فقاعة صابون

أصبح بعض التنظير المعرفي أقرب إلى حشوٍ أنيق تُنتقى له المفردات بعناية وتُضاء له المنصات ثم لا يترك في عقل المتلقي فكرةً تستحق أن تبقى. نخبوية مصطنعة تنظر إلى الاسم قبل الإبداع وإلى الوجه قبل الفكرة وكأن المعرفة تحولت من قيمةٍ تصنع الوعي إلى مشهدٍ يبحث عن التصفيق. المشكلة ليست في حضور الأسماء ولا في صناعة النجومية المعرفية فلكل مبدع مكانته وإنما حين يصبح الاسم هو المعيار ويأتي المحتوى لاحقًا لاستكمال الصورة عندها تصبح بعض المفردات على فخامتها خاويةً على عروشها كثيرٌ من التنظير وقليلٌ من المعنى. المعرفة الحقيقية لا تحتاج إلى مؤثرات إخراجية حتى تُقنعنا بقيمتها ولا إلى هالةٍ من الضوء حتى تمنح صاحبها وزنًا. الفكرة الجيدة تصل لأنها جيدة والنص العميق يفرض حضوره ولو خرج من آخر الصفوف والمبدع الحقيقي لا يحتاج إلى بطاقة عبور تحمل اسمًا مشهورًا كي يُسمع صوته. أما حين نختار الوجوه ثم نبحث لها عن الأفكار ونمنح الأسماء مساحةً أكبر من إبداعها كما هو حال بعض الكراسي حين يكبر حولها التصفيق ويصغر فيها المعنى حتى يبدو التكليف وكأنه وجاهة وتتحول الأمانة إلى مشهد من الإطراء المصطنع فإننا لا نصنع مشهدًا معرفيًا بقدر ما نصنع برستيجًا معرفيًا جميل الصورة خاوي المضمون. بعض ما نراه اليوم يشبه فقاعة الصابون تكبر أمام الضوء وتتلوّن بأجمل الألوان وتجذب الأنظار إليها لكن يكفي أن تلامسها الحقيقة حتى نكتشف أن كل ذلك الحجم لم يكن في داخله شيء. المعرفة ليست في حجم الفقاعة بل فيما يبقى بعد أن تنفجر.