أصبح العزوف عن الزواج شبه ظاهرة بدأت تتفشى في المجتمع السعودي، وبشكل ملحوظ في العقد الأخير، حيث بات الكثير من الجيل الجديد من الجنسين، الذين تتراوح أعمارهم، ما بين العشرينات ونهاية الثلاثينات، يتعثرون ويترددون كثيرا، في اتخاذ الخطوات اللازمة، للارتباط، حتى لو كانوا من الفئة المقتدرة على متطلبات الزواج، وتكوين أسرة، فقد أصبح الإقدام على الزواج أمر مقلق جدا بالنسبة لهم، وكأنه من المشاريع الشاقة على النفس، أو هدفا يتطلب تأجيله، لأنه صعب المنال، وليس بالإمكان تحقيقه هذه الأيام. بغض النظر عن حالة الأفراد الاقتصادية، وتكلفة المهور، وحفلات الزفاف الباذخة، والتي تلعب دورا كبيرا، في تردد الشباب الذكور خاصة، الراغبين في مغادرة حياة العزوبية، والشروع في تشييد عش الزوجية، وبعيدا عن التغيرات الجذرية التي حدثت في المجتمع، في السنوات الأخيرة، والتي وسعّت الساحة لتحرّك المرأة السعودية، وظهورها في الفضاء الخارجي، ودخولها سوق العمل دون موانع، إلا أن هناك عقبات أخرى، تكبر وتؤثر منذ زمن بعيد على الخطط المستقبلية للزواج، حيث جعلت الكثير من العزاب ومعهم العازبات، يقفون مكتوفي الايدي، وفي حيرة تامة، بين مشاعرهم الملحة للارتباط والاستقرار، وعدم قدرتهم على إيجاد حلول لتخطي تلك العقبات. بإلقاء النظر على صورة مقتضبة من الحقائق على أرض الواقع، من الهيئة العامة للإحصاء في تقرير التوزيع النسبي للشباب السعودي لعام 2023 (للفئة العمرية للجنسين ما دون 35 عاما) حيث أنها تُمثل ما يقارب 71% من إجمالي السكان السعوديين، وأن نسبة الذكور تبلغ 50.3%، بينما الإناث أقل بدرجة بسيطة، تصل نسبتهن الى 49.7%، وهذا يًبين أن عدد الذكور يفوق عدد الإناث، بعكس ما يعتقده الكثير من الناس. أما نسبة الذين لم يتزوجوا أبدا من اليافعين من الفئة العمرية (للجنسين من 15 الى 35 سنة): فتبلغ 65.3%، أما المتزوجين 32.3%، والمطلقين 2.2%، وهذه النسبة قليلة جدا، مقارنة بالقلق الشعبي السائد، والجدل الشائع المبالغ فيه، المنتشر في المجتمع عن حالات الطلاق. علما أنه ما يقارب 5% من الفتيات السعوديات تزوجن قبل بلوغ سن 18 عاما. وهناك نسبة 57.05% من الذكور عامة متزوجين، ويقابلهم 42.95% من الإناث. أي أن عدد الرجال السعوديين المتزوجين أكثر من عدد النساء المتزوجات، لعوامل مثل الطلاق، والترمل، والعنوسة التي أنتجتها الفجوة العمرية، بسبب زواج الشاب بشابة أصغر منه سناً، أحيانا بعقد أو اكثر. الجدير بالذكر عن حالات الطلاق، يوجد اليوم عدد كبير من المطلقات السعوديات، تصل النسبة ما يقارب 79%، مقارنة بالمطلقين الذين لا تتعدى نسبتهم عن 21%، والسبب يعود إلى أن الرجل حين ينفصل عن زوجته، لاتزال أمامه فرص عديدة للزواج مرة أخرى، فهو صاحب القرار، وعادة يرتبط بامرأة لم يسبق لها الزواج من قبل، وأحيانا تصغره بسنوات، لأن المجتمع لا يحمّله خطيئة الانفصال، حيث أن “الرجل لا يعيبه سوى جيبه”، وعدم قدرته على الإنفاق. بينما تقع تبعات الطلاق على المرأة، فهي دائما مدانة بهدم بيتها، وهذا