صراع الديكة

سمعت ذلك المصطلح لأول مرة في التلفزيون السعودي قبل عدة عقود من معلّق المصارعة الحرة الراحل إبراهيم الراشد رحمه الله صاحب المقولة الشهيرة “ يرقص كالفراشة ويلسع كالنحلة “ حين كان يصف تكتيك الملاكم الأمريكي المسلم محمد علي كلاي في الحلبة أمام خصمه. حين يشتد حمى الوطيس داخل حلبة المصارعة الحُرّة يتحمس أبا أسامة رحمه الله وتخرج منه الكلمات بشكلٍ تلقائيّ، فيقول “ انظروا إنه أشبه بصراع الديكة” فلماذا الديكة بالذات؟ يُعرف عن الديك بأنه رمز للتباهي يعني (شايف نفسه) فهو صخّاب لجّاج وفي نفس الوقت مستعد للدخول في صراع لمجرد إثبات الوجود. ألوان ريش الديك وعُرفه التاجي وشكل ذيله وطريقة مشيته كلها توحي بكائنٍ استعراضيّ يُحب السيطرة وفرض النفوذ. لم يقولوا صراع الأسود أو الذئاب لأن الديك رغم صغر حجمه إلاّ أنه شديد الاعتداد بنفسه، سريع الاستفزاز بالإضافة إلى غروره حتى أنه أصبح مضرب مثل (كم من ديكٍ ظن بأن الشمس تُشرق بصياحهِ) من اشهر ما قيل عن وصف غرور الديك قصيدة الشاعر السوري نزار قباني التي قال فيها: في حارتنا ديك ساديّ سفاح ينتف ريش دجاج الحارة كل صباح، إلى آخر القصيدة. إن مقولة(صراع ديكة) لا تعني مجرد منازلة بين خصمين، بل توحي بأن كلّ طرف يُريد أن يثبت سيادته وقوته باستخدام كل الطرق المشروعة وغير المشروعة. ولو تمعّنا في مشهد اللحظة الأولى حين يلتقي ديكان يُلاحظ بأنهما يبدآن بالنظر والتحدي، ثم نفش الريش ورفع الرأس والصياح قبل الدخول في المعركة. وحين يوصف خلاف بين دولتين قويتين بأنه (صراع ديكة) فهذا يعني الإشارة الى أن كل طرف يتصرف بطريقة توحي بالعناد والاستعراض والسعي نحو إذلال الخصم. فيما لو اتفقنا بأن صراع الديكة تناطح بين طرفين فلربما قد ينسى البعض بأن من ينزف بسبب ذلك الصراع هو من يقف على خطوط التماس. أخيراً، لا ريب بأن وصف صراع الديكة يدل على السخرية في التعبير أكثر منه دلالة على العنف فالمتصارعين هكذا يتعاركون من أجل العراك ليس أكثر( يعني إني موجود). لندن