قراءة في فيلم«الكيت كات»..

الذين يضحكون كي لا ينكسروا.

ليس كل ضحك دليل فرح. ثمة ضحك يشبه الضماد؛ لا يشفي الجرح، لكنه يجعل صاحبه قادرًا على أن يكمل يومه. وثمة أناس لا يسخرون من الحياة لأنها خفيفة، بل لأنها أثقل من أن تُحمل بوجه عابس طوال الوقت. وأحسب أن الشيخ حسني كان واحدًا من هؤلاء. أقول الشيخ حسني، فتقفز إلى الذاكرة صورة محمود عبد العزيز بنظارته السوداء، وضحكته التي لا تعرف إن كانت تسخر من الآخرين أم منه أم من الحياة كلها. وأقول «الكيت كات»، فأعرف أنني أعود بكم إلى فيلم عُرض قبل أكثر من ثلاثة عقود. لكن لا بأس؛ فقد قلت، حين قدمت لهذه الزاوية في عدد سابق من «اليمامة»، إن رحلتنا لن تفرق كثيرًا بين فيلم قديم وآخر حديث، ولا بين عربي وأجنبي، ولا بين مشهور وفيلم مر به الناس سريعًا. معيارنا أبسط من ذلك كله: أن تكون هناك حكاية تستحق أن تُقرأ، لا أن تُشاهد فقط. و«الكيت كات» من تلك الحكايات. الفيلم الذي أخرجه داود عبد السيد عام 1991، مستلهمًا عالم رواية «مالك الحزين» لإبراهيم أصلان، يبدو للوهلة الأولى حكاية رجل كفيف يعيش في حي شعبي مصري. لكنه تركني أمام سؤال آخر: من الأعمى حقًا؟ الشيخ حسني الذي فقد بصره؟ أم أولئك المبصرون من حوله الذين لا يرون لحياتهم مخرجًا؟ الشيخ حسني أعمى، نعم. لكن الفيلم لا يطلب منا أن نشفق عليه، وأظن أن هذه واحدة من أجمل فضائله. فهو ليس ذلك الكفيف الطيب الذي جاء إلى الشاشة ليعلمنا الصبر والتفاؤل، وليس حكيمًا يتخفى خلف نظارة سوداء. إنه إنسان. له أخطاؤه ونزواته ووسائل هروبه؛ يكذب أحيانًا، ويتدخل فيما لا يعنيه، ويغضب، ويشتهي، ويورط نفسه والآخرين. ولهذا نحبه؛ لأن الفيلم لم يحوله إلى موعظة. حتى العمى يرفض الشيخ حسني أن يسمح له بأن يصبح هويته كلها. يتصرف أحيانًا كما لو أنه يرى، ويتحدى الحدود التي يرسمها الآخرون حوله، حتى نصل إلى المشهد الذي يكاد يكون أشهر من الفيلم نفسه: رجل أعمى يقود دراجة نارية. ضحكت حين شاهدته. ثم فكرت: ما المضحك فعلًا؟ رجل لا يرى يقود دراجة في شارع، والناس حوله مذعورون. المشهد عبثي بلا شك، لكنه موجع أيضًا. فالشيخ حسني لا يقود لأنه استعاد بصره، وإنما لأنه يريد، ولو لدقائق، أن يتصرف كما لو أن العمى لا يملك حق تقرير ما يستطيع وما لا يستطيع. كأنه يقول للحياة: حسنًا، أخذتِ عينيَّ... فهل تريدين البقية أيضًا؟ وهنا تغير معنى الدراجة عندي. لم تعد وسيلة نقل. صارت لحظة حرية، حتى لو كانت حرية مجنونة. وثمة ما يكشف جانبًا آخر من عناده حين يتصرف في البيت من وراء أسرته. ليس الفعل بطولة بالطبع، ولا يحاول الفيلم تبريره؛ لكنه يكشف رجلًا يريد أن يظل صاحب قراره، حتى حين يكون قراره مؤذيًا أو خاطئًا. كأنه يفضّل أن يخطئ بإرادته على أن تُدار حياته بإرادة غيره. والمفارقة أن يوسف، ابنه المبصر، يبدو أقل حرية منه. يوسف يرى الحارة جيدًا، وربما لهذا يريد مغادرتها؛ لا يرى فيها مستقبلًا، ويحلم بالسفر وبحياة أخرى في مكان آخر. الأب يريد أن يتحرر داخل المكان. والابن يريد أن يتحرر من المكان. وكلاهما، في الحقيقة، يقول للواقع بطريقته: هذه الحياة لا تكفيني. ولهذا لا أرى حي الكيت كات مجرد خلفية للأحداث؛ الحي نفسه واحد من أبطال الفيلم. الأزقة والبيوت المتلاصقة والمقهى والجيران والأسرار والأصوات. مكان يعرف فيه الجميع الجميع؛ يمنح أهله الألفة، ثم يضيق عليهم بالألفة نفسها. لا أحد وحيد تمامًا، ولا