العرف السائد، هو القيد الذي يحرم النساء المطلقات من الارتباط برجال آخرين. بالرغم من أن الاحصائيات تبدو غير مبشرة كثيرا، إلا أنه منطقياً، قد تتضاءل إشكاليات الزواج، لكلا الجنسين، لو أن القوانين أرخت قيودها، والأعراف خففت قبضتها، والمجتمع شرًع أبوابه أمام الجيل الجديد، والحكومة ذللت العقبات وقدمت محفّزات، والعائلات مهدّت الطرق لتلك الفئة العمرية، وسهلت لهم السبل لزواجهم، وبناء حياتهم بخطى راسخة. مما لا شك فيه أن بعض العادات هي العائق الأكبر للمقبلين على الزواج، وهي من صنع السعوديين أنفسهم، وتحتاج لجهود ضخمة، من قبل السلطات المخولة، لإزالتها تدريجيا، بدمج الطوائف، الدينية، والقبلية، وتعزيز التزاوج بين السعوديين بكل اطيافهم، من ذوي الانتماءات المختلفة، وتثقيف المواطنين لتخطي بعض العادات، التي تتنافى مع الشريعة الإسلامية حيث “لا فضل لعربي على عجمي، ولا عجمي على عربي، ولا لأبيض على أسود، ولا لأسود على أبيض، إلا بالتقوى، الناس من آدم، وآدم من تراب.” من الضروري، نشر ثقافة صحية عن أهمية الاختلاط، وفوائد التزاوج مع فئات المجتمع المختلفة، والتناسب فيما بينهم، لتجديد الدماء، ومكافحة الأمراض المتوارثة عبر الاجيال، وتقوية الأواصر، ولكي تتسع الدائرة، وتتعدد الخيارات للجنسين، من أجل تقليل نسبة العنوسة للجنسين، وزيادة النسل، وجمعهم تحت مظلة المواطنة بشكل حقيقي. التلاحم بين الفئات المجتمعية مشروع وطني ملح، يستحق ان تبذل الناس جهودا حثيثة لإنجاحه، بتوجيه من المشرعين القانونين في الدولة، والمرشدين الدينين والاجتماعيين. بالإمكان تعزيز ورفع وتيرة التزاوج بين السعوديين، بتقديم مكافآت مالية لمن يرتبطون بأناس من خارج الطائفة، فعلى سبيل المثال تُبعث للمتزوجين، مباركة من حاكم المنطقة ، او ربما توفير قاعات مجانية لإقامة حفل الزفاف، أو منح مصروفات الحضانة للصغار، حتى بلوغ الأطفال سن المدرسة، او أن يعطوا شهر إجازة مدفوعة مسبقا، وغيرها من الطرق المشجعة للزواجات المدمجة. بجانب ذلك هناك قنوات أخرى متاحة للتزاوج لكن شبه مغلقة، فالسعودية بلاد شاسعة، ومترامية الأطراف، والمجتمع ملون بأطيافه، ومختلط بعدة ثقافات، نتيجة لتواجد الوافدين من دول أخرى، عرب وغير عرب، فحسب الاحصائيات يبلغ عدد المقيمين (ذكور واناث، صغار، وكبار) أكثر 13 مليون نسمة، ويمثلون ما يقارب 175 جنسية، قدموا من شتى بقاع الأرض، لطلب الرزق في المملكة. وحين شملت الإحصائيات عدد الذكور غير السعوديين لتعداد السكان العام، تبين أن غالبية سكان المملكة ذكورا، ووصلت نسبتهم إلى 62.1%، بينهم 85% رجال مقيمين في السعودية، لم يسبق لهم الزواج من قبل، وأيضا 15.12% نساء مقيمات يندرجن تحت نفس الحالة الاجتماعية، وهذا يزيد من فرص الزواج للسعوديات والسعوديين، لو عولجت المسألة بعقلانية، وقُننت بشكل سليم. ذلك التجمع السكاني المتعدد الأطياف، من الأجانب المتواجد على أرض الوطن، يعتبر ثروة بشرية لا مثيل لها، حيث أنها تحتوي على جميع الطبقات الاجتماعية، ومزيج من