خط البلدة
هناك ذكريات لا تغيب عن ذاكرة أبناء جيل السبعينيات وما قبله، بل وحتى من عاشوا بدايات الألفية، ومن بينها “باص خط البلدة” الذي كان وسيلة النقل اليومية بين أحياء المدينة. كانت تلك الحافلات، التي اشتهرت بألوانها الزاهية، تتسع لنحو أربعة وعشرين راكباً، ومع ذلك كانت تحمل في كثير من الأحيان أضعاف هذا العدد، حتى أصبح الوقوف على الأبواب والتشبث بها جزءاً من رحلة الوصول، في مشهد كان مألوفاً آنذاك رغم الزحام والحر وضيق المكان. وكان لكل باص معاون يجلس قرب الباب، يتولى تحصيل أجرة الركاب التي لم تكن تتجاوز بضع ريالات، فيما كُتبت على الزجاج الخلفي أسماء الأحياء التي يمر بها، وإلى جوارها رقم خاص بالحافلة. وأذكر أن أحد زملاء العمل رأى الرقم (10) مكتوباً على مؤخرة أحد الباصات، فظن أنه قيمة أجرة الراكب الواحد، ثم بدأ يحسب الأرباح التي سيجنيها صاحب الباص، وانتهى إلى قرار طريف، إذ قال إنه سيترك الوظيفة ويشتري باصاً لأنه - في نظره - أكثر ربحاً. ولم يكن يعلم أن الرقم ليس سوى رقم تسلسلي للحافلة، يختلف من باص إلى آخر. كلما تذكرت تلك الأيام، ثم نظرت إلى ما نعيشه اليوم من وسائل نقل حديثة، كالمترو والحافلات المتطورة، أدركت حجم التحول الذي شهدته بلادنا خلال سنوات قليلة. فما كان يوما غاية ما نتطلع إليه أصبح اليوم مجرد ذكرى، وحلّت مكانه وسائل ربما لم تخطر على بال كثير ممن قادوا تلك الحافلات أو استقلوها. وهنا يأخذني الخيال إلى معنى أوسع. فالإنسان في كل عصر يظن أن ما وصل إليه هو ذروة التطور، ثم تمضي السنوات ليكتشف أن هناك ما هو أعظم وأرقى. وإذا كان هذا حال الدنيا، بكل ما شهدته وتشهده من قفزات هائلة، فكيف بما أعده الله لعباده في الجنة؟ لقد أخبرنا النبي - صلى الله عليه وسلم - أن فيها: “ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر”. فما نعجز اليوم عن تخيله من نعيم الآخرة أعظم بكثير مما عجز بالأمس أصحاب “خط البلدة” عن تخيل ما نعيشه اليوم من تطور ورفاهية. وتلك مقارنة تذكرنا بأن أعظم رحلة لا تزال تنتظرنا، وأن أجمل محطة ليست في الدنيا، بل في الآخرة.