أحد يملك حياته لنفسه تمامًا. ولفتتني تلك السماعة الغريبة المعلقة في أعلى المكان، التي تأتي منها أصوات وحكايات كأن الحي يتحدث إلى أهله. ربما بالغت في تأويلها، لكنني أحببت أن أراها ذاكرة المكان؛ فالذين يغادرون لا يغادرون تمامًا. يبقى منهم صوت، أو حكاية، أو جملة يكررها الآخرون. ولا أظن أن وجودها في فيلم بطله كفيف محض صدفة. فحين يكون بطلك لا يرى، يصبح للصوت شأن آخر. نحن المبصرون نستولي على العالم بأعيننا، أما الشيخ حسني فيجمعه بأذنيه: وقع الأقدام، ونبرات الناس، والأغاني، والضحكات، والأصوات القادمة من البيوت. وكأن تلك السماعة المعلقة فوق الحارة صدى لأذنه هو تحديدًا؛ الحي كله يسمع كما يسمع هو، ولو لبرهة. وكأن الفيلم يطلب منا، لبعض الوقت، أن نكف عن النظر... ونسمع. حتى النساء في «الكيت كات» قلن لي شيئًا عن الحارة. الرجال كثيرو الكلام والأحلام ومحاولات الإفلات، أما النساء فيبدون أقرب إلى ثقل الحياة اليومية، وأقل امتلاكًا لمنافذ الهروب التي يلوذ بها الرجال. وكأنهن يُبقين البيت قائمًا، بينما ينشغل الرجال بالبحث عن طريقة تُبقيهم هم أنفسهم قادرين على الاحتمال. ولفتني أيضًا أن الفيلم لم ينتزع الرغبة من الشيخ حسني بسبب إعاقته. هو رجل كامل، لا «كفيف» فقط؛ يرغب ويشتهي ويخطئ مثل الآخرين. وهذا مهم. أن تمنح الإنسان حق النقص، فأنت تعترف بإنسانيته أكثر مما تفعل حين تحوله إلى قديس يستحق الشفقة. لكنني لا أريد أن أقع في الفخ المقابل، فأجعل من الشيخ حسني بطلًا انتصر على إعاقته وعلى الحياة. لم ينتصر. وأظن أن الفيلم نفسه لا يقول ذلك. هو فقط يتحايل على الهزيمة. وهذه عبارة أحبها أكثر. فقره لم يختفِ لأنه ضحك، وبصره لم يعد لأنه قاد الدراجة، ومستقبل ابنه لم يصبح أكثر وضوحًا لأن الأب قرر أن يسخر من واقعه. الحياة بقيت ثقيلة كما هي. لكنه رفض أن يعطيها كل شيء. وهنا أفهم ضحكه. الفقر ليس مضحكًا، والبطالة ليست مضحكة، والعمى بالتأكيد ليس مضحكًا. ومع ذلك نضحك طوال الفيلم؛ لأن الإنسان يمتلك حيلة قديمة أمام الأشياء التي يعجز عن تغييرها: يغيّر الطريقة التي يحملها بها. بعض الناس يبكون، وبعضهم يصمت، وبعضهم يحول الوجع إلى حكاية. والشيخ حسني يحوله إلى نكتة. ولهذا كان محمود عبد العزيز مدهشًا في هذه الشخصية. كان يستطيع بسهولة أن يجعل الشيخ حسني شخصية كوميدية نتذكر طرائفها وننساها، لكنه ترك خلف الضحكة شيئًا آخر؛ شيئًا لا تراه دائمًا، لكنك تشعر به. تضحك منه، ثم تحبه، ثم تغضب منه، وربما تشفق عليه، فيفعل شيئًا يفسد عليك شفقتك. وهكذا يكون البشر عادة: أعقد من أن نضعهم في خانة واحدة. خرجت من «الكيت كات» وأنا غير مقتنع تمامًا بتلك العبارة الجميلة التي تقول إن الشيخ حسني هو المبصر الحقيقي بين العميان. لا. أظن أن الأمر أكثر تعقيدًا. هو يرى أشياء لا يراها الآخرون، نعم، لكنه يهرب أيضًا من أشياء لا يريد أن يراها. وهذا أجمل؛ لأنه يجعله واحدًا منا. فكل منا، بطريقة أو بأخرى، لديه شيء لا يستطيع تغييره، وشيء فقده ولن يعود، وباب يعرف في قرارة نفسه أنه ربما لن يفتح. ونحن لا نواجه ذلك بالطريقة نفسها. منا من يبكي، ومنا من يصمت، ومنا من يرحل مثل يوسف، ومنا من يبقى ويركب دراجته رغم كل شيء، ويضحك في وجه حياة يعرف جيدًا أنها لن تتغير لمجرد أنه ضحك. ربما لم يكن الشيخ حسني يضحك لأنه سعيد. ربما كان يعرف فقط أن بعض الأحمال... لا نستطيع حملها إلا ونحن نضحك.