وحدهم. وحين نقول «اليوم الوطني» فإننا نعود بالضرورة إلى الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، رحمه الله، لكنني أعتقد أن أعظم وفاء للمؤسس ليس أن نكرر سيرته فقط، وإنما أن نفهم مشروعه. لقد كان التوحيد أكبر من انتصار سياسي وأعمق من ضم أجزاء جغرافية بعضها إلى بعض. كان تحويل المكان إلى وطن، والجماعات المتفرقة إلى مجتمع، والانتماءات المحلية إلى هوية وطنية جامعة. ونحن، لأننا ولدنا داخل هذه الوحدة، قد لا نستشعر أحياناً حجم المعجزة التاريخية التي سبقتنا. نرى خريطة واحدة وعلماً واحداً ودولة واحدة، فنحسبها من بديهيات الأشياء. بينما خلف هذه البديهية تاريخ طويل من الصعوبات والتضحيات والإرادة، فأن تصنع الدولة ممكن، لكن أن تصنع شعوراً مشتركاً بالوطن فهذا هو الإنجاز الأصعب، وهو الأمر الذي نجح فيه مشروع التوحيد. من جازان إلى الجوف، ومن الشرقية إلى الحجاز، ومن نجد إلى عسير وتبوك والحدود الشمالية، تختلف البيئات واللهجات والعادات والموروثات، لكنها تلتقي كلها عند هوية واحدة لا تلغي اختلافها بل تتسع لها السعودية. ولعل اليوم الوطني، حين يتحول إلى مؤسسة، يستطيع أن يجعل هذا التنوع جزءاً من معرفتنا بأنفسنا. فالسعودية ليست صورة واحدة، وجمالها أنها ليست كذلك. إنها بحر وصحراء وجبل وواحة، مدينة وقرية، ولهجات وأزياء وفنون وعمارة ومطابخ وذاكرات محلية متعددة، تجتمع كلها تحت سقف وطني واحد. ثم إن لهذه البلاد خصوصية لا تشاركها فيها دولة أخرى، حيث القداسة تنبض في قلبها (مكة المكرمة والمدينة المنورة). إنها البلاد التي ينتمي إليها أبناؤها وطناً، ويتجه إليها أكثر من مليار مسلم قبلةً ووجداناً. وهذه ليست ميزة جغرافية فحسب، بل مسؤولية أخلاقية وحضارية. ومنذ تأسيس الدولة، ظلت خدمة الحرمين الشريفين وضيوف الرحمن في صميم مسؤوليتها، حتى أصبحت رحلة الحج والعمرة اليوم مجالاً تتقاطع فيه الإدارة والهندسة والتقنية والصحة والأمن والخدمات. وهذا أيضاً مما ينبغي لليوم الوطني أن يعلّمه للأجيال، أنّ الامتياز الوطني يقابله دائماً واجب وطني. وهنا أصل إلى المعنى الآخر للمؤسسة التي أتحدث عنها، فاليوم الوطني ينبغي ألا يكون مؤسسة للذاكرة فقط، بل مؤسسة للقيم. فما قيمة أن أرفع العلم ثم لا أتقن عملي؟ وما معنى أن أكتب أجمل العبارات عن الوطن ثم أسيء إلى ممتلكاته العامة؟ لأنّ الوطنية ليست ما نقوله عن الوطن فقط، بل ما نفعله من أجله عندما لا يرانا أحد. المعلم الذي يدخل فصله مستشعراً أن مستقبل بلاده يجلس أمامه يمارس الوطنية. والطبيب الذي يحفظ حياة إنسان يفعلها. والباحث الذي يقضي سنوات في مختبره بحثاً عن اكتشاف هو يطبقّها. والجندي على الحدود، والمهندس في مشروعه، والمزارع في حقله، ورائد الأعمال الذي يصنع وظيفة، والموظف الذي يحترم وقت الناس، كلهم يحتفلون باليوم الوطني بطريقتهم، وإن لم يحملوا علماً أو يكتبوا عبارة واحدة. الوطنية