من خلال نوافذنا الداخلية.

نحن نظن أننا نرى الحياة كما هي، لكننا في كثير من الأحيان نراها كما نحن. لو وقف شخصان أمام النافذة نفسها، فليس بالضرورة أن يريا الصورة ذاتها. وفي كل موقف أو حدث نسمعه من شخصين، سنلاحظ أن كليهما قد يروي قصة مختلفة للشيء نفسه، وربما كان كلاهما صادقًا؛ لأن كل واحد منهما رأى المشهد من نافذته الداخلية الخاصة. قبل أيام، شاهدت تغريدة على منصة «إكس» لشخص معروف في الوسط الثقافي، كتب فيها ما معناه أنه لم يعد له خلق لشيء. لفتني بعدها كم الردود التي جاءت على التغريدة، وكيف اختلفت قراءات الناس لها. أحدهم فهمها بوصفها فقدانًا للشغف، وآخر قرأها باعتبارها حالة من اللامبالاة، وثالث أخذها على أنها علامة إيجابية على بلوغ مرحلة من التحرر، بينما رآها آخرون أمرًا سلبيًا يحتاج إلى التغيير. التغريدة لم تكن طويلة، ولم تتضمن تفاصيل كافية عن حال صاحبها أو ما يقصده تحديدًا. ومع ذلك، ملأ كل قارئ الفراغ بطريقته، وأسقط على الكلمات معنى ينسجم مع طريقته في النظر. توقفت عند المشهد، وشعرت أنه يختصر فكرة كانت تدور في رأسي منذ مدة: كل إنسان يفسر ما حوله من خلال نظرته الخاصة. لكن كيف تتشكل هذه النظرة؟ يولد الإنسان بلا معرفة سابقة بالحياة، ثم تبدأ الأيام في الكتابة عليه. الأسرة، والحب، والألم، والفقد، والنجاح، والخوف، والمجتمع، وما نتلقاه من الآخرين، كلها تترك شيئًا منها فينا. ومع كل تجربة تتكون طبقة جديدة في الطريقة التي نفهم بها العالم من حولنا. الحياة مساحة للتجربة؛ فيها الانتصارات والانهزامات، والرضا والخيبة، والرغبات والمسؤوليات، والاقتراب والابتعاد. نقسو عليها أحيانًا ونلين لها أحيانًا أخرى. تبدو لنا صادقة في موقف، وخادعة في موقف آخر. لكن ما الذي يجعل التجربة الواحدة تترك أثرًا مختلفًا في شخصين؟ لماذا يخاف طفل من النوم بعيدًا عن أمه، بينما يستطيع طفل آخر أن يفعل ذلك بسهولة؟ ولماذا يمر شخصان بالتجربة نفسها، فيخرج أحدهما منها أكثر خوفًا من الحياة، بينما يخرج الآخر أكثر قدرة على مواجهتها؟ ما الذي يحدد ردود أفعالنا تجاه ما يحدث لنا؟ هل هو مقدار وعينا؟ أم أفكارنا؟ أم شيء أعمق يتعلق بطبيعتنا وما نشأنا عليه؟ فالألم قد يجعل الحياة تبدو أكثر قسوة مما هي، والحب قد يجعلها أجمل مما اعتدنا أن نراها. والخوف يضيّق مجال رؤيتنا، بينما يمنحنا الأمان مساحة أوسع للنظر. وقد تتغير نظرتنا إلى الحياة كلما تغيرنا نحن. أشياء كنا نخاف منها في وقت ما قد لا تعود تخيفنا بالطريقة نفسها، وأشياء كنا نظن أنها تمنحنا الأمان قد نفهمها لاحقًا بصورة مختلفة، لا لأن الحياة أصبحت شيئًا آخر، وإنما لأننا أصبحنا أشخاصًا آخرين. وهنا تكمن المفارقة: نحن نعتقد أننا نتعامل مع الحياة، بينما نتعامل في كثير من الأحيان مع الصورة التي كوّنّاها عنها. قد يرى المتشائم العالم من نافذة يغلب عليها السواد، فيلتقط من المشهد ما يؤكد مخاوفه، بينما يرى شخص آخر المشهد نفسه ويلتقط منه شيئًا مختلفًا. وليس أحدهما بالضرورة يرى الحياة كاملة؛ كل واحد منهما يرى جانبًا منها، ثم قد يظنه الصورة كلها. وربما لا تكمن المشكلة في أن نرى الحياة من نوافذ مختلفة؛ فهذا جزء من طبيعتنا، وإنما في أن ننسى أننا ننظر من نافذة. حينها قد نخلط بين ما نراه وبين ما هو موجود فعلًا، وبين تجربتنا الخاصة والصورة الكاملة. ولهذا توقفت، في السنوات الأخيرة، عن الحكم السريع على كثير من المواقف والأشخاص. ليس لأنني أصبحت أملك الإجابات، بل لأنني أدركت أنني لا أملك نافذة الآخر. لا أعرف تمامًا ما الذي مر به، ولا ما الذي يشعر به، ولا بأي ذاكرة ينظر إلى الموقف. الإنسان بطبيعته مختلف في رؤيته للأشياء. وما يبدو واضحًا من نافذتنا قد يبدو مختلفًا تمامًا من نافذة أخرى. وحين نصل إلى درجة من الوعي، ندرك أن ما نراه ليس بالضرورة كل الحقيقة، وأن هناك دائمًا جانبًا آخر من الصورة لا نراه. وقد لا تتغير الحياة من حولنا، لكن نظرتنا إليها تتغير حين يتغير شيء في داخلنا. فالنافذة نفسها قد تبقى في مكانها، والمشهد خلفها كما هو، لكننا نحن الذين نتغير، فتتغير الأشياء التي نراها فيه. وفي النهاية، قد لا تكون الحكمة في أن نبحث عن نافذة نرى منها الحياة كما هي، فهذا أمر لا نملكه تمامًا، وإنما أن نتذكر، كلما وثقنا كثيرًا بما نراه، أن ما أمامنا صورة التقطتها نافذتنا نحن.