قبل أن تلوم جمعيتك.. أين كان صوتك؟

كتبت هذا المقال بعد أحاديث متكررة مع أعضاء في جمعيات مهنية وثقافية متعددة. كان الشعور واحدًا تقريبًا: الجمعية لا تحقق طموحاتنا، ولا تعبّر عن احتياجاتنا، ومجلس الإدارة يتخذ القرارات وحده. كنت أسأل: متى حضرت آخر اجتماع للجمعية العمومية؟ هل ناقشت تقرير مجلس الإدارة أو الخطة السنوية؟ هل قرأت القوائم المالية؟ هل اعترضت على قرار أو طلبت توضيحه؟ وهل اجتمعت يومًا مع بقية الأعضاء للمطالبة بعقد جمعية عمومية غير عادية؟ كانت الإجابات في الغالب: لا. ثم تأتي العبارة المعتادة: لا جدوى. هنا تبدأ المشكلة. فالجمعية لا تتغير من مقاعد المتفرجين، ولا تُصلح بالانتظار. حين يتخلف العضو الفاعل عن الانضمام للجمعية العمومية ثم يغيب عضو الجمعية العمومية عن الحضور والسؤال والتصويت والمتابعة، فإنه لا يترك فراغًا محايدًا، وإنما يترك القرارات والخطط تُصنع من دون صوته، ويضعف الرقابة على من يدير الجمعية. ومن أكثر التصورات خطأً أن رئيس مجلس الإدارة هو السلطة العليا، وأن دور الأعضاء ينتهي بعد انتخاب المجلس. نظاميًا، الجمعية العمومية هي أعلى سلطة في الجمعية، وقراراتها ملزمة لأعضائها ولبقية أجهزتها. وبعبارة مبسطة: الجمعية العمومية هي الأصيل، ومجلس الإدارة وكيل منتخب لإدارة شؤونها في حدود صلاحياته. الرئيس ليس مالكًا للجمعية، والمجلس ليس بديلًا عن أعضائها، وقواعد الحوكمة تمنع انفراد أي شخص بالسلطة المطلقة في اتخاذ قراراتها. مهمة المجلس أن يعتمد السياسات والخطط، ويتابع تنفيذها، ويراقب الجهاز التنفيذي، ويحافظ على أموال الجمعية ومصالحها، وينفذ قرارات الجمعية العمومية. أما الإدارة التنفيذية فتدير العمل اليومي. وحين تختلط هذه الأدوار، أو ينسحب الأعضاء من الرقابة، يختل التوازن الذي تقوم عليه الحوكمة. ولا يحتاج العضو إلى انتظار من يشرح له حقوقه. يستطيع الرجوع إلى اللائحة الأساسية لجمعيته لمعرفة فئات العضوية وحقوقها، وصلاحيات الجمعية العمومية، واختصاصات مجلس الإدارة، وآليات الاعتراض والتصويت. كما يستطيع الاطلاع على نظام الجمعيات والمؤسسات الأهلية، ولائحته التنفيذية، وقواعد الحوكمة، والدليل الاسترشادي للائحة الأساسية، وجميعها متاحة في موقع المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي. كما تقضي اللائحة التنفيذية باتخاذ إجراءات نشر اللائحة الأساسية للجمعية على موقع المركز. ومن المهم تصحيح مصطلح شائع: العضو العادي ليس فئة خارج الجمعية العمومية، وإنما هو إحدى الفئات ذات العلاقة. فللعضو العادي، كحد أدنى، حق الحضور والتصويت، وتلقي المعلومات الأساسية عن نشاطات الجمعية، والاطلاع على المستندات المالية في مقرها. وله أن يراجع مقر الجمعية لممارسة هذا الحق، فلا يجوز التعامل مع وثائق الجمعية المالية وكأنها شأن خاص بالمجلس. أما الاطلاع على محاضر الاجتماعات وغيرها من الوثائق، فيرجع نطاقه إلى اللائحة الأساسية المعتمدة لكل جمعية. فإذا نصت لائحة الجمعية على حق العضو في الاطلاع على المحاضر والمستندات، أصبح ذلك حقًا ملزمًا، لا منحة يقدمها رئيس المجلس متى شاء. لهذا يجب على العضو أن يقرأ لائحة جمعيته نفسها. والجمعية العمومية لا تجتمع للتصفيق لتقرير جاهز. فهي تناقش أداء المجلس، وتراجع الحسابات والتقارير المالية، وتقر الموازنة، وتنظر في إبراء الذمة والخطط المعروضة عليها وفق لائحتها الأساسية. واعتماد القوائم المالية أو إبراء الذمة ليس إجراءً شكليًا يمر في نهاية الاجتماع؛ بل قرار يجب أن يسبقه اطلاع وفهم ومناقشة. ويملك الأعضاء، بالتضامن مع 25% ممن لهم حق حضور الجمعية العمومية، طلب عقد اجتماع غير عادي. وهذه أداة مؤسسية مؤثرة لمناقشة الاعتراضات والقرارات الكبرى، بدل الاكتفاء بالشكوى خارج قاعة الجمعية. ويصل دورها الى اسقاط عضوية احد اعضاء مجلس الإدارة ورئيسها وانتخاب اعضاء بدلاء. لكن المسؤولية تبدأ قبل ذلك، عند صندوق الانتخاب. من يصوّت بدافع المجاملة أو الشهرة أو العلاقة الشخصية، ثم يكتشف أن المجلس يفتقد البرنامج أو الكفاءة أو الوقت، يتحمل جزءًا من نتيجة اختياره. التصويت تفويض، ومن يمنح التفويض مسؤول عن حسن اختياره. لذلك اسأل المرشح عن خبرته، وبرنامجه، وفهمه للقطاع، ووقته، وتعارض مصالحه، وأولوياته، وكيف سيقيس الأداء. وبعد الانتخاب، اقرأ التقارير، وناقش الخطة والموازنة، واسأل عن مؤشرات الأداء، واطلب الإيضاحات، وسجّل اعتراضك، وصوّت بوعي. الجمعية القوية لا يصنعها مجلس قوي وحده، وإنما جمعية عمومية حاضرة وواعية. العضوية ليست بطاقة، والتصويت ليس مجاملة، والحضور ليس إجراءً شكليًا، والسؤال ليس إزعاجًا، والمحاسبة ليست خصومة. قبل أن تقول: الجمعية لم تقدم لي شيئًا، اسأل نفسك: متى حضرت؟ ماذا ناقشت؟ لمن منحت صوتك؟ هل قرأت التقارير واللائحة الأساسية؟ وهل استخدمت حقوقك النظامية؟ لا تنتظر من جمعيتك أن تحقق طموحاتك وأنت غائب عن قاعتها. شارك، اسأل، صوّت، راقب، وحاسب. فالجمعية التي لا يشارك أعضاؤها في صناعة قراراتها، لا يُستغرب أن يشعروا لاحقًا بأن هذه القرارات لا تمثلهم. *رئيس مجلس إدارة جمعية النشر