استعادة اليمن .. إغلاق مصنع التهديد
ليست استعادة الدولة أن يعود اسمها إلى المباني، بل أن يعود إليها القرار الذي لا تستطيع جماعة مسلحة تعطيله، فحين تنفصل القوة عن المسؤولية، يستطيع طرف أن يختار الحرب و يترك للبلد كلفتها، و لكل صاروخ تاريخ يسبق زر الإطلاق، تاريخ من مال يشتري، و سلاح يعبر، و أرض تُدار خارج رقابة الدولة، لذلك تعني استعادة اليمن استرداد القرار الذي يمنع تحويل أرضه إلى منصة تهديد، و هنا تقع المصلحة السعودية المباشرة: أن يكون على الجانب الآخر من الحدود بلد يملك قراره، و يستطيع الوفاء بالتزاماته. و هذا الربط حاضر في بيان وزارة الخارجية اليمنية الصادر في الثامن من سبتمبر ٢٠٢٦، حين أدانت الاعتداءات الحوثية على المملكة، و دعت إلى وقف تدفق السلاح و التمويل و الخبرات العسكرية إلى الميليشيا، و إلى تمكين مؤسسات الدولة من بسط سلطتها على الأراضي و السواحل و المياه الإقليمية، و المعنى السياسي الذي أستخلصه من هذا البيان واضح: استمرار غياب سلطة الدولة يترك باب إنتاج التهديد مفتوحاً، مهما نجحت مواجهة جولة منه. لنأخذ الميناء، يراه الناس رصيفاً ترسو عنده السفن، لكنه في بناء الدولة طريق يصل بين البحر و راتب المعلم، تدخل البضاعة، تُحصّل الرسوم القانونية، تذهب الإيرادات إلى موازنة معلومة، ثم تعود إلى الناس خدمةً و أجوراً، حين تنقطع هذه الدورة، و يصبح المال تحت تصرف سلطة مسلحة خارج المؤسسات، قد يستمر الميناء في العمل بينما تبقى الدولة عاجزة عن أداء وظيفتها، تشغيل الرصيف وحده لا يكفي. لذلك، فإن السؤال الأجدى بعد استعادة أي منفذ هو: أين سيذهب أول ريال يدخل منه؟ إن انتهى إلى حسابات لا تخضع للمساءلة، بقي الخلل الذي يتيح قيام سلطة موازية، و إن دخل نظاماً عاماً عادلاً، يحفظ حقوق المحافظات و يتيح معرفة أوجه الصرف، بدأت استعادة الدولة فعلياً، السيادة يمكن أن تظهر في إيصال رسوم صحيح، و في موازنة لا يستطيع صاحب السلاح أن يمد يده إليها، و لهذا المعنى أصل في «السياسة الشرعية» لابن تيمية، إذ يصف ولاة الأموال بأنهم «أمناء و نواب و وكلاء، ليسوا ملاكاً»، فالمال العام أمانة يُسأل عنها القائم عليه، و لا يصبح غنيمةً لمن استطاع الاستيلاء عليه. ثم هناك الموظف الذي ينتظر آخر الشهر، و قد أشار البنك الدولي، في عرضه للوضع الاقتصادي في اليمن، إلى الانقسام الاقتصادي و تنافس المؤسسات، و ما يصاحبهما من ضغوط معيشية، و في تقديري، فإن انتظام راتب المعلم و الممرض يعيد للدولة حضوراً لا تصنعه الخطب، عندما يصل الحق وفق نظام معلوم، تقل حاجة الناس إلى البحث عن وسيط مسلح، أو صاحب نفوذ يمنحهم ما يفترض أن يحصلوا عليه بحقهم. لكن تحويل الراتب إلى علاج سحري سيكون خطأً، يمكن أن تعمل المدرسة، و يبقى قرار إطلاق الصاروخ خارج الدولة، و يمكن أن تُسدّد الأجور، ثم تقرر جماعة خوض مواجهة تقطع الإيراد الذي يمولها، لهذا يجب أن تسير استعادة الخدمات مع معالجة السلاح المنفلت و التمويل الخارجي و استقلال القرار العسكري، لا يستقيم أن تتحمل الدولة مسؤولية إطعام الناس، بينما يملك غيرها قرار إدخالهم في الحرب. و هنا أصل إلى ما أسميه «دولة التوقيعين»: حكومة توقع اتفاقاً لفتح التجارة، و جهة مسلحة تستطيع في اليوم التالي تعطيل مفعوله، المستثمر يسأل مَن يضمن عقده، و الناقل يسأل مَن يضمن طريقه، و الجار يسأل مَن يضمن ألا تنطلق الاعتداءات نحوه، كلما اختلفت الإجابات تراجعت قيمة التعهدات، و نجد عند ابن خلدون، في فصل «فيما يعرض في الدول من حجر السلطان و الاستبداد عليه»، وصفاً لبقاء مظاهر الملك لصاحبه مع انتقال التصرف في الجيش و المال إلى المتغلب عليه، و أستعير من هذا الوصف معنى انفصال الاسم عن القدرة، فاليمن يحتاج مؤسسات