في محاكمة الآخر.

ماذا لو كانت هناك أمراض تتسبب في عدوى صامتة، وتتحول أعراضها، مع الوقت وكثرة انتشارها، إلى شيء اعتيادي، حتى يظن المرء أنها حالة طبيعية؟ ومتى يمكننا، أصلًا، وصف حالة مجتمعية معينة بأنها حالة مرضية؟ ومن يستطيع إعطاء حكم كهذا؟ من هم داخل الحالة أم من هم خارجها؟ وهل تصبح المواقف دلائل وقرائن كافية للحكم؟ أم علينا البحث؟ أم نسأل المحكوم عليهم أنفسهم؟ ثم يأتي السؤال الأصعب: هل الإنسان محكوم بالحكم، شاء أم أبى؟ أم أن هناك فعلًا منطقة حياد يستطيع الوقوف فيها متفرجًا، ينأى بنفسه عن ادعاء المعرفة الكاملة، فلا يحوّل ملاحظته لسلوك أو كلمة أو موقف بعينه إلى حكم على شخص أو مجموعة من الأشخاص؟ ربما كان ذلك ممكنًا، وربما أصبح أكثر صعوبة كلما تزايدت أبواب الحكم يومًا بعد يوم. يشهد عصرنا الحالي انتشارًا هائلًا للمعرفة في صورها الناقصة وغير المتخصصة، إلى جانب علوم زائفة، بل وحتى علوم مكتملة تُنتزع أحيانًا من سياقاتها وحدودها، ثم تُستخدم لاختزال تجربة إنسان كاملة. فيتحول الإنسان من صاحب تجربة يملك حق وصفها وروايتها، إلى موضوع للتشخيص والتفسير، وتصبح كل كلمة يقولها، وكل حركة يقوم بها، وكل موقف يتخذه مادة قابلة للتأويل. وكلما اتسعت أبواب المعرفة على هذا النحو، ضاقت مساحة الإنسان. أصبح الحكم من أبسط الحقوق التي يمنحها المرء لنفسه، ومن أكثرها ممارسة وانتشارًا. ولم يعد التعبير عن الرأي يتبع بالضرورة مبادئ واضحة، بل أصبح في أحيان كثيرة محاولة تطبيقية لمعلومة ناقصة قُرئت هنا أو هناك: صفحة تقول إن من صفات برجٍ ما الغدر، فيصبح صاحبه غدارًا. معلومة عابرة تقول إن تحريك النظر باتجاه معين دليل على الكذب، فتصبح حركة عين قرينة إدانة. وقد يصبح شخص ما خارجًا عن المألوف لمجرد أنه أتى بفعل لا يشبه تلك المثالية الزائفة التي صنعها آخرون ثم اتخذوها معيارًا لقياس البشر. وقد أصبح هذا كله طاعون العصر. ليس لأن الإنسان لم يحكم على الإنسان من قبل، بل لأن أبواب الحكم اتسعت، وأدواته تكاثرت، وأصبح إصدار الأحكام أكثر سهولة، أحيانًا دون أدنى إحساس بالمسؤولية تجاه الكلمة أو الفكرة، أو تجاه ما قد يترتب على محاولة التدخل في حياة الآخرين وتفسيرها نيابة عنهم. ولم تعد هذه الممارسات حكرًا على الشخصيات العامة، بل أصبحت ممارسة متاحة ومباحة تجاه الآخر في حياتنا اليومية، وكأنها وظيفة إضافية يستمد الإنسان شيئًا من قيمته منها ويتغذى عليها: أن يحكم على الآخر، وأن يصنفه، وأن يضعه داخل إطار محدد يستطيع من خلاله تفسيره. وقد يصف هذا الحكم، حقيقةً، موقفًا قام به الإنسان، وقد يصيب بدقة في تفسير كلمة قالها. لكن هل يمنحنا ذلك الحق في اختزاله كله في موقف واحد؟ متى ننتقل من الحكم على فعل الإنسان إلى الحكم على ماهيته؟ هناك فرق بين أن نقول إن شخصًا تصرف بعصبية في موقف ما، وبين أن نقول إنه شخص عصبي. ففي الأولى حكمنا على فعل وقع أمامنا، أما في الثانية فقد تجاوزنا الفعل إلى صاحبه، وحوّلنا موقفًا محدودًا إلى صفة نعرّف بها إنسانًا كاملًا. لكن الأمر قد لا يتوقف هنا. فما إن نحكم على الآخر بأنه «عصبي»، حتى نبدأ في معاملته على أنه عصبي، ثم تفسير أفعاله اللاحقة وفق الحكم السابق نفسه. يصبح ارتفاع صوته دليلًا، ويصبح اعتراضه دليلًا، وربما يصبح دفاعه عن نفسه دليلًا آخر. وهكذا يجد الإنسان نفسه أمام حكم نهائي يكاد يكون غير قابل للطعن، محاصرًا بالأدلة والقرائن التي جُمعت بعد صدور الحكم، لا قبله. وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: هل انتقلنا من الحكم إلى التحكم؟ فالتحكم لا يعني بالضرورة أن نفرض على الآخر ما يفعل بصورة مباشرة. قد يبدأ في اللحظة التي نمنح فيها أنفسنا سلطة تفسيره: أن نخبره من يكون، ولماذا فعل ما فعل، وما الذي قصده، ثم نتعامل معه وفق هذه المعرفة التي صنعناها عنه، حتى لو كانت روايته عن نفسه مختلفة. وهنا لا تعود المشكلة في المعرفة ذاتها، بل في اللحظة التي تتحول فيها المعرفة إلى سلطة. فهل أصبح الحكم على الآخر مقبولًا أخلاقيًا لمجرد أننا نملك قرائن عليه؟ وهل تكفي الملاحظة لكي تمنحنا حق المعرفة؟ وأين تنتهي حرية الإنسان في تكوين رأيه، وتبدأ حرية الآخر في ألا يُختزل داخل ذلك الرأي؟ ربما لا يستطيع الإنسان أن يعيش دون أن يحكم. فنحن نلاحظ ونقارن ونستنتج، ونكوّن انطباعاتنا عن الآخرين باستمرار. لكن إن كان الحكم أمرًا لا يمكن التخلص منه تمامًا، فربما لا يكون السؤال: كيف نتوقف عن الحكم؟ بل: أين يجب أن يتوقف حكمنا؟ *كاتبة وعضو في جمعية الفلسفة السعودية .