جماليات الذكاء الاصطناعي والإبداع.

نعيش زمن تقني جديد، زمن الذكاء الاصطناعي الذي يتطور وينتشر في مناحي الحياة، من الصحة والتعليم الى جودة الحياة والفن والرياضة والترفيه وقطاعات أخرى. الذكاء الاصطناعي Artificial Intellegince ويرمز له AI أحد تعريفاته “مجموعة من التقنيات تعمل مع بعضها البعض من أجل محاكاة الذكاء البشري”، تستخدم هذه التقنيات لتمكين الآلات من الفهم والتصرف بمستويات تشبه الذكاء الإنساني. يهدف الذكاء الاصطناعي الى تطوير أنظمة يمكنها تحليل مجموعات كبيرة من البيانات أو ما يعرف بـ البيانات الضخمةBig Data واتخاذ القرارات ليكون لديها القدرة على حل المشكلات بكفاءة في كافة المجالات. يستخدم الذكاء الاصطناعي مجموعة من الأدوات التي تعمل بالذكاء الاصطناعي مثل ChatGPT و Gemini وغيرهما وهذه الأدوات لديها القدرة على تحفيز الابداع والابتكار للكتاب والفنانين والباحثين والمصممين والموسيقيين يتجاوز حدود الخيال البشري. في تقديري ومن خلال متابعة تطور استخدام الذكاء الاصطناعي خلال السنوات الماضية فإن جماليات الذكاء الاصطناعي والابداع تتمثل في أنه يمثل تحولا في مفهوم الجمال والابداع معا، وليس مجرد تحول تقني، لان الذكاء الاصطناعي لا يضيف أداة جديدة الى أدوات الكاتب او الباحث او الفنان الرسام أو الموسيقي أو المصور فحسب، بل يعيد طرح سؤال قديم جدا هو من اين يأتي الابداع؟ ومن هو المبدع؟! في الفن التقليدي كان جزء كبير من قيمة العمل مرتبطا بمهارة صاحبه في الكتابة والبحث والرسم والموسيقى او التصوير، اما في عصر الذكاء الاصطناعي، فقد تصبح الفكرة والرؤية والاختيار والقدرة على التوجيه أكثر أهمية من المهارة والتقنية وحدها. فقد يستطيع الذكاء الاصطناعي أن ينتج ألف صورة، لكن السؤال الجمالي الحقيقي ليس عن إنتاج الصورة، بل لماذا اختار المبدع هذه الصورة من بين بقية الصور، وما هي الرؤية التي جعلته يرفض بقية الصور ويحتفظ بصورة واحدة؟ وهنا ينتقل مركز الابداع من الصناعة وحدها الى الوعي والاختيار. أتوقع أن يتكامل الإبداع الإنساني مع الذكاء الاصطناعي وأدواته، وفي المرحلة القادمة سيكون الإبداع المشترك، لأن الإنسان لديه الذاكرة والتجربة والعاطفة والحدس والاسئلة الوجودية، بينما يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يوفر سرعة هائلة في توليد الأفكار والصور والمقارنة والتجريب، وإعادة الصياغة. وتتمثل العلاقة الجديدة في أن الإنسان يصنع الرؤية، والذكاء الاصطناعي يوسع الاحتمالات، والانسان ينتقي ويعدل، والآلة تعيد التوليد، والانسان يمنح العمل معناه النهائي، وهذه العملية نفسها قد تصبح جزءا من جماليات العمل. قد يقول قائل، ربما الآلة تقلل من قيمة الانسان، لكني أعتقد أن الآلة تجعل الانسان أكثر أهمية، لأنه كلما أصبحت الآلة قادرة على إنتاج النصوص والصور والموسيقى بسهولة، أصبحت الأشياء التي يصعب اختزالها في الإنتاج الآلي أكثر قيمة. ومن جماليات الإبداع مع الذكاء الاصطناعي هو جمالية الوفرة. كان الإبداع في الماضي محدودا يحدده الوقت والمهارة والأدوات، أما الآن فقد أصبح بإمكان المبدع أن يجرب عشرات الأفكار في دقائق، وهنا تظهر وتبرز جماليات توفر الأفكار والصور. وتبرز الاسئلة الهامة ماذا أنتج؟ ولماذا؟ وما الذي يستحق أن يبقى؟ ويترتب عليها ذوق ورؤية والحس النقدي للكاتب أو الفنان أو الباحث. إن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة تنفيذ، بل يمكن أن يصبح شريكا في الاكتشاف الإبداعي. وكلما زادت مشاركته في الابداع ازدادت مسؤولية الإنسان عن معنى الابداع. والسؤال الجوهري هل الذكاء الاصطناعي يقتل الإبداع الإنساني، أم أنه يدفعنا لأول مرة إلى اكتشاف أن جوهر الإبداع لم يكن في المهارة أصلا، بل في الرؤية؟!. وعلى القلقين والمتباكين على الذكاء الاصطناعي، وأخلاقيات العمل الإبداعي أن يدركوا أن كل تقنية جديدة تترتب عليها حوكمة ويطور لها أخلاقيات وقواعد. كما أن المبدع الحقيقي في عصر الذكاء الاصطناعي ليس من ينافس الآلة في سرعة الإنتاج، بل من يعرف متى يستخدمها وماذا يطلب منها، وماذا يرفض، وماذا يضيف من إنسانيته إلى ما ينتجه من إبداع .