اثنا عشر عامًا من التحول.
عشية الذكرى الثانية عشرة لبيعة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، حفظه الله، كانت المملكة على موعد مع الإعلان عن الدورة الجديدة من معرض الرياض الدولي للكتاب. قد يبدو الإعلان، في ظاهره، خبرا ثقافيا عاديا، غير أن تزامنه مع ذكرى البيعة يحمل دلالة لافتة، خصوصا أن معرض الرياض ارتبط منذ بداياته بعلاقة وثيقة بالملك سلمان، الذي رافق مسيرته أميرا للرياض، وظل داعما لتحولات المشهد الثقافي حتى عهده ملكا. ومن معرض الكتاب يمكن التقاط جانب من التحول الذي شهدته المملكة خلال هذه الأعوام، فالكتاب الذي ظل حاضرا في علاقة الملك سلمان بالمعرفة والتاريخ، أصبح اليوم جزءا من مشهد ثقافي عريض تتعدد فيه المؤسسات والمعارض والمنصات. واتسعت العناية باللغة العربية، وتنامت حركة النشر والترجمة، وتنوعت الفنون لتشمل السينما والموسيقى والمسرح والفنون البصرية. ولم يعد التراث مجرد استعادة للماضي، بل تحول إلى عنصر في تشكيل المكان، وتعريف الأجيال بتاريخها، وتقديم السعودية إلى العالم. غير أن الثقافة لم تكن مسارا منفصلا عن بقية التحولات؛ فقد اتسع الاقتصاد وتنوعت روافده، وتسارعت وتيرة تطوير البنية التحتية والمدن، وتقدمت التقنية لتغدو ركيزة في الحياة اليومية والعمل والخدمات الحكومية، فيما برزت السياحة قطاعا اقتصاديًا وثقافيًا، واستعاد التراث الوطني والمواقع التاريخية حضورها ضمن المشهد التنموي. وهي مسارات متداخلة تكشف عن تحول أوسع في علاقة الإنسان بالمكان، وفي طبيعة الفرص التي تتيحها التنمية. لهذا تبدو ذكرى البيعة، بعد اثني عشر عاما، مناسبة للنظر إلى المسار في شموليته، لا إلى محطاته منفردة. فالمشروعات والمؤسسات ليست إلا الوجه المرئي لتحول أعمق، يوسع إمكانات المملكة في اقتصادها ومدنها وثقافتها ومجتمعها، مع الحفاظ على صلتها بتاريخها وهويتها. وما تحقق خلال هذه الأعوام أسس لمسارات جديدة يتواصل تشكلها اليوم، مسارات تتجاور فيها التنمية مع المعرفة، والثقافة مع التقنية، والإنسان مع المكان، لتتحدد ملامح المرحلة المقبلة بما يبنى اليوم بإرادة وثبات.