إتقان قبل أن تكون إعلانًا. هذه الفكرة تصبح أكثر أهمية ونحن نعيش مرحلة مختلفة من تاريخ السعودية. إنّ رؤية ٢٠٣٠ لم تغير الاقتصاد وحده، بل غيرت علاقتنا بالممكن. فتحت أبواباً واسعة للمرأة والشباب، ودفعت قطاعات جديدة إلى الواجهة، وأعادت تقديم الثقافة والتراث والسياحة والرياضة والابتكار والتقنية بوصفها أجزاء من مشروع وطني متكامل. والمثير في التحول السعودي أنه كلما ذهب أبعد نحو المستقبل، ازداد بحثاً عن جذوره. نستثمر في الذكاء الاصطناعي، وفي الوقت نفسه نعيد اكتشاف الدرعية والعلا وجدة التاريخية. نبني صناعات جديدة ونستعيد الحرف القديمة. ننفتح على العالم ونقدم له في الوقت نفسه شخصيتنا الخاصة. وهذه معادلة بالغة الأهمية، فالمستقبل لا يعني أن تتخلى عن ذاكرتك، بل أن تعرف كيف تحملها معك إليه. ومن هنا أرى اليوم الوطني مؤسسة للمستقبل أيضاً. فليس كافياً أن نسأل في كل سبتمبر، ماذا فعل المؤسسون من أجلنا؟ لأنّ السؤال الأهم هو: ماذا سنفعل نحن لمن سيأتون بعدنا؟ ماذا سيجد السعودي بعد خمسين عاماً مما نصنعه اليوم؟ كيف ستكون مدنه؟ ومدارسه؟ وجامعاته؟ وثقافته؟ واقتصاده؟ وبيئته؟ وما الذي سيقوله عنا حين يقرأ هذه المرحلة من تاريخ بلاده؟ الوطن ليس ميراثاً نستلمه فقط، إنه أمانة نسلمها. وهنا يتحول اليوم الوطني من ذاكرة إلى مسؤولية، ومن احتفاء بالماضي إلى عقد مع المستقبل. وأتمنى أن يأتي زمن لا نقيس فيه نجاح اليوم الوطني بعدد الفعاليات ولا بحجم الحضور وحده، بل بما أنتجه من معرفة. كم كتاباً صدر؟ كم وثيقة كُشفت؟ كم قصة وطنية أُنقذت من النسيان؟ كم بحثاً أُنجز؟ كم طالباً اكتشف جانباً من بلاده لم يكن يعرفه؟ وكم مبادرة بدأت في سبتمبر واستمرت حتى سبتمبر التالي؟ عندها فقط يصبح اليوم الوطني مؤسسة لا مناسبة. لقد كتبت في هذه الزاوية عن أشخاص كثيرين، وسيأتي آخرون أكتب عنهم. بعضهم صنع دوراً في الثقافة، وبعضهم في الإعلام والفكر والاقتصاد والرياضة. لكنني حين أكتب عن السعودية أدرك أن الوطن ليس اسماً جديداً أضيفه إلى أسماء هذه الزاوية. إنه الأصل الذي خرجت منه الأسماء كلها. ولهذا لا أريد لليوم الوطني أن ينتهي بانطفاء آخر ضوء من أضواء احتفالاته، ولا أن تطوى أعلامه فنطوي معها المعنى إلى العام المقبل. أريده حاضراً في المدرسة والجامعة والمختبر والمصنع والمكتب والشارع. في المعرفة التي ننتجها، وفي العمل الذي نتقنه، وفي الذاكرة التي نحفظها، وفي المستقبل الذي نبنيه. فاليوم الوطني الحقيقي ليس يوماً نتذكر فيه ما صنعه الذين سبقونا فحسب، لكنه اليوم الذي نسأل فيه أنفسنا، ماذا نصنع نحن لهذا الوطن؟ وحين يصبح هذا السؤال حاضراً في أيامنا كلها، يكون اليوم الوطني قد تجاوز التقويم، وأصبح مؤسسة في الوعي. وحينها لا نحتاج إلى أن نسأل أين تشير «بوصلة» هذا الأسبوع؟، فالسعودية ليست جهة تشير إليها البوصلة.. السعودية هي البوصلة.(!) (*) كاتب وصحافي سعودي