تملك تنفيذ ما تَعِد به، و قوة مسلحة خاضعة لقرارها و لقانون يحاسبها. أما البحر، فيشرح حجم القضية بكلمات يفهمها صاحب البقالة، السفينة التي تضطر إلى سلوك طريق أطول تحتاج وقوداً و وقتاً أكثر، و قد ترتفع كلفة نقل بضاعتها، و قد وثّقت إدارة معلومات الطاقة الأميركية، في فبراير ٢٠٢٤، أن هجمات البحر الأحمر دفعت سفناً إلى مسارات أطول، و رفعت تكاليف الشحن و أقساط التأمين ضد المخاطر، و هذا مثال موثّق على وصول أثر التهديد إلى التجارة، بعيداً عن مكان الاعتداء نفسه. و الدلالة هنا أن الميليشيا قد تجعل آخرين يدفعون كلفة اضطراب صنعته، دون أن تتحمل هي نصيباً مماثلاً من خسائرهم، قد يضطر صاحب المتجر إلى تأجيل توسعته، و تجميد مال إضافي في المخزون تحسباً للتأخير، بينما يعلن مطلق التهديد أنه فرض حضوره، هكذا يتحول تعطيل الطريق إلى نفوذ سياسي، و المعالجة الأعمق تسترد إدارة الساحل للدولة اليمنية، و تجعل مصالح السكان مرتبطة بازدهار التجارة و استمرارها. لليمن فرصة أن يكسب من موقعه عبر الموانئ و النقل و التخزين و الخدمات، كل نشاط من هذه الأنشطة يستطيع، إذا توافرت شروطه، أن يصنع دخلاً و عملاً و مصلحة في الأمن، و هذا هو التحول المطلوب: أن يصبح مرور السفينة خبراً جيداً لأهل الساحل، و أن تعني عودتها غداً فرصة رزق أخرى، عندها يتسع عدد الذين يخسرون من العبث بالبحر، و يملكون سبباً وطنياً للدفاع عن استقراره. و بالنسبة للسعودية، فإن دعم هذا المسار استثمار في أمن يمكن أن يستمر، المملكة تحتاج شريكاً يمنياً قادراً على ضبط منافذه و حماية أرضه و تنفيذ اتفاقاته، و كل دعم لبناء هذه القدرة ينبغي أن يقوي المؤسسات، و يصل أثره إلى الناس، و يخضع للمحاسبة، لأن الاعتماد الدائم على تمويل خارجي متقطع يترك الدولة قلقة على شهرها التالي، بينما المطلوب مساعدتها على الوقوف بمواردها و كفاءتها. و على الشركاء الدوليين إدراك أن تأمين رحلة سفينة اليوم، مع بقاء مصدر التهديد قادراً على تعطيل رحلة الغد، يترك الفاتورة تتجدد، استعادة الدولة اليمنية تمنح جهود الأمن البحري شريكاً محلياً مسؤولاً، و تربط حماية الطريق بحماية البلاد التي تطل عليه، لذلك، ينبغي أن يجتمع وقف الإمداد العسكري للميليشيا مع صون وصول الغذاء و الدواء و التجارة المشروعة إلى اليمنيين؛ حتى تضيق قدرة المعتدي، و تتسع قدرة المجتمع على الحياة. و المقياس الذي أقترحه للنجاح بسيط: هل صار التاجر يعرف الرسوم المعلنة دون جبايات إضافية؟ هل يستطيع الموظف المطالبة بحقه أمام مؤسسة؟ هل يصل الإيراد إلى الخدمة؟ هل تخضع القوة المسلحة لقرار وطني مسؤول؟ و هل تستطيع الدولة منع استخدام أرضها ضد جيرانها؟ هذه الأسئلة تجعل عبارة «استعادة اليمن» قابلة للقياس، و تمنع الاكتفاء بمشهد احتفال تعود بعده المشكلات إلى مواقعها القديمة، و الإجابة عنها تحتاج رقابة مستقلة تراجع الحسابات و نتائج الخدمات و وقائع الانتهاكات، و تنشر ما يمكن نشره من نتائجها، حتى يكون الحكم على الأداء مستنداً إلى ما يمكن التحقق منه، لا إلى شهادة الجهة لنفسها. إن اكتمال هزيمة المشروع الحوثي يقتضي حرمانه من إعادة بناء سلطة فوق الدولة، تستطيع جمع المال و امتلاك السلاح و تقرير الحرب، هذا هو إغلاق مصنع التهديد، أمن السعودية يستحق نهاية لهذا الابتزاز، و اليمن يستحق أن يعود وطناً لأهله، يختارون مستقبله عبر مؤسساته، فالغاية أن يصبح للدولة اليمنية القرار الذي يمنع الصاروخ، قبل أن تضطر السعودية إلى إسقاطه. خط أخضر: توقيع واحد للدولة يكتمل به معنى استعادة اليمن، فتذهب إيراداته إلى حياة شعبه، و يعود قرار الحرب إلى مؤسساته وحدها. و أمن السعودية يقتضي إغلاق مصنع التهديد، حتى يفقد الحوثي القدرة على بيع الهدوء بالتقسيط.