عصر الاقتصاد البنفسجي..

قراءة سوسيولوجية لواقع التنمية الحضرية.

مشهد بسيط: في ساعة متأخرة من مساء صيفي، بين الأزقة الضيقة في إحدى المدن العتيقة بشمال إفريقيا حيث الجدران مطلية حديثًا بلون كلسي ناصع، واللافتات الخشبية الأنيقة تتدلى فوق أبواب كانت بالأمس القريب دكاكين عطارين وحدّادين، فإذا بها اليوم مقاهٍ صغيرة تقدم القهوة المختصة، ومحلات لبيع الحرف اليدوية بالعملة الصعبة. على عتبة دار قديمة استحيلت إلى نزل تراثي تجلس سيدة سبعينية على كرسي بلاستيكي، تنظر إلى المارة من السياح وكأنها تنظر إلى مشهد لا يعنيها! حين يسألها أحدهم عن جيرانها القدامى، تجيب بنبرة محايدة: «رحلوا كلهم، باعوا ورحلوا». في تلك اللحظة، يفهم أن ما يجري ليس مجرد ترميم معماري، بل عملية أعمق وأشد التباسًا تستحق أن تساءل سوسيولوجيًا. هذا المشهد المختزل هو تعريف بسيط لما يعرف اليوم بـ «الاقتصاد البنفسجي»؛ ذلك التوجه الذي يدمج البعد الثقافي في صلب العملية الاقتصادية. فالسؤال السوسيولوجي المركزي هنا لا يقف عند حدود التقييم الاقتصادي للمشاريع، بل يمتد إلى استجواب من يملك الحق في تعريف المدينة، ومن يملك الحق في البقاء فيها. إن المدينة - كما علّمنا الفكر السوسيولوجي النقدي - ليست مجرد تجمع لمبانٍ وشوارع وبنى تحتية، بل تشكّل مادي للعلاقات الاجتماعية. المدينة نصوص حجرية/اسمنتية تحكي قصة من يهيمن ومن يهمّش؛ فالحق لسكان المدينة في إنتاج فضائها لا في مجرد استهلاكه، أي تأسيس الحياة الحضرية على قاعدة المشاركة والإبداع الجماعي، لا التسليع والإقصاء. هذا التأطير يضعنا أمام معضلة حقيقية حين نتأمل ما يفعله الاقتصاد البنفسجي في النسيج الحضري التقليدي: فهو يعد بإعادة الاعتبار للثقافة المحلية بوصفها رأسمالًا، لكنه في الآن ذاته يضع هذه الثقافة في يد قوى السوق فيعيد توزيع حقوق الانتفاع بالفضاء لصالح من يملك القدرة الشرائية على «استهلاك» الأصالة. وهنا يلوح التناقض؛ فالاقتصاد البنفسجي هو الاقتصاد الذي يسهم في التنمية المستدامة عبر تثمين الإمكانات الثقافية للسلع والخدمات، أي أن الثقافة ليست ترفًا فوقيًا يضاف إلى التنمية، بل ركيزة رابعة تقف إلى جانب الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والبيئية. لكن أيّ ثقافة؟ ولصالح من؟ حين ننتقل من التنظير إلى الميدان، يبرز التوسع الذي يضيفه الاقتصاد البنفسجي على مفهوم الاستدامة ذاته إلى ما يمكن تسميته «استدامة المعنى»: أي صون الرموز والذاكرة والحس بالمكان بوصفها موارد لا تستنزف بسهولة، لكنها قابلة للتآكل حين تهمل أو تساء إدارتها. في سياق التحليل، «بعد الروح»؛ هو ذلك العنصر الذي لا يقاس بالعدّاد البيئي ولا بمؤشر التنمية البشرية، لكنه يقرر في نهاية المطاف هل يشعر الإنسان في حيّه بأنه في بيته، أم بأنه ضيف عابر على ديكور أعدّ لغيره؟ حين تخضع الرموز الثقافية لمنطق التسليع حيث تفرغ تدريجيًا من حمولتها الاجتماعية الأصلية وتعاد تعبئتها كصور قابلة للاستهلاك، ترتفع القيمة ويستبعد من لا يستطيع الدفع. ثمة في عالمنا العربي مدن عتيقة، تعدّ من بين أعرق الحواضر الإسلامية، خضعت في العقود الأخيرة لمشاريع طموحة لإعادة التأهيل، موّلت أحيانًا بشراكات دولية ومنظمات تُعنى بصون التراث فتصبح المدينة متحفًا مفتوحًا كجسد بلا ذاكرة، تعمل حواسه لكنه لا يتذكر اسمه. ظاهر المشاريع نبيل: إنقاذ نسيج معماري مهدد بالانهيار، وتثمين حرف يدوية في طور الاندثار، وإعادة الحياة إلى دروب أنهكها الإهمال، غير أن باطنها يحمل سؤالًا مؤرقًا؛ ففي عدد من هذه المدن، تبين أن ارتفاع قيمة العقار بعد الترميم دفع الأهالي الأصليين، وهم في الغالب من ذوي الدخل المحدود، إلى البيع والرحيل نحو الأطراف، لتحلّ محلهم استخدامات سياحية ونزل وفنادق صغيرة وملكيات لمستثمرين أجانب أو لطبقة وسطى عليا. النسيج المعماري أنقذ، أما النسيج البشري فقد جرى استبداله. في هذا السياق، يجدر التفريق بين ترميم يحافظ على النسيج المجتمعي وآخر يستبعد أهله. الأول يأخذ السكان شركاء في إنتاج المعنى ويصون حقهم في البقاء عبر آليات اقتصادية مرافقة (سكن اجتماعي مدمج، حوافز للحرفيين الأصليين، ضبط لأسعار الإيجار في النسيج التاريخي). الثاني يكتفي بترميم الحجر ويتركه عرضة لمنطق السوق، فينتهي بالنتيجة المعهودة. يقودنا هذا إلى ما هو أكثر التباسًا في النقاش حول الاقتصاد البنفسجي: «الاستدامة العاطفية» للمكان. إن رفاهية الإنسان لا تقاس بالمتر المربع من المسطح الأخضر للفرد، ولا بعدد محطات النقل الجماعي قرب مسكنه فحسب، بل تقاس أيضًا بمدى شعوره بأن المدينة تعرفه ويعرفها، بأن لها ذاكرة يحتلّ هو فيها موضعًا. حين تعاد هندسة الحي بحيث تتلاشى المعالم الصغيرة التي كانت تشكل خرائط ذهنية للأهالي كالدكان الذي يعرف زبائنه بأسمائهم، المقعد الحجري عند المسجد، الشجرة التي يلتقي تحتها الجيران، فإن ما يفقد ليس عناصر جمالية، بل بنية انتماء. على أن النقاش حول الاقتصاد البنفسجي يظل ناقصًا ما لم يتم تناول الحي ليس بوصفه بنية تحتية فحسب، بل مسرحًا لحياة جماعية. هل مشروع تنمية حي حضري سيحتمل لعب الأطفال وحديث الجارات، أم سيصبح ممرًا لجر الحقائب السياحية؟ فالرأسمال الاجتماعي بلغة بيير بورديو هو مجموع الموارد الفعلية أو الكامنة المرتبطة بامتلاك شبكة دائمة من العلاقات المؤسسة على المعرفة والاعتراف المتبادلين، فلا ينتج بمرسوم ولا يشترى بميزانية، بل يتراكم عبر زمن طويل من المجاورة والتعارف والتعاضد. كذلك، حتى لا يبقى الخوف من أن تحفظ القوقعة، ويفقد المعنى، فمن الضروري التفكير - إلى جانب اقتصاد الإنتاج - في اقتصاد للحفاظ على شروط إنتاج المعنى ذاته، وهو ما لا يتحقق إلا ببقاء حاملي هذا المعنى — أي السكان — في أماكنهم. فالاقتصاد البنفسجي هو فتح إمكانات حقيقية لإعادة الاعتبار للثقافة، وللحرف، وللذاكرة، وللعلاقة الحميمة بالمكان؛ لكنه يفتح في الآن نفسه أبوابًا خلفية للإقصاء حين يترك لمنطق السوق وحده. الفارق لا تصنعه الشعارات، بل تساهم في صنعه السياسات الاقتصادية والاجتماعية المرافقة: من يمثّل في عملية التخطيط؟ كيف توزع المنافع الاقتصادية المتولدة عن المشاريع؟ ما الآليات التي تضمن بقاء النسيج البشري الأصلي شريكًا لا متفرجًا؟ هل هناك سياسة سكن تحمي الفئات الهشة من ضغط ارتفاع الأسعار في النسيج المرمم؟ فلمن تصنع هذه الروح التي يتحدث عنها الاقتصاد البنفسجي؟ إن كانت تصنع للسكان الأصليين، فلا بد أن يكونوا في قلب القرار وفي قلب المنافع، وإن كانت للزائر الأجنبي القادم بحثًا عن أصالة معدّة سلفًا، فإننا نتحدث عن صناعة استهلاكية أخرى، أكثر رهافة في مظهرها، وأكثر قسوة في أثرها! ولعل من المفيد، في هذا المقام، أن نستحضر تمييزًا اصطلاحيًا دقيقًا بين «التراث الحي» و«التراث المتحفي». الأول يحيل إلى نسيج اجتماعي ثقافي تستمر فيه الممارسات اليومية للأهالي بوصفها هي ذاتها التراث، حيث يكون المسجد مكانًا للصلاة لا موضوعًا للجولة الإرشادية، والسوق فضاءً للمقايضة الحقيقية لا واجهة للتسوق الحنيني. أما الثاني فيحول المكان إلى صورة عن نفسه، جامدًا رغم بريقه، حيث تتقن المدينة أداء دور المدينة دون أن تكونها. الاقتصاد البنفسجي، في تجلياته الأكثر التباسًا، يميل رغم نواياه المعلنة إلى الانزلاق نحو القطب الثاني، لأن السوق يفضل دائمًا ما هو قابل للتأطير والتسعير على ما هو فوار وحرّ ومتناقض. لهذا، فالمعركة السوسيولوجية الحقيقية لا تدور حول قبول الاقتصاد البنفسجي أو رفضه، بل حول الشروط التي تحفظ للتراث حياته خارج إطار العرض. هي دعوة إلى تخطيط ينظر إلى المدينة بوصفها كائنًا حيًا ذا ذاكرة، لا بوصفها مادة قابلة للتشكيل وفق آخر صيحات السياحة الثقافية. تخطيط يفهم أن الجمال الحضري لا ينفصل عن العدالة الحضرية، وأن أجمل واجهة مرممة تفقد معناها حين يكون من رمّمها قد هجّر من سكنها. فالمهمة السوسيولوجية هنا مهمة نقدية بالمعنى العميق: استجواب الخطابات واستنطاق ما تخفيه الكلمات الناعمة من إعادة ترتيب لتوازنات القوة، والإصغاء قبل كل شيء إلى أصوات أولئك الذين لا يكتب عنهم في الكتيبات الترويجية للمشاريع: الحرفي الذي لم يعد يستطيع دفع إيجار محله، الأرملة التي باعت بيت العائلة لتسكن الضواحي، الطفل الذي صار حيه القديم متحفًا يزوره ولا يلعب فيه. هؤلاء هم الميزان الحقيقي لأي تنمية حضرية تستحق اسمها. وتبقى الأسئلة مفتوحة، ولعلها ستظل كذلك طويلًا. هل يمكن لمدينة أن تتجدد دون أن تخون ذاكرتها؟ هل يمكن لاقتصاد أن يكون ثقافيًا حقًا دون أن يحول الثقافة إلى بضاعة؟ هل يمكن للروح أن تخطط، أم أنها كالطائر إذا أمسكناه قويًا مات بين أيدينا؟