القوات المسلحة السعودية درع حصين لحماية قبلة المسلمين..

استهداف الحوثي لمكة المكرمة استثارة لمشاعر المسلمين وتجاوز لحرمة المقدسات.

لم يعد التصعيد الحوثي تجاه المملكة العربية السعودية مجرد فصل آخر من فصول الحرب الممتدة في اليمن، بعد أن اتجهت استهدافاته نحو منطقة مكة المكرمة، وقبلها طالت تهديدات أذرع إيرانية مسلحة المدينة المنورة. فإدخال المدينتين المقدستين في نطاق العمليات يرفع مستوى الخطر من استهداف المملكة وأمنها إلى تهديد مباشر لمقدسات المسلمين، ويمنح التصعيد دلالة تتجاوز الحسابات العسكرية والسياسية للصراع. استهداف القبلة إن توجيه السلاح نحو مكة المكرمة ليس عملًا عسكريًا عابرًا؛ فمكة قبلة المسلمين، والمساس بأمنها يعني المساس برمز ديني تتجه إليه أفئدة المسلمين في صلواتهم، ويقصده ملايينهم كل عام. ومن هذه الزاوية، لا يمكن النظر إلى التهديد باعتباره اعتداءً على المملكة وحدها، وإنما باعتباره اعتداءً يمس أمن مقدسات الأمة الإسلامية وسلامة قاصديها. ويكشف هذا السلوك في الوقت نفسه حدود الشعارات التي ترفعها الميليشيا الحوثية في خطابها السياسي. فالجماعة التي تجعل من نصرة الإسلام والدفاع عن القدس جزءًا من خطابها، تجد نفسها وهي توجه سلاحها نحو مكة، أو تسمح بأن تصبح منطقة الحرمين ضمن نطاق تهديداتها. وبين الخطاب والممارسة تتكشف حقيقة المشروع الذي يستخدم الشعارات الدينية عندما تخدم أهدافه، ويتجاهل حرمة المقدسات عندما تتعارض مع حساباته. من الحوثي إلى طهران ولا يمكن فصل القدرات العسكرية التي يمتلكها الحوثيون عن سياق الدعم الإيراني الذي مكّن الميليشيا من تطوير منظومة صاروخية وطائرات مسيّرة ذات مدى بعيد. فالخطر لم يعد محصورًا في الساحة اليمنية، وإنما أصبح يمتد إلى المدن والمنشآت الحيوية داخل المملكة، ويقترب من نطاق مكة المكرمة والمدينة المنورة. وهنا يصبح السؤال أكبر من حدود الهجوم نفسه: ما الذي يعنيه استمرار تمكين ميليشيا مسلحة من قدرات تجعلها قادرة على تهديد مدن ومناطق يقصدها ملايين المسلمين؟ لقد أثبت التصعيد أن السلاح الذي يُقدَّم تحت عناوين الصراع في اليمن يمكن أن يتحول إلى أداة لتهديد أمن المملكة، وأن استمرار تدفق الصواريخ والطائرات المسيّرة والخبرات المرتبطة بها يوسع دائرة الخطر بدل أن يحصرها. ولا يأتي التهديد الذي تعرضت له المدينة المنورة بمعزل عن هذا السياق. فقد سبق أن امتدت تهديدات أذرع إيرانية مسلحة إلى محيط المدينة، بما يضع مكة والمدينة في صورة واحدة: مقدسات ومدن ذات مكانة استثنائية أصبحت معرضة لتداعيات صراع إقليمي تستخدم فيه الميليشيات كأدوات للضغط والمواجهة. ولهذا فإن التعامل مع هذه الاعتداءات باعتبارها حوادث منفصلة يقلل من خطورتها الحقيقية. فالمسألة تتصل بنمط من استخدام القوة العابرة للحدود، وبامتلاك جماعات مسلحة قدرات لا تتناسب مع طبيعتها ولا مع حدود ساحتها الأصلية. المملكة.. حماية الحرمين في مواجهة ذلك، تقف المملكة العربية السعودية أمام مسؤولية تتجاوز حماية حدودها ومواطنيها ومنشآتها؛ فهي مسؤولة عن حماية مكة المكرمة والمدينة المنورة، وعن أمن ملايين المسلمين الذين يقصدون الحرمين الشريفين من مختلف أنحاء العالم. وقد أثبتت جاهزية القوات المسلحة السعودية ومنظومات الدفاع قدرتها على التعامل مع التهديدات الجوية وإحباطها قبل وصولها إلى أهدافها. وهذه الجاهزية لا تنفصل عن منظومة أمنية شاملة تنظر إلى حماية الحرمين باعتبارها أولوية ثابتة، لا مجال للمساومة عليها. ومن الطبيعي أن تتحرك المملكة بحزم أمام أي محاولة للمساس بأمن الحرمين أو تعريض قاصديهما للخطر. فحماية مكة والمدينة ليست قضية ظرفية تفرضها تطورات الصراع، وإنما مسؤولية راسخة تتصل بمكانة المملكة ودورها في خدمة الحرمين الشريفين. المسؤولية الإسلامية والدولية ومع ذلك، فإن حماية المقدسات لا ينبغي أن تبقى مسؤولية المملكة وحدها في مواجهة الخطر. فالدول الإسلامية معنية، قبل غيرها، بإعلان موقف واضح من أي محاولة لإدخال مكة المكرمة والمدينة المنورة في دائرة الصراع، كما أن المجتمع الدولي معني بمنع الجماعات المسلحة من امتلاك القدرات التي تمكنها من تهديد المدن والمنشآت والمناطق ذات الحساسية الدينية والإنسانية. والتعامل مع هذه المسألة لا ينبغي أن يبدأ بعد إطلاق الصاروخ أو تحليق المسيّرة، بل من مصادر القدرة التي تقف وراءهما: التمويل والتسليح ونقل الخبرات والتقنيات. فكلما اتسعت قدرة الميليشيات على امتلاك أسلحة بعيدة المدى، اتسعت معها احتمالات التصعيد، وأصبح أمن المنطقة بأكملها رهينة لجماعات لا تتحمل مسؤولية دولة ولا تلتزم بقيودها. خط أحمر إن الوصول إلى نطاق مكة المكرمة لا يغير طبيعة الصراع فحسب، وإنما يكشف إلى أي مدى يمكن أن تذهب مشاريع توظيف الميليشيات في الصراعات الإقليمية. فمكة المكرمة والمدينة المنورة ليستا ورقتين سياسيتين، ولا هدفين عسكريين، ولا مجالًا لاختبار موازين القوى. ومن هنا فإن الرسالة السعودية واضحة: أمن الحرمين الشريفين خط أحمر، وأي محاولة للمساس به ستواجه بالقدرة اللازمة لحماية المقدسات وأمن قاصديها. أما الرسالة الأوسع، فهي أن ترك الميليشيات المسلحة تتوسع في امتلاك الصواريخ والطائرات المسيّرة لن يبقي الخطر داخل حدود الصراع الذي نشأت فيه. فالسلاح الذي يتجاوز الحدود قد يصل، في لحظة ما، إلى حيث ينبغي ألا يصل أي سلاح: إلى جوار مقدسات المسلمين