الثقافات، والاعراق، فالأجانب يزاولون مختلف المهن، ويعملون في قطاعات مختلفة. فعلى سبيل الذكر وليس الحصر، قطاع النفط والغاز المتمثل في شركة ارامكو، يضم ما يقارب 90 جنسية، وهذه عينة بسيطة، تكشف مدى التنوع السكاني في المملكة، وفي الشركات الكبرى خاصة، بالإضافة إلى القطاعات الحكومية مثل الصحة، والصناعة، والتعليم العالي، والاتصالات، وغيرها. توجد اليوم فرص متوفرة بكثرة في السعودية للعزاب والعازبات، لخوض تجربة الزواج، بأجانب وبأقل التكاليف أيضا، والاحتمالات تصبح أوسع للشابات المطلقات، فثمة خيارات كثيرة من الفئات المختلفة من المقيمين، من ذوي حملة الشهادات الجامعية، ويعملون في مهن مرموقة، وبالإمكان أن يعمروا بيوتا، ويكّونوا أُسرا، فالعرض أكثر من الطلب، لكن الأمر ليس بتلك السهولة في المجتمع المتمسك ببعض العادات . قال تعالى في الآية الكريمة ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ ان بعض العادات بكل اشكالها، حواجز منيعة وضعتها العائلات السعودية، امام ابناءهم وبناتهم، فصارت كأنها جدران مصنوعة من الفولاذ، من الصعب اختراقها. ثمة إيجابيات عدة من الاندماج بأعراق وثقافات أخرى، أهمها تعزيز ثقافة التسامح، والأريحية، وقبول الآخر، والتخلص من النزعات القبلية، والطائفية، بالإضافة إلى ذلك، تُضخ دماء جديدة بين الناس، من أجناس أخرى، لمكافحة الأمراض الوراثية، الجسدية والنفسية. لذلك تلك القوانين في حاجة الى تعديل. من المهم إلغاء تصريح الزواج من الأجانب، للشباب والشابات، وتجنيس أبناء وبنات الأم السعودية، حالها حال الأب السعودي، والقوانين الصارمة التي تحد السعوديين، من الارتباط برفقاء الدرب، من جنسيات أخرى، بالإمكان تخفيفها، وهنا يأتي دور الجهات المختصة لتفكيك تلك القيود، والخلاص من معظمها، وايجاد حلول جذرية، لمعالجة أزمة الراغبين في الزواج، قبل أن يدق جرس الخطر، ويصبح معدل الانجاب بين السعوديين متدنيا، بينما معدل الشيخوخة يزداد، كما يحدث في دول متقدمة مثل اليابان، وألمانيا، وكوريا الجنوبية، بسبب العزوف عن الزواج. في نهاية المطاف الأجيال السعودية اليافعة، مقبلة على عالم يتطور بسرعة مريعة، ويتغير يوم بعد يوم، فالشباب خلقوا لزمان غير زمان آباءهم وأمهاتهم، وسيواجهون تحديات كثيرة ومعقدة في الحياة، والدولة تتقدم تكنلوجيا، ورقميا، وعمرانيا، وثقافيا، وتتجه بخطى حثيثة للمدنية والتطور، لتواكب العصر والعالم المتقدم، بينما العصبية، لازالت تنخر في المجتمع، وتزيد الفجوة، بين الناس، وتفاقم ازمة الزواج. من الصواب تمهيد السبل، لتكوين عائلات سعودية عصرية، متعددة الأعراق، والمذاهب والاجناس، بقوام متماسك، فالعائلة المترابطة هي اللبنة الأساسية التي يقوم عليها المجتمع الصحي، المنفتح على الثقافات الاخرى، والقادر على المنافسة وفي عالم تتصارع عليه قوى عظمى بشكل مريب، ويصعب توقع أحداثه، ففي غمار عجلة العولمة، وفي زخم الحداثة، التي تخوضها البلاد بهمة عام بعد عام، ألم يحن الوقت لتلك النوعية من الزواجات لتتماشى مع رؤية